غراميّات على شاطئ رملي

img_1865

في بداية العشرينات من عمري عندما انهيت السنة الدراسية في كلية الهندسة بعد اجراء امتحانات في غاية الصعوبة، كنت في أشد الحاجة للراحة والاستجمام. لذا قصدت الشاطئ الرملي الذي لم يكن يبعد كثيراً عن منزلي، بعد ان ارتديت لباس سباحة ازرق اللون ولبست فوقه سروالاً كاكيّاً قصيراً بينما غطّى القسم الأعلى من جسمي قميص قطنيٌّ ابيض له أزرار امامية تسمح لي بالإفراج عن الصدر بالقدر الذي يحتاجه تبعاً للحرارة الجوية. وهذا دون ان ننسى قبعة القش والمنشفة.

اما قصّتي مع البحر فبدأت مُذ فتحت عينيَّ على الحياة. كان منزلنا العائلي يعتلي هضبةً تبدو وكأنها وجدت لتراقبه. ففي كل يومٍ سماؤه زرقاء وصافية وأفقُه مرئيٌّ وواضح بينما موج البحر مائل الى الهدوء، كان قلبي ينعم بعشق الحياة وآمالي تكبر بخيرٍ آتٍ. ونشوتي للحياة كانت تعظم أيضاً حين كانت الشمس تتوارى وراء الأفق وتأخذ وقتها قبل ان تبلل نفسها وكأنها برتقالة في الامد خائفة من ان ترش كل ما كان حولها لدى ارتطامها بسفح المياه. اما في نهار جوَّه مكفهر فكان موج البحر الهائج يرتطم على الصخور ليزيد من رهبة المشهد كما نجد في الدور الذي تلعبه الموسيقى في فيلم سينمائي مرعب. اما خلال الليل فحدث ولا حرج اذ كان صوت الامواج رفيق وسادتي فتنصت أذناي الى ما لم أكن لأراه. ترعرعت على ان أحبّ البحر وأخشاه في آن معاً وحلمي ان تمكنني الأيام من ان اعود للعيش على مقربة منه.

وصلت الى الشاطئ وهو عبارة عن شبه خليج طوله حوالي الثلاثة كيلومترات وشطّه كله من رمال ناعمة فاتحة اللون يكاد من يمشي عليها يخال نفسه وكأنه يخطو في حلمه. وخوفاً من ان تحرق الرمال الساخنة اكفّ قدميّ، كنت أرتدي شبشباً بلاستيكياً كنّا نسميه “ابو إصبع”.

وما ان وصلت الى وسط الشاطئ واذ بي أصادف رتلاً من الاصحاب كانوا قد نصبوا خيمة مستطيلة مفتوحة الجوانب وذلك للوقاية من أشعة الشمس التي كانت تسطع في ذاك اليوم من أواخر شهر حزيران. دعوني للجلوس معهم فقبلت. خلعت قميصي وسروالي ووقفت أتأمل الرواد الذين كان الشاطئ يغصّ بهم…

في تلك الأيام التي سبقت الخلويات، حتى الهواتف السلكية القديمة لم تكن قد توافرت بعد في معظم البلدات. إنما اجهزة الرصد والترقب كانت موجودة على كل الشرفات والنوافذ لتنقل الأخبار بسرعة قد تضاهي ما نجده في اجهزة اليوم. فكلما زرت صديقاً ما في احدى القرى، كان الخبر يصل الى اهلي مع السؤال: بنت مَن كان يقصد؟ لذا كان عليّ توخي الحذر في تنقلاتي وكنت أظن نفسي اكثر حظاً ممن سبقني لان ذاك الجيل كان شبانه وشاباته يتخاطبون “بالعصفوري” لكي لا يفهم احد غريب ما يقصدونه. وكان ذلك بإدخال حرف الزين في وسط الكلمات.

وما أنا في تأملي الى ان دخلت الخيمة فتاة في غاية الجمال كنت قد قابلتها سابقاً. كانت ترتدي مايوهاً اسود من قطعتين يعطي جمال جسدها رونقاً خاصاً. بادرتني السلام وجلست بقربي على الرمال. كان شعرها الاسود القاتم يغطي قليلاً من كتفيها وله تموجات طبيعية تعطي الإنطباع بأنه تم تصفيفه. اما عيناها العسليتان اللتان تغرقان وسط بياض ناصع تحدّه رموش علوية وسفلية سوداء ويكللهما حاجبان طبيعيان فكانتا تشعّان دفئاً جذاباً لا يوصف. اما الشفتان فكأن الخالق قد ابدع برسمهما دون ان ينسى ان يعطيهما لوناً يُرى ولم يكن بمقدور صانعي المساحيق تقليده!

بعد ان تحادثنا بعض الوقت شعرت بتبادل انجذاب فيما بيننا فكنت ارى كثافة في رطوبة بياض عينيها الذي بدأ يأخذ القليل من الإحمرار فقررنا التواري لبعض الوقت عن العيون المترقبة التي كانت ترصدنا.

وإذ كان الشاطئ يغصّ بالزوّار واذ كان يوجد قارب مطاطي مع الفريق الذي كنّا معه، قررنا الإبتعاد به الى عمق البحر. فسحبناه على الرمال حتى المياه ومن ثم فوق المياه حتى بلغنا عمقاً يوازي الركبة فقفزنا في داخله.

تمركزت ناحية المجاذيف بينما جلست هي من الناحية المقابلة. أخذتُ اجدّف بكل قواي لأبعد عن الشاطئ بينما كانت الامواج المتلاحقة تردّ القارب باتجاه اليابسة مرةً بينما تغيّر اتجاهه مرة اخرى. وكنت اذا اتجه نحو اليسار أجدّف بيساري لاردّه نحو اليمين ثم تأتي موجة جديدة فتلطم القارب عن اليسار فتحول الاتجاه نحو اليمين ثم أعيد الكرة من اليمين لأعيده نحو الإتجاه الصحيح الى ان تأتي موجة ثالثة فتحوَّل الإتجاه كلياً نحو اليسار.

بينما كنت أتخابط مع الأمواج سألت مرافقتي: “هل أنتِ خائفة؟” أجابتني:”كيف أخاف وأنا برفقة رجل؟” عندئذٍ شعرت وكأني تناولت جرعة من “السبانخ” التي كان يتناولها “بوباي” في حلقات الصور المتحركة فانتفخ صدري وأخذت اضرب بكل ما أوتيت من قوة تارة من اليمين وطوراً من اليسار آملاً بالوصول الى الأمان في أسرع وقت!

إلا ان الأمواج بقيت تتوالى الواحدة تلو الأخرى والزورق يتجه نحو اليمين لأعيده نحو اليسار والعكس بالعكس دون هوادة الى ان ألمّ برأسي دوار البحر وأخذ يزيد وأنا غير عابئ به الى ان انهرت كلياً على القارب وأسلمت جسدي كمن يسلم الروح!

فما كان من صديقتي إلا ان قامت بمهمة التجديف للعودة الى شط الأمان! ما ان وصلنا حتى قامت بمساعدتي على التمدد على الرمال علّ الدوار يفارق رأسي إلا انه لازمني أكثر من يومين…

لم ألقَ الفتاة بعد ذلك بعد ان احسست بأني فشلت في ابسط المهمات!

 

 

 

قياسي

حكاية مظاهرة طلابيّة في عهد الرئيس صائب سلام

خلال السنة الدراسية ١٩٧٢-١٩٧٣ في لبنان كانت التحركات الطلاّبية في أوجّها. وما ميّز تلك الفترة بالذات كان اتفاق افرقاء اليمين واليسار لأول مرة على خطوط مشتركة لتفعيل وتحقيق المطالِب الطلاّبية. وقد لعب دوراً بارزاً فريق كان يحمل اسم حركة الوعي.

آنئذٍ كنت رئيساً لرابطة طلاّب كليّة الهندسة في الجامعة اليسوعية. لذا كان عليَّ تمثيل كليَّتي في الإجتماعات الطلابيّة كافةً. فاشتركت في مؤتمر دام يومين في قاعة الاونسكو في محيط كلية التربية تمّ خلاله الإتفاق على نقاط وضعناها بشكل مطالب يتم العمل على تحقيقها لاحقاً.

وبعد ان لمس الطلاب تصلباً من قبل الحكومة لتلبية اي من المطالب، كان لا بد من ان يلجأوا الى وسائل ضغط كالإضراب والتظاهر. ويجب ان لا ننسى ان هذه التحركات تلت ما كان قد حدث في باريس لبضع سنوات خلت وأسفر فيما بعد عن استقالة الجنرال “ديغول” من الرئاسة!

في تلك السنة كان الرئيس صائب سلام يتولى وزارة الداخلية بالإضافة الى منصبه كرئيس للوزارة. وإذ كان يغضُّ النظر عن الإضرابات في داخل الحرم الجامعي او في المدارس الثانوية إلا انه كان يمسك الشارع بقبضةٍ من حديد! فكانت كل محاولة تظاهر تبوء بالفشل لان قوى الأمن كانت تنقضُّ بسرعة البرق وتفرّق المتظاهرين. وكان شرط السلطة انها لن تسمح بأي مظاهرة لم تكن قد حصلت على إذن مسبق من قبل السلطات المختصّة!

وبقي الوضع الطلابي يراوح مكانه من إضرابات طلابية ومطالب لا تجد لها أُذُناً صاغية الى ان جاءنا طلب من القيّمين على التنظيم الطلابي بالدعوة الى مظاهرة تم “الترخيص” لها وذلك في اليوم التالي للإعلان ودعوا الجميع للاشتراك بها بكل طاقاتهم.

دعوتُ طلاب الكلية الى جمعية عمومية فاتخذنا قراراً بالإضراب والإشتراك بكثافة في المظاهرة التي كانت معدة للإنطلاق من محيط الاونسكو.

في اليوم التالي قصدت المكان بسيارتي، وكانت من نوع ڤولس ڤاكن، خنفسائية الشكل، لونها أزرق سماوي وكان يظهر عليها بضع سنوات من الخدمة. أوقفتها الى جانب احد الأرصفة القريبة وتوجهت سيرًا على الأقدام الى قاعة الاجتماع المعدة لرؤساء الكليّات والثانويّات. وما ان اجتمعنا الى ان تم إبلاغنا ان المظاهرة لم تكن مرخَّصة قط وان الخبر عارٍ عن الصحة وإنما تمّ نشره لاستقطاب اكبر عدد من المشاركين!

احسست ببعضٍ من الإحباط نظراً لأني أنا كنت قد أكّدتُ لكثيرين من الطلاب الحضور أن المظاهرة “مرخَّص” بها، فلذا يجب حضورهم ولم أكن اريد بالتالي ان أعطي ايّ إنطباع بأني خدعتهم كما لا اريد أن أحمل ذنب أي شائبة قد تصيب أياً منهم فيما لو حصل ما لا تُحمد عُقباه!

خرجت بعد الاجتماع الى الباحة لمقابلة ربعي وكان من المفترض ان يرفعوا لافتات تحمل اسم كليّة الهندسة وكانت مفاجأتي عظيمة إذ لم أَجِد من أصل نحو ٥٠٠ تلميذ هندسة الا ما قد لا يزيد كثيراً عن عدد أصابع اليد الواحدة! وكانت القلّة التي حضرت تتبع تيارات يسارية متطرفة فيما فضّل الآخرون اعتبار النهار نهار عطلة مدرسيّة يقصدون فيه منتجعاً كفاريا أو اي مكان آخر لتمضية الوقت. وما زاد الطين بلة أني التقيت احد معارفي والذي كان يعمل بالمخابرات إذ بادرني: ماذا تفعل هنا؟ هذا ليس مكانك! معلوماتي ان المظاهرة لن تنتهي على خير!

بدأنا بالإصطفاف للإنطلاق فكان بشكل خطوط متوازية تأخذ عرض الطريق وكان كل صف يحوي نحواً من عشرين طالب. وما ان أخذت لنفسي مكاناً في الصف الثاني من الطليعة حتى انتفض احد المنظمين وقال لي: “انت رئيس، تمشي في الصف الأول.” وأخذني بيدي ليضعني في وسط الصف الأول! وبدأت اسأل نفسي هل يعقل ان امشي في مظاهرة قد آخذ فيها تعنيفاً بالضرب بينما من أمثِّلهم يشمّون الهواء ويتنزهون؟

انطلقنا نحو دوّار الكولا والذي كان في محيط الجامعة العربية وكان الطلاب يهتفون شعارات بشكل منظم ليزيدوا من حماس الحشود المشاركة. وكنت انظر الى الخلف لأرى ولو شعاراً واحداً مرفوعاً يمثّل كليّتي او على الأقل أحداً من اليساريين القلائل الذين شاركوا الا أن عينيَّ كانتا تزوغان دون التوصل الى رؤية ما ابحث عنه!

انعطفت المسيرة عند الدوار باتجاه طلعة برج ابي حيدر الذي كان يؤدي الى وسط المدينة. وكان حماس الطلاب يزيد والصراخ يعلو بشكل منتظم وكأن الشعارات ما كانت الا مقاطع من اناشيد وطنية! وضاقت الصفوف الأمامية بتلاصق اكتاف الماشين فانتهزتها فرصة للانزلاق الى الصف الثاني وما مرّت لحظات الا ليُعاد وضعي في وسط الصف الاول!

ما ان اقتربنا من التقاطع مع كورنيش المزرعة حتى بدأت ألمح عن بعد الإعدادات الشبه قتالية التي كانت تنتظرنا. فعلى الزوايا الأربع كانت فرق أشبه بالقوات النظاميّة بكامل عدَّتها من خوّزات حديدية، الى دروع خاصة، الى هراوات الى بنادق حربية والكل ينتظر وصول المظاهرة للإنقضاض عليها!

بدأت أفكّر بالشبان الذين يمشون ورائي ولا يعلمون ما ينتظرهم مصدقين ان التظاهرة قد حصلت على ترخيص مسبق! فتمتمت شفتاي: الله يمررها بسلام!

ما ان دخلنا التقاطع حتى كنت ارى عن قرب أفراد القوى الأمنية بنظراتهم الثاقبة واحناكهم المطبقة على أسنان تكزكز وشفاههم التي تتحرّك نحو الامام ثم تعود الى الوراء وأجسامهم التي تموج وهي تراوح مكانها وكأنها ملجمة وجاهزة للإنقضاض على فريستها!

وما هي الا لحظات حتى علا صوت الرصاص وانقضّت القوات على المتظاهرين ودوى الصراخ وأصبح التقاطع مسرحاً لمعركة ولعمليات كرٍّ وفر. عندئذ لم يكن لي خيار سوى تشميع الخيط والهروب من حيث اتيت! واذ كان صوت الرصاص لا يهدأ كان كعبا رجليّ يطالان ظهري وانا اركض نحو السيارة…

علمت صباح اليوم التالي من الصحيفة ان نحواً من مئة طالب تم ايقافهم بينما أصيب شاب من كليّة الهندسة في الجامعة اليسوعية اسمه بشير أُبَري برصاصة في فخذه!

تأخرت بعض الوقت للوصول الى الكليّة وكانت تقع على تلّة مار روكز فوق الدكوانة لأُفاجأ بأن الطلاب يعقدون إضراباً ويطالبون بالإفراج عني ظَنّا منهم أني كنت في عداد الموقوفين!

قياسي

النحلة اللبنانية-الشرق أوسطية…وانا – رقم ٢

img_4648

لم يكن اللسع الذي ألمّ بي كافياً ليُثني من عزيمتي! وذلك على الرغم مما ردّده على مسمعي الكثير من أقاربي وأخص بالذكر عمي حليم (رحمه الله) الذي قال: “هالشغلة مش إلك! إلك دروسك وبس”.

بدأت بإتخاذ كل الإحتياطات اللازمة لوقاية جسدي من لسعات الحشرة الجميلة والمؤذية. وللذين لا يعلمون الكثير عنها فإن مهمة العقص تنتهي بالموت المؤكد للنحلة بمجرد ان تغرس لاسعها في الكائن الذي تريد الإنتقام منه. فاللاسع له أسنان تسمح له الدخول ولا تسمح له الخروج من الجسم الذي يدخله. والنحلة أنثى غير كاملة بحيث انها لا تستطيع وضع البيض كما لا تستطيع المجامعة مع ذكور النحل. اما الكائنة الوحيدة التي بمقدورها المجامعة ووضع البيض فهي الملكة إذ إنها الأنثى الوحيدة الكاملة في قفيرها ولا يرضيها أن تتعايش مع أية ملكة أُخرى. إذن، النحلة وجدت لتعمل فقط وتفدي بحياتها الوحدة التي تتبع لها. اما الملكة، فتداوم في دارها ولا تخرج الا لمجامعة ذكرٍ واحد بين الجموع التي تلحقها. أما الظافر منهم فيموت وأما بقية الذكور فيطردون بعد ذلك من القفير! وصدق المثل القائل: “مثل ذكر النحل”

بعد ذلك، كنت لا أوفر جهداً في ارتداء ما يلزم للوقاية. ورغم حرصي الشديد على ذلك ، لم أسلم دائماً من العقص. كان القناع الخاص بتربية النحل يركب من أعلاه على قبعة جامدة لونها بيج لبُّها من الفلّين. وكان يستعمل مثيلاتها المزارعون آنذاك للوقاية من حرارة الشمس. وكان لها ثقبان، واحد عن اليمين وآخر عن اليسار يسمحان للهواء بالتسرب من ناحية الى أخرى بشكل يخفف وطأة الحرارة داخل القبعة. وكان كل ثقب مزنّراً بإطار نحاسي يحفظ القماش المغلّف من التفتت. وكان صغر الثقب يسمح بمرور الهواء دون ان يسمح بدخول النحل. إلاّ أني فوجئت أحياناً بتوصّل بعض النحلات النحيفات من الدخول فلُسعت عدة مرات كان ألعنها مرة في الشفَّة السفلى فأضحت وكأنها حُقنت بجرعة عالية من السيليكون، وثانية في جفن العين التي أقفلت بشكل بيضوي ولم أتمكن من فتحها إلا بعد ثلاثة أيام والاخيرة بالأذن مما حوًّلها الى ما يشبه بوق الفونوغراف القديم.

وحيث ان براعم زهر شجر الليمون تتفتّح على الساحل في أوائل آذار بينما يزهر الوزّال في حزيران في أعالي الجبال، كان من المستحسن نقل القفران الى موقعٍ صيفي بعد أفول الربيع في منطقتنا. وبعد تجربة صيف في مزرعة كفرذبيان قررت ان اصيّف النحل في بعذران الشوف بعد اقتراح صديق للعائلة اسمه عادل باز كان يعمل لدى عائلة جنبلاط بصفة خولي في منطقة سبلين. وكان من المتداول به في زمن سبقني ان تلك العائلة كانت تملك أراضياً من مرمى الثلج الى فقش الموج! اما عادل باز فكان من أطيب ما عرفت بين الناس وله دماثة خلق نادرة الوجود. كان يقود دراجة ناريّة في تنقلاته وكان يتميّز بمهارة لا توصف بقدراته المهنية التي كان يمارسها في أوقات فراغه ببناء أشياء غاية في التعقيد.

استقللت السيارة مع والدي لاستطلاع المكان وكان عادل ينتظرنا في منزل عائلته في بعذران. بعد ان قطعنا مسافة لا بأس بها مرورا بقرى ومدن اقليم الخروب وصلنا الى الشوف الأعلى. فمررنا عبر المختارة وعين مرشد وما ان وصلنا الى عماطور حتى انحرفنا الى اليسار فأخذنا الطريق المؤدية الى بعذران إلاّ انها لم تكن كأي طريق! كان على السيارة عملياً ان تتسلّق جرفاً كان أشبه بجدار تلامس قمته الغيوم وذلك عبر منعطفات حادة تعكس اتجاه السيارة بعد كلِّ كوع وكان صرير الإطارات يدوي تاركاً رائحة مطاط محروق تكاد تسبقنا. وكان والدي يزمّر على كل منعطف خوفاً من ألاّ يتنبَّه له النازل من فوق! وكنت طوال تلك المسافة متمسكاً بباب السيارة في زمن لم تكن أحزمة الأمان متوافرة فيه! وكان المنظر كلما صعدنا خلاباً ومخيفاً في آنٍ معاً وبالأخص لعدم توفّر أية حواجز تردع السيارة من التدحرج الى القاع المميت!

وصلنا بعد ذلك الى هضبة جميلة جعلتنا ننسى مشقّة الطريق. وبعد زيارة آل باز، تفقّدنا المكان الذي وُضع تحت تصرُّفنا للإقامة الصيفية للقفران، ثمّ أخذنا طريق العودة…

مساء الْيَوْمَ الذي انتقيناه لنقل النحل الى المصيف، أقفلت باب القفران وكان لدي نحو خمسين منها. وكان يساعدني عاملان من موظفي المزرعة: وفيق وسليم. وكان كل عامل محصّناً بكل ما يلزم للوقاية. وصل بعد ذلك سائق الشاحنة الصغيرة وكانت من نوع بيجو ٤٠٤ رمادية اللون. أوقفها في مكان قريب من القفران وذهب ليجلس معي بانتظار انتهاء عملية التحميل.

كان السائق من بلدة الجيّة ويدعى الياس. كان في العقد الثالث من العمر، مربوع القامة، ممتلئ الجسد. كان يلبس سروالاً من الجينز وقميصاً ذَا أكمام قصيرة عليه مربعات كبيرة مخطّطة بالازرق وله أزرار من الامام أغفل إقفال أعلاها فبدا شعر جسمه الكثيف الأسود فوق قبّته حيث يمتد حتى رقبته الى ان يقف بشكل طوق حدّه ما حلق من ذقنه التي بقيت خضراء رغم تنعيمه لها. اما ذراعاه فكانتا مكسيّتين بنفس الغزارة حتى أصابع يديه.

ما ان انتهينا من التحميل حتى دخلنا مقصورة الشاحنة لننطلق فوجدنا ان إلياس كان قد نسي أن يغلق النافذة عندما أوقفها! وفِي كثير من الأحيان كنّا نجد ان تلك القفران الخشبية قد يحوي بعضها شرخاً نظراً لمكوثها الدائم تحت أشعة الشمس. لذا كان من الممكن ان تكون بعض النحلات قد تسربت الى الداخل عبر النافذة المفتوحة!

جلست على يمين السائق بينما جلس على يميني كل من وفيق وسليم. وانطلقنا! كانت الطريق مستقيمة في اول كيلومترين الى ان وصلنا الى منعطفات منطقة سبلين وكنا قد بدأنا تنفس الصعداء بأن كل شيء تم على ما يرام… وإذ بالنحلات التي تسربت الى داخل المقصورة قد فاعت فجأة ودوّى طنينها بشكل غطّى صوت محرك الشاحنة وأخذت تطير بشكل جنوني رغم الظلمة لتلدغ أياً من كان في الداخل. فأخذنا نضرب يميناً وشمالاً بايدينا او بالأكف التي كانت معنا لإبعادها وإذ هي تبحث عن اي جسد بالظلمة مُقتادة برائحة أجسامنا! وإذ كان سائقنا قد تعطّر قبل مجيئه اتّجه الكثير منها نحوه وأخذ النحل يغزّ في شعر صدره ويديه للوصول الى “الهبرة”. عندذاك طار صواب صاحبنا وبدأ بالسباب وأفلت مقود الشاحنة غير عابئ بما قد يحصل. اتجهت الشاحنة نحو الهوة فرأيت الموت في عينيّ وكنت اجهل قيادة السيارات فانتفضت وأمسكت المقود من على جانب الياس وأخذت أصارع ذاك المقود يميناً ويساراً الى ان انتهينا من منعطفات سبلين ووصلنا الى كترمايا. عندئذٍ هدأ الجو ولا ادري ما حصل للنحلات الفائعات! هل ماتت كلها أم هدأ طبعها؟

أما نصيبنا من العقص فقد كان أقل بكثير من الرعب الذي انتابنا! المهم اننا أكملنا مشوارنا وأوصلنا النحل الى مقره الصيفي. وكانت المرة الاخيرة التي لجأنا فيها الى خدمات الياس!

قياسي

حفلة عرس في داريا

img_1817

في أواخر صيف سنة ١٩٧٢ دُعِي والدي الى حفل عرس في داريا الشوف وهي قرية تتواجد على بعد كيلومترات من بلدة شحيم في أعالي اقليم الخروب. وكان والد العريس “أبو عنتر” قد زارنا وأصرّ على حضور كلٍ من والديّ لمراسيم الحفل.

وبما أن وعكةً صحية كانت قد ألمّت بوالدي ومنعته من مغادرة الفراش طلب مني أن أذهب الى المدينة القريبة لاستحضار سلّة زهور تليق بالمناسبة وانطلق بعد ذلك الى داريا لتمثيله.

استقللت في الصباح سيارة والدي واتجهت نحو صيدا. كانت من نوع أودي ١٠٠ ل.س. سوداء اللون تزين هيكلها تقليمات كرومية بينما كان داخل المقصورة يحوي مقاعد جلديّة ذات لون احمر ساطع. أما تابلوه القيادة الخشبي مع ساعاته المستديرة فكان يعطي رونقاً خاصاً أشبه بما نراه في السيارات ذات الطابع الرياضي.

وصلت الى بائع الزهور وانتظرت زهاء نصف ساعة حتى تم إعداد الطلبية. كانت سلّة كبيرة مستطيلة مملوءة بزنبق مار يوسف اضطررت ان افتح كلي البابين الخلفيين لإدخالها فغطّت كامل المقعد من النافذة الى النافذة بينما كان أعلى الزنابق يلامس السقف ويحجب عن السائق الرؤية عبر النافذة الخلفية.

انطلقت نحو داريا وكنت أسابق المنعطفات متلذذاً برؤية أعناق الزنابق عبر المرآة وهي تلوح يميناً ويساراً حسب حركة السيارة. وبعد ان قطعت وسط شحيم ببضع كيلومترات وصلت الى مفرق على اليسار يؤدّي الى القرية.

وما ان تراءت لي البلدة حتى توقفت لحظات لألقي نظرة عليها. كانت مبنية على هضبة من منازل خرسانية متلاصقة. أسفل تلك المنازل مسكون وكامل بينما أعلاها في قيد الإنشاء. اما الأزقة فكانت ضيقة وملتوية. كان هذا حال معظم القرى القديمة التي كانت منازلها مبنيّة بهذا الشكل طلباً للأمان. وداريا معروفة بالزيتون وزيت الزيتون. وكان يُروى عن تجارها انهم يبيعون أضعاف ما ينتجون من ذاك الزيت!

ما ان اقتربت من القرية حتى صادفت احد المارّين فسألته عن بيت “أبو عنتر”. فأجابني سائلاً: هل تسمع الموسيقى؟ الحق مصدرها فتصل اليه.

بعد ان وصلت رحّب بي أبو عنتر، وكان في العقد الخامس من العمر طويل القامة، عريض المنكبين، له وجه مستدير مائل للإحمرار ويزين وجهه شاربان معكوفان ألمّ بالإعتناء بهما ولا أشك انه لم يقصر في استعمال مكواة خاصة مع وضع بعض من شمع “التِزماتيل”. اما طربوشه الأحمر وبالطريقة التي كان يلبسه على رأسه، فكان يدل على وجهة سيره.

دخلنا المدخل ومن ثم انعكفنا نحو الدرج. أما الطابق الأرضي فكان مخصصاً لإحتفالات النساء فصعدنا الى السطح حيث كانت احتفالات الرجال. وكانت مجموعة عواميد خرسانية تعلو السطح جاهزة لاستقبال الطابق الثاني فيما بعد. وكان قماش من نوع الجنفيص قد افرد فوقها للوقاية من حرارة الشمس. اما الكراسي الخيزرانية فكانت قد وضعت على المحيط لإجلاس المحتفلين ولم يكن يتواجد اي حاجز او درابزين خلف ظهر الكراسي.

اصرّ ابو عنتر على إجلاسي عن يسار العريس حيث كنت أقف مع المحتفى به لأسلم على كل متوافد جديد، وكنت كلما عدت للجلوس أتفقد الارجل الخلفية للكرسي خوفاً من ان تقترب اكثر من شفة الهاوية! وعلى أنغام المِجوز والدربكة كان بعض الرجال يرقصون ويقفزون في وسط الساحة وكل منهم يشابه بحركاته تلك التي يقوم بها من امسك بيده احد اطراف الدبكة.

كنت في غاية السرور والانفراج الاّ انه، في لحظة لم أكن انتظرها، اخرج خمسة او ستة من المحتفين مسدسات من نوع ٩ملم (نوع ١٤) وأخذوا يفرغون حمولتها نحو السماء غير عابئين بالثقوب التي يحدثها رصاصهم في الغطاء الجنفيصي! بعد انتهاء الجولة تفقدت بُعدي عن الدرج وأخذت ألعَنُ في داخلي تلك العادة القديمة التي نمارسها في أفراحنا وفِي اتراحنا سواسية!

بعد ذلك هدأ الجو وعاد الرقص الى ما كان عليه على أنغام الموسيقى. وما ان مضى من الوقت نحو ثلث ساعة الى أن بدأت جولة ثانية من إطلاق العيارات النارية!

قبعت في الكرسي وقلت يجب ان أعوِّد نفسي على هكذا احتفالات. ما هي الا ساعات وينتهي كل شيء… واذ كنت أتفقد ما كان من حولي رأيت رجلاً يعتلي بيت الدرج لمنزل مجاور على مقربة قفزة من السطح الذي كنّا عليه. وكان يحمل بندقية حربية قد تكون من نوع “سيمينوف” نصف آليَّة مشطها يتسع لخمس رصاصات. فكان منه الا ان اسند دبشكها الى كتفه وأمسك بيده اليسرى القابض الخشبي وصوّب نحو السماء وضغط على الزناد فانطلقت اول رصاصة بشكل دوَّت لصوتها الأودية المجاورة! إلا ان الظرف الفارغ (الخرطوشة) فبقي عالقاً داخل الملقّم. فما كان من صاحبنا الا ان انزل فوّهة البندقية بحيت أصبحت مواجهة لأجسام الحضور وأخذ يتصارع يميناً وشمالاً مع الملقّم لإخراج الظرف العالق! أخذ الناس يصرخون ومنهم من انبطح على الارض غير الذين تراكضوا نحو الدرج والذي لم يكن بمقدوري الوصول اليه لبعدي عنه! تمكن اخونا من اخراج الظرف وأطلق عياراً نارياً ثانياً علق هو الآخر، ثم أطلق ثالثاً، ثمّ رابعٍاً، وبالنهاية خامساً وكلها علقت. وكدنا نتنفّس الصعداء الا ان صاحبنا وضع مشطاً جديداً وأطلق عياراً جديداً علِق هو الآخر فأخذ يعالج الملقم مجدداً موجهاً الفوّهة نحو المحتفلين الذين جن جنونهم! عندئذٍ انتفض احد القبضايات وطار صوابه من اصرار اخينا على المتابعة فسحب مسدسه وصرخ: سأقتلك يا اخو ال——-! وإذ كنت أتواجد على يمين “القبضاي” قفز احد الموجودين وأمسك بزند اليد التي كان يحمل في قبضتها مسدسه ليمنعه من إطلاق النار! عندئذٍ ارتعبت اكثر إذ كانت فوّهة المسدس تموج قبالة صدري بينما الهوة من ورائي ولا مجال للهرب. عشر ثوانٍ او أكثر مرت وكأنها دهر انتهت بفرار صاحب البندقية من على درَجِهِ.

ما ان هدأ الوضع حتى قمت وودعت المحتفلين معبّراً عن أطيب التمنيات للعروسين رغم إصرارالجميع على بقائي للغذاء!

 

قياسي

لا، لن أسامح

لا، لن أسامح الذين اقتلعوا جذوري وطمروا تاريخي وبدّدوا آمالي بمستقبلي وجعلوني اقصد اقصى أقاصي الأرض بحثاً عنimg_1806تراب ليس من ترابي ليغذّي عروقي قبل ان تجف وتموت وتأخذ حياتي معها!

قضيت السنين أبحث عن نفسي في بلاد أظلُّ فيها غريباً مهما طال مكوثي فيها وأظل في أرجائها دون ماضٍ كالطفل اللقيط الذي وجد على قارعة الطريق.

لا، لن أسامح تلك الفئات التي حلّلت المحرّمات لنفسها بينما حرّمت المحلّلات لغيرها فعاثت فساداً في ارضٍ طاهرة ونهبت وسَبَتْ واستولت على املاكِ غيرها وزهقت ارواحاً سدىً معللةً ذلك بانه أمر مشروع من عند رَبِّهَا!

لا، لا أصدِّق ان المولى قد أوكل أياً من عبيده بإحقاق حقِّه، فهو القادرعلى كل شيء وحده ولا يحتاج لنجدة أيٍّ من بني البشر لنصرته ومن ظنّ انه أولِيَ على غيره فليبهرنا بإطالة حياته ولو ليوم واحد عندما تأتي ساعته!

لا، لن أغفر لتلك الإقطاعيات، القديمة منها والمستحدثة، التي أثْرت من مال الذين لا حول لهم وجعلت من أركانها أسياداً يتوارثون السلطة وأغفلت عمّن جمح من عصاباتها في هدر دم من لم يكن من دينها!

لا، لن أسامح رجال الدين الذين أعطوا غطاءً شرعياً لكل ما جرى فكرّسوا الباطل وتناسوا تعاليم دينهم فتغافلوا عن دحض الشر وتوّجوا رجال السوء وحللوا لهم ما لا يحلّل.

قياسي

ماذا حدث لمايك الامريكي عندما عاد للإستقرار في قريته؟

img_1779

في بداية القرن الماضي كانت قد تفشّت المجاعة في جبل لبنان بسبب قساوة السلطنة العثمانية. كان الجبل محاصراً من كلّ النواحي وكان من الصعوبة بمكان ادخال اي من المواد الغذائيّة لأي من تلك المناطق. واذكر عمّي شاهين كيف كان يروي لنا مغامراته عندما كان مازال صبيّاً إذ كان يقطع المسافات ليلاً وقبل بزوغ الفجر لتهريب الخبز من صيدا الى الرميلة لتقتات العائلة!

في ذلك الزمن هجّ من البلاد ّ كل من تمكّن طلباً للقمة العيش. كثيرون قصدوا العالم الجديد في الأميركيتين وكان القليل منهم ممن تعلّم القراءة والكتابة في اللغة الأم ونادراً منهم من عرف التفوّه بأية كلمةٍ أجنبيّة! لم يكن بمقدور العائلات ان تهاجر بمجملها لذا كان يتم اختيار احد أفرادها فتجمع له العائلة قيمة “الناولون ” وهو تكاليف السفرة ويركب البحر في رحلة تستغرق أشهراً للإرساء بعدها في مرفأ مدينة تبدأ فيها حياته الجديدة. وكانت العائلة تطمئن ان من سافر من بينها سيسلم من الإضطهاد السائد بينما ينقص لديها فم من الواجب إطعامه!

بعد الوصول كان يفتش الواصل الجديد عمن يحسن الكتابة بالعربية لإرسال رسالة الى أهله تخبرهم عمّا ألمّ به. وكانت رحلة الرسالة الى البلد الأم تستغرق مدة طويلة وما ان تصل حتى ان يلجأ مستلمها الى من يقرأها له…

من بين من سافر من بلدتنا، كان “مخايل”. وقد حطّ به الرحال في مدينة “بوسطن” الأمريكية وكان يانعاً في عمره حيث تمّ تغيير اسمه الى “مايك” لسهولة اللفظ والمناداة باللغة الإنكليزية وهو الاسم الذي لازمه بعد ذلك.

لم يتزوج “مايك” في بلاد الإغتراب وإن سنحت له الظروف ان يعاشر بعضاً من نسائها. فبعد ان تعب وشقي في تلك البلاد ولم يتمكن من ان يجمع الا ثروة متواضعة، قرر العودة الى الضيعة لتمضية ما تبقى من حياته بين ربعه واهله.

كان في العقد السادس من العمر عندما عرفته. كان معتدل القامة، مربوع الجسد، يمشي مرفوع الرأس وهو يحافظ خلال تنقّله على استقامة ظهره. كان يحمل عصاً خشبيةً لا للتعكز عليه بل كان يحمله بيده اليمنى بشكل يمكّنه من استعماله عند أية زلّة قدم. كان يرتدي ثياباً جاء بها من بلاد الإغتراب غير عابئ بأية موضة! فكان سرواله الكاكي يحافظ على قطر واحد من أعلاه حتى أسفله بينما قميصه المنقوش بالمربّعات لا يخفي طرازه. وما ميّزه اكثر من أي شيئ آخر، كان ارتداءه لقبّعة بيج فاتح مزنّرة بشريط بنّي، موديل الستينات أمريكية ١٠٠٪‏ وكان يضع على عينيه نظارات هيكلها بنّي على شاكلة ما كان يرتديه الرئيس الامريكي الأسبق “ليندون جونسون”.

كنت اعرفه عن بعد وهو يمشي على طريق جدرا. وكنت أراه من وقت الى آخر واقفاً على الطريق العام بإنتظار مرور بوسطة “الصاوي زنتوت”. كان يحب زيارة الأقارب برفقة أحد من ذويه. وكان كثير الإصغاء، قليل الكلام، في غاية التهذيب، وان تكلم كان ذلك بلكنته الامريكية مع التلفّظ كثيراً بكلمات من معجمه الامريكي: Yes, Alright, Thank you, Nice…

في بداية الأحداث سنة ١٩٧٥ وبعد حادثة عين الرمانة، اشتعل القتال في وسط بيروت وبدأت عمليات قتال وقنص من الميليشيات المتواجدة في المدينة. وكانت المعارك ما ان تتوقف الى حين الى ان تبدأ بشكل أعنف. وكان الكثيرمن الأبرياء يموتون بينما كانوا يتنقلون من وإلى مركز عملهم. وكانت لا تزال الصحف مثابرة على الصدور من “النهار” الى “الأنوار” الى “السفير” الى غيرها… وإذ بِنَا نفاجأ بخبر استرعى انتباه الجميع:

“وحيث ان م. ق. كان يمارس الجنس مع احدى العاملات في المجال، وذلك في السوق العمومي في منطقة الصيفي، وإذ به يقضي نحبه بعد ان اصابته نوبة قلبيّة. ذعرت المرأة وخرجت عارية الى الشرفة وهي تصرخ وتولول. ثمّ تمّ الإتصال بالشرطة التي حضرت و أكملت التحقيق وأصدرت محضراً بذلك”

وإذ تبيّن ان المتوفّي ما كان إلا “مايك” انتشر الخبر بسرعة البرق وأصبح على كل شفة ولسان رغم قلة وسائل الإتصال آنذاك من تلفون وغيره.

وصل الجثمان الى القرية واراد أهل الفقيد القيام بالواجب على أكمل وجه نظراً للمكانة التى كان الفقيد يحتلها في قلوبهم. نعوا كل الاقارب و الجيران والاصدقاء ودعوا مطران المنطقة لترؤس المراسم.

حضرت الجموع الى الكنيسة وحضر المطران الذي اختلى بأقرب الناس للفقيد لسؤالهم عن ماضي الفقيد ليحضر عظته. أخيراً سأل من كان: وكيف مات المرحوم ؟ فأجيب:”في الأسواق”

بعد قراءة الإنجيل وقف المطران والقى عظته عن مزايا الفقيد وتاريخه ثم استطرد قائلاً: “…مات شهيداً…”
وأخذ الجموع يتقهقهون في أحراجهم وبالأخص الرجال الذين يتمنَّوْن هكذا ميتة لأنفسهم عندما تأتي الساعة!…

قياسي

النحلة اللبنانيّة مقابل النحلة الأوروبيّة، ما هو الفارق؟

النحلة اللبنانية

النحلة اللبنانية

النحلة الأوروبية

النحلة الأوروبية

خلافاً لما كان يفعله اترابي في ذلك الزمن من لعب وجعدنة لتمضية أوقات فراغهم قرّرت وانا في الخامسة عشرة من عمري ان ابدأ بعمل ما يدرّ علي مدخولاً دون ان يلهيني عن مواظبة دراستي. وبما اننا كنّا نمضي كل عطلة نهاية الأسبوع كما فصل الصيف بأكمله في مزرعةً كان يملكها والداي في قرية وادي الزينة والتي تقع على طريق صيدا بين بلدتي الجيّة والرميلة، فكّرت بأن أقوم بعمل زراعي. وكانت المزرعة متواجدة على هضبة تطلّ على البحر المتوسط وعلى نحو مئتي متر من الشاطئ، وكنا لا ننام إلاّ على دغدغة صدى أمواج البحر لآذاننا. وكانت تحتوي على مزارع للدجاج البيّاض، مزرعة للبقر الحلوب كما ان باقي الاراضي كانت تستثمر لزراعة الخضار على أنواعه كما أشجار الفواكه من ليمون وأفندي وموز وجوافة وغيرها. وكانت طريق الدخول الى المزرعة خرسانية مغطّاة بفيء العرائش المحمولة على هياكل مصنوعة من مواسير معدنية مدهونة باللون الأخضر ولها قمة على شكل قوس تسمح للشاحنات بالمرور دون ان تلامس عناقيد العنب التي لوَّنها نور الشمس فأضحت لمن يمر تحتها وكأنها زينة إنارة لحفلة عرس.

وكانت طريق مدخل البيت الذي كنّا نسكنه تتفرع من طريق المزرعة وتنحدر تحت العرائش الى ان تصل الى ساحة خرسانية مكشوفة يستعملها الضيوف مرآباً لسياراتهم. وكانت ثلاث درجات تفصل الساحة عن الحديقة المغطاة بالعشب الأخضر الذي تكلله ممرات ومقاطع مزروعة بأنواع مختلفة من الورود والزهور وأشجار صنوبر ونخل وغيرها. وحيث ان شحٌة المياه كانت لا تسمح للكثيرين بزراعة حدائق حول منازلهم كان الكثير من الأقرباء والاصدقاء يعرّجون على البيت لشرب فنجان قهوة وقضاء بعض الوقت.

كانت وزارة الزراعة اللبنانية تشجع نمو انواع من الاستثمار الزراعي وكانت تصدر نشرات تعرّف كل مهتم بامور تلك الزراعة واذكر منها تربية الفرِّي والنحل. بعد قراءة ما توفّر، وكانت المعلومات شحيحة في ذلك الوقت، قرّرت ان أغوص في تربية النحل، علّ قطاف العسل يفي بكل جهد وعمل!

نصحني أحد الخبراء في الوزارة، قبل ان أباشر في مشروعي، ان أقرأ كتاباً بالفرنسية عن النحل اسمه: Le rucher de rapport
فذهبت الى “مكتبة أنطوان” في “باب ادريس” وطلبت نسخة لم تصلني إلا بعد قرابة الشهرين! قرأت الكتاب بشغف من الدفّة الى الدفّة، ولم اختصر قراءة المقاطع التي تشرح فيزيونومية الحشرة!

بعد ان انتهيت من مطالعتي هممت بشراء العدّة اللازمة من عتلة، الى قناع ، الى منفخ الدخان، الى كفّي الحماية، الى ما هنالك… وكان علي ان اشتري قفران نحل لأبدأ بها مشروعي. وبعد السؤال تبين ان قريباً لي من بلدة جون، زوج ابنة عمي منى، واسمه نبيه سعد (رحمه الله) كان لديه نحو ثلاثين من تلك القفران يريد بيعها. إنما تلك القفران كانت من النوع البلدي المصنوع من القصب والطين وذات الشكل الأسطواني. تمت الصفقة وقمنا بنقل القفران بعد تغليفها ليلاً بأكياس جنفيص (طبعاً استعنت بأناس من ذوي الخبرة).

المرحلة الثانية كانت بنقل النحل الى قفران حديثة خشبية. وبعد السؤال تبين ان المنشرة الوحيدة المتخصصة بصناعة تلك القفران كانت متواجدة في منطقة الصيفي المحاذية لساحة البرج في وسط بيروت وبالأخص في وسط السوق العمومي (أي للذي لم يفهم “سوق العاهرات” والذي كان مشروعاً تحت نظر ومراقبة الدولة). وكنت اشتري القفران على دفعات، كل مرة ستة منها وهو اكثر ما كان بالإمكان تحميله بسيارات الأجرة. إنما كنت أخشى فى كل مرة ان يصدفني أحد الأقارب او الاصحاب ويسألني: “ماذا تفعل هنا؟” هل كان ليصدّق أني أشتري خشباً؟

بعد ان جمعت القفران ودهتنها باللون الأبيض، استعنت بأحد الإختصاصيين الذي قام بنقل وحدات النحل الى القفران الحديثة. بعد ذلك جاء دوري لإكمال المهمة…

في بعد ظهر احد الأيام، في نهار زرقة سمائه لا أنساها ، واذ كان بعض الزوّار يشتفّون القهوة في الحديقة مع والديّ، ارتأيت ان ابدأ عملي وأكشف على أحد القفران والذي كان موقعه على مقربة من المنزل. وكنت قرأت في الكتاب الفرنسي انه لا داعي للبس القناع، أو الكفوف الواقية. فما ان تنفخ دخاناً في مدخل القفير إِلَّا وتجد النحل يغُبُّ العسل للإنتقال والسفرخوفاً من ان يكون قد اندلع حريق في الوحدة. اما وهنّ ثكلى في العسل فلا يستطعنّ اغراز لاسِعِهنَّ في احد!

كنت أرتدي قميصاً من الجوخ السميك وسروالاً من قطن لا بأس في سماكته وحذاءً من جلد مع جوارب قطنيّة. فقلت أني لن اطبّق كل ما جاء في الكتاب فوضعت القناع الخاص ولم ألبس الكفوف الخاصة. إلا ان ما قرأته كان يتعلّق بالنحلة الأوروبية وليس بالنحلة اللبنانية او الشرق أوسطية. فما ان نفخت الدخان ومن ثم هممت لفتح الغطاء الداخلي بواسطة العتلة وكان النحل قد الصقه بالشمع العسلي، صدر صوت طقّةٍ اذعرت جموع النحل بشكل لم أر مثله من قبل. فما هي إلاّ هنيهة حتى دوّى طنين الآلاف منها حائمة حولي وكل من غنم منها باي مساحة مهما صغرت من جسمي الا وغرس لسعته الإنتحارية فصرت لا ارى انملة من بشرة يديّ الا مغطاة بالجحافل المهاجمة! أقفلت القفير وهرعت صوب البيت والعقص مستمر بلا هوادة حتى عبر ثيابي وبالأخص على كتفيّ وكاحليّ. حِينَئِذٍ، شمّع الضيوف الخيط وهرولوا الى سياراتهم بينما هرب والداي نحو الداخل واقفلا كل النوافذ. هرب الجميع ما عدا ابو محمد رمضان وهو صياد بحري قديم وقد تولى الإشراف على المزرعة حتى وفاته. فما رأيته إلا وقد هب لنجدتي فسلخ بيديه غصن نخيل وأخذ يضرب جموع النحل يميناً ويساراً لإبعادها عني. الا انه نال نصيبه مما يزيد على الثلاثين عقصة. اما أنا فنلت حصّة الأسد مما فاق المئة لسعة!

تورمت يداي فأصبحت كل يد وكأنها رغيف خبز له أصابع بينما انتفخ كتفاي فاضحيت كلاعب الفوتبول الامريكي الذي يرتدي الحمايات اللازمة. اما كل كاحل فكاد يلامس الآخر عندما أمشي!

بالنتيجة، كان الدرس الذي تعلمته مهماً: ليس كل ما تتعلمه عن النحلة الأوروبية يمكنك أن تنتظره من النحلة اللبنانية الشرق أوسطية. النحلة اللبنانية لسعتها اخطر.

قياسي

ماذا حدث لي خلال الرحلة الجوية سنة ١٩٨٤ من بيروت الى الدمّام؟

image

في صيف ١٩٨٤ كانت ذيول الإحتلال الإسرائيلي للبنان الذي تم سنة ١٩٨٢ لا تزال بارزةً وكانت مناطق كثيرة قد قسّمت الى محميّات بحيث ان كل واحدة منها تقوم بإدارتها وتولّي أمورها ميليشيات متواجدة فيها، وكان كل فريق على تأهب و حذر من جاره فيما القوات الإسرائيلية تصول وتجول على أغلبها وكأنها السلطة العليا التي يخشاها الجميع!

في تلك السنة، وبسبب الأحداث، كان خط الرياض-بيروت موقفاً الى أجل غير مسمى. فسافرت عبر الدمّام برفقة زوجتي وطفلتي دانة. وكان والداي واخي صلاح لم يتعرفوا بعد عَلى المولودة الجديدة. وبعد الوصول الي بيروت لم يكن بالإمكان قطع المسافة التي تفصل بين المطار وبلدتي براً وكانت لا تزيد على ٢٥كلم. فاضطررنا الى المكوث يومين لاستقلال ما سمّيت لنا بأنها باخرة تحمل اسم “رميش” لقطع المسافة بحرياً من الحوض الخامس في مرفأ بيروت الى مرفأ الشركة الحرارية في الجيّة. وكانت رحلة ذقنا فيها الأمرّين لأن “الباخرة” ما كانت الا قارب يستعمل عادة للصيد في مياه أهدأ مما واجهنا.

بعد المكوث أسبوعين بين ربعي وإذ كنت أهمُّ بالعودة مع عائلتي الصغيرة الى الحوض الخامس عبر مرفأ “الجيّة”، وخوفاً مما قد يحصل للمنطقة، أصرّت والدتي على ان أحمل معي بعضاً من الأواني الفضية الثمينة والتي خصَّنا بها أنا وزوجتي بعض الأقرباء في حفل زواجنا لثلاث سنوات خلت. فوضعت تلك الأواني في كيس من الفلانيلا ذات اللون البيج والذي خُيّط خصّيصاً لحفظ القطع من أضرار الرطوبة.

استقلليت سيارة أجرة أوصلتني مساءً الى المطار بعد ان ودعت زوجتي وابنتي اللتين قررتا المكوث مدة أطول في ربوع لبنان تجنباً لحرّ صيف السعودية. بعد ان انهيت التسجيل ووضعت حقيبتي على سيار العفش، توجهت حاملاً كيسي الى المنطقة المخصصة لإنتظار الإقلاع. وكنت أقول لنفسي أني لن اجد وجهاً أعرفه. وإذ بي أُفاجأ بصديق من آل طعمه يرافقه زوجته وأطفاله الثلاث وكان كبيرهم لا يزيد عمره عن الأربع سنوات. وكنت قد تعرفت على هذا الصديق عبر قريب لي كان يعمل في نفس الشركة معه، وكان لنا بعد ذلك تبادل زيارات عائلية فيما بيننا.

سألني صاحبي ماذا في الكيس الغريب الذي كنت أحمله. فشرحت له القصة وانه يحوي فضّيات ارتأينا أن نأخذها معنا على ان نتركها إذ لا ندري ما سيحصل!

وإذ كنت في غاية الإنفراج مذ لقيت من اتحدث معه، والاّ بِنَا نسمع ان الرحلة قد تأخر إقلاعها ساعة من الزمن. فقلت مازحاً بصوت عالٍ:” أوف! هالميدل إيست عطول بتتأخّر!” فتجهّم وجهه فجأة وكأنه استاء مما قلت وسألني: لماذا تقول ذلك؟ فأجبته انه معروف عن الميدل إيست انها تتأخر. فأجاب : أبداً! لم تحصل معي ولا مرة! قلت له انت محظوظ! الم تسمع ما يروى عن اسم الميدل إيست:
MEA = MISS EVERY APPOINTMENT اي : تٌفوت كل موعد

وكان الناس يمزحون في تلك الأيام فيرددون تسميات حول شركات الطيران المتواجدة آنذاك فيقولون مثلا:
BOAC = BETTER ON A CAMEL
SABENA = SUCH A BLOODY EXPERIENCE NEVER AGAIN
الى ما هنالك…

الا ان صاحبي لم يعجبه حديثي وبقي على أعصابه . وما زاد الطين بلة انهم أعلنوا عن تأخير اضافي لساعتين ! فتوقف الحديث فيما بيننا وطالت الدقائق بانتظار لحظة الإقلاع!

اخيراً طلب منا الصعود الى الطائرة. فكان مقعدي بجوار النافذة فوضعت الكيس تحت المقعد المتواجد امامي. جلس صديقي بجانبي بينما جلست زوجته بجانبه بموازاة الممر. وكان الأولاد الثلاثة يبعطون في حرجٓي والديهم بينما كنت قابعا في ركني حيث كان رأسي يلامس انحدار جدار الشباك من ناحية بينما كان جسمي يحاول ان يبتعد عن حراك الأطفال من الناحية الثانية.

بعد ان شرحت المضيفة تعاليم السلامة اقلعت الطائرة وأخذت ترتفع بقوة محركاتها الى ان وصلت الى الارتفاع المنشود لقطع المسافة المتبقية. فأطفئت إشارات ربط الأحزمة وبدأ بعض الركاب يتحركون منهم للذهاب الى المرحاض او للتفتيش عن مجلة او للتكلّم مع مسافر آخر يعرفه ويجلس في صف مختلف. وانقضت بضع دقائق بدأ خلالها الطاقم الإعداد لتوزيع وجبات الطعام وبدأت خلالها أتنفس الصعداء مقنعاً نفسي ان نهاية المشوار قد قربت وما هي الا ما يزيد قليلا على الساعتين ونحط في مطار الدمام… ألاّ ان إشارات ربط الأحزمة أشعلت مجدداً وجاءت المضيفة لتعلن عودة الطائرة بركابها الى بيروت فيما تبين ان احد المحركات قد توقف عن العمل!

عندئذٍ، أقام صاحبي الدنيا وأقعدها ولعن بصوت عالٍ الساعة التي استقل بها الطائرة برفقتي! ثم قال لي بلغة الآمر:” اسمع. هذا الكيس تنساه. وهذا الولد انت مؤتمن عليه، وتقوم بتخليصه في حال حدوث ما لا يُحمد عقباه! هل فهمت؟” أجبته: نعم.

عادت الطائرة الى بيروت وانتظرنا حوالي ساعتين واستقللنا طائرة ثانية أوصلتنا الى الدمام!

منذ تلك الرحلة لم أر صاحبي ولم اعرف عنه شيئاً وانا متأكد من انه اذا صادفني في أية رحلة سينزل من الطائرة مهما كلّف الامر!

منذ حوالي السنة زارني صديق عزيز من آل الخولي وقال انه التقى الصديق القديم وأخبره بانه سيقوم بزيارتي فطلب منه هذا الأخير ان اخبره بقصة تلك الرحلة!

قياسي

ذكريات بيروتيّة

تنتابني الرغبة منذ مدة أن أدوّن بعض ما عشته في سني طفولتي في بيروت، المدينة التي ولدت وشببت وترعرعت فيها ولي من الذكريات ما يملي مجلدات!

كما اسلفت في مقالٍ سابق أني ربيت في شقة مع والديّ و اخويّ في شارع المستشفى الفرنسي من المنطقةً المسماة بالخندق الغميق. وكان هذا الشارع يتفرّع من شارع سوريا على مقربة من كنيسة السريان بزاويةً مستقيمة ثم ينعطف بعد مسافة الى اليمين نحو مدخل المستشفى الفرنسي الذي أعطى اسمه للشارع ثم يلف الى اليسار الى ان يلتف بشكل نهائي الى اليمين ويصبح موازياً بالاتجاه لشارع سوريا حتى المرور امام البناية التي كنّا نقطنها وينتهي على شارع صغير ينطلق من شارع سوريا وينتهي امام جريدة الحياة.

في احدى الليالي الخريفية وكنت آنذاك في الثالثة من عمري، وكانت والدتي حاملا بأخي صلاح، رافقت أبويّ للذهاب الى زيارة سيدة من آل عون كانت تسكن على نفس الشارع على مقربة من التقاطع مع شارع سوريا. كنت امشي وكأني بين عملاقين لصغر حجمي آنذاك. وكنت استنشق طول المسافة روائح منها الجميل ومنها النتن. أما الجميل فكان ما يفوح من أشجار الياسمين التي كانت تغطي مداخل المنازل القديمة لدرجة تجبر الداخل ان يحني رأسه للدخول الى الباحة. وأما النتن فكان ما ينبعث من أسفل بعض جدران أسوار الحدائق والبنايات والتي سقاها بعض المارة من الرجال الذين كانوا على عجلة في أمورهم وذلك على الرغم من الكتابات التي خطّها اصحاب الملك الذين ضاق ذرعهم بتلك العادة فكتبوا: “يا صاحب الشرف الرفيع لا تبوّل هنا” (وعلى فكرة، هذا نموذج من أرقى ما كان يكتب!).

ورغم عدم طول المسافة، كان علينا أن نمر أمام المستشفى، ثم أمام مدرسة أرمنية جبتها لسنة فيما بعد، ثم أمام دار للأيتام. وما أن وصلنا الى المنزل وكان المسكن في الطابق الثاني حتى رن والدي الجرس ففتحت لنا السيدة باب الباحة الخشبي بواسطة حبل رفيع يمتد من مزلاج قفل الباب الى مدخل الدور الثاني.

وبعد انتهاء الزيارة وفيما كنّا في طريق العودة، أوقفنا نحيب مولود لُف بغطاء قديم ووضع على الدرجة الخرسانية أمام مدخل الميتم. رنّ والدي الجرس مرّات عديدة ولم يأتِ أحد لفتح الباب. آنذاك تبادل والداي فكرة تبني الطفل على الرغم من أنهما كانا ينتظران مولوداً في خلال أشهر! وإلا بقوة قادر، فُتح الباب وظهرت احدى الراهبات التي قامت بلم المولود وأدخلته الى الداخل وأقفلت خلفها الباب…

كانت شرفة الشقة التي كنّا نسكنها بمثابة مقصورة المسرح (لوج). وكان الشارع هو المسرح! فكنت اسمع في ساعات ما قبل بزوغ الفجر أصوات التحضيرات لما سيأتي فيما بعد وكأنها أصوات ما وراء الكواليس. وكان الشارع يحوي مشاهد متغيرة تماما كما نجد في اي مسرحية!

يبدأ الصباح بمناداة بائعي بعض مما يستهلك للفطور: مناقيش بالزعتر محمولة على عارضة خشبية، “سحلب سخن”، قهوة ، ليموناضة الى ما هنالك… وكان الفوّال المتواجد في الشارع في قمة انشغاله لتلبية طلبات من تواجد في محله او تلبية طلبات المنازل! وكان كل صحن فول يصل لطالبه بإناء فخاري مزين ببضع حبات الحمص وبعض أوراق النعناع والبقدونس مرفقاً بالخبز الموضوع على ورقة مشمٌعة ولا ننسى الفجل والبصل الأخضر، وكل ذالك على صينية نحاسية … ولا ننسى زيت الزيتون حيث ان كل زبون كان يطلب: بحبح الزيت، اعمل معروف. ومن بين المشاهد التي لا تنتسى والتي انقرضت رؤياها مع الزمن، كان مشهد طمبر الكاز الذي كان يبيع الوقود لأغلب المنازل التي كانت تقتني بابور الكاز الشهير وذلك قبل توفر المواقد الغازية وقواريرها. اما بائع ألواح الثلج فكان يمر كل صباح في شاحنته ليبيع ألواحه الى معظم أبناء الحي. فكان كل بيت يشتري حاجته من الثلج للحفاظ على مأكولاته وكان البائع يستعمل مخرزا لقطع اللوح حسب رغبة الشاري. وكان كل شارٍ يضع لوحه البارد في علبة صلبة ويغلفه بقطعة من الجنفيص ويحيط ذلك بما تواجد من المأكولات لحفظها. وكان كل مطبخ يحوي “نمليّة” تعلق في السقف لحفظ بعض انواع الطعام ورد النمل والصراصيروالذباب عنها وكانت النملية عبارة عن خزانة لها هيكل خشبي تجمع بين أركانها شبكة ناعمة تسمح بمرور الهواء دون الحشرات.

بعد ذلك تأتي عربات الخضار والفاكهة وكل بائع ينادي على ما يبيعه باصوات عالية مرنمة اذكرمنها: “أصابيع الببّو يا خيار” او “إم قليبانة، حلوة وملانة”… وكان على كل من يهمها الامر ان تأتي لجوار العربة لتشتري او تحارج وتفاضل البائع من على شرفة منزلها وإذا اتفقت معه على شيء تنزل من على الشرفة سلّة مصنوعة من القصب ومربوطة بحبل وكانت تضع الفلوس في قاعها مشبوكة بملقط غسيل خشبي خوفا من ان يحملها الهواء. وكان البائع يضع المباع في السلة في كيس ورقي ويعيد بنفس الطريقة ما تبقى من المال!

اما صاحبة الدكانة “إم سيروب”، الأرمنية الأصل وذات اللكنة المعروفة، فكانت تلبي حاجات الحي بأكمله مما تبيع. وكنا ننزل السلة ونصرخ مثلا “إم سيروب، نصف كيلو خبز، وأوقية بن وعلبة بافرا، إعملي معروف”. وكانت تضع المطلوب في السلة وتسجل المشترى على دفتر. وكان يقوم رب البيت بدفع الحساب مرة في الشهر! ولا أستطيع ان أنسى عندما كانت إم سيروب تحمّص البن في وسط الشارع على بابور الكاز في الإناء الأسطواني الأسود وهي تقوم ببرمه فوق النار من بداية العملية حتى نهايتها، وكان دخان التحميص يفوح كالبخور بعطره فيعم كل الشارع بشكل يفتح الشهوة!

يتبع بعد ذلك باعة الحلوى كالكرابيج مع الناطف الخاص به او بائع السمسمية الذي كان يحمل حلواه الممدودة في طبق نحاسي مستدير على رأسه وهو يمشي مرفوع الرأس بتوازن واحتراف بينما يمسك بيده حاملاً خشبياً ثلاثي القوائم يركّزه بخفة على الارض لدى الحاجة ويستعمله لوضع الطبق عليه على مستوى يسهّل له تقسيم السمسمية الى قطع حسب المشتري. ويجب ان لا ننسى بائع الجلاّب الشهير والذي كان يجوب الشارع عدة مرات في النهار.

أما بعد الظهر فكان يأتي وقت “العصرونية” وهي وجبة صغيرة يتميّز بها اللبنانيون إذ يتناولونها بين وجبتي الظهر والمساء. وكان ملك هذه الوجبة بائع الكعك. والكعكة لها ميّزة بشكلها حيث انها تشبه رغيف الخبز اللبناني إنما مفرغة في وسطها بشكل غير متوازٍ وهي مغطسة بالسمسم. كان البائع يحمل منتوجه على طبق خشبي مستطيل يحمله على رأسه ويحمل بيده سيبة خشبية يستعملها كقاعدة عند البيع . وكانت الكعكات مرتبة بشكل منتظم على عدة أدوار. فكان يصيح “كعك سخن” والشارون يؤمّونه من كل صوب. وعند طلب المشتري كان ينخر الكعكة في بطنها ويدخل بعضاً من الزعتر والسمّاق.

أما الأولاد فكانوا يملأون الشارع بأصواتهم وصخبهم وبالأخص في أخر النهار بعد العودة من المدارس. وكانوا يتنافسون باللعب بالكلل الزجاجية الملونة او بالبلبل وهو عبارة عن قطعة خشبية مخروطية الشكل لها رأس حديدي مروّس. فكانوا يلفّون خيطا بشكل حلزوني إبتداءً من الرأس ثم يرمونه بشكل معين على الارض وهم يُمسكون بالخيط حتى يفلت فيقوم البلبل بالدوران حول نفسه لدقائق عديدة وكانالشاطر من كان بلبله يبرم اكثر من غيره!

قياسي

مصيف ْسطيحون اللبناني

image

تخالجني فكرة وكأنّي كبرت اكثر من عمري الحقيقي وان السنين التي تكوّن تعداد سني حياتي هي اقل بكثير من التغيرات التي عايشتها مُذ تفتحت عيناي على ما جال حولي !

تعود بي الذكريات الى الأيام التي نشأت فيها في المدينة التي شهدت ولادتي ألا وهي بيروت. كبرت وترعرت في شقة كانت تقع في الطابق الرابع من بناية تواجدت في شارع المستشفى الفرنسي الذي كان يقع غرب شارع سوريا في وسط المدينة في منطقة تسمى “بالخندق الغميق”. وكان هذا الشارع على بعد خطوات من جريدة “الحياة” الشهيرة والتي شهدت دارتها مصرع مؤسسها ورئيس تحريرها “كامل مروة” في مكتبه سنة ١٩٦٦ وهي ذكرى لاتغيب عن مخيلتي لأن الواقعة هزّت الحي بأكمله !

والمعروف عن مدينة بيروت انها تتحلى بشتاء معتدل فيما صيفها حار جدا وترتفع في الجو نسبة الرطوبة بحيث ان أي فرد يكاد يغرق في عرقه نهاراً فيما يصعب عليه النوم ليلا. فالجدران التي سطعت عليها الشمس تبصق خلال الليل حُمم ما خزّنته من حرارة لتجعل لذة النوم أمراً مستحيلاً علما أن اجهزة التكييف لم تكن قد توافرت بعد.

في تلك الأيام ، اي خلال الخمسينات والستينات كانت بيروت تتميز بوجود نسبة عالية من ذوي الطبقة المتوسطة بين سكانها. وللهروب من وطأة الحر خلال الصيف، كان الكثير من عائلات تلك الفئة يهمّ بإستئجار شقة لقضاء موسم الصيف في احدى البلدات المتواجدة على المرتفعات المطلة على العاصمة. فكان مجرد الإبتعاد مسافة تقاس بعشرات الدقائق بالسيارة والإرتفاع الى الهضاب يفي بالغرض فحرارة الجو تقل بعدد من الدرجات مما يجعل قضاء فصل الصيف في الربوع الجديدة لذة ومتعة لا تفوّتان. فبعد انتهاء موسم المدارس في أواخر شهر حزيران كان يتم الإنتقال الى المقر الصيفي وكل ما يترتب على ذلك وهو نقل الأثاث والأدوات المنزلية الى المقر الصيفي وكل ما يلزم للعيش على أفضل يكون. وكان الوضع الجديد يدوم لغاية أواخر شهر أيلول حيث تتم العودة الى المنزل الشتوي! اما الرجال فكانوا يواظبون على الذهاب الى أعمالهم في المدينة والعودة الى المصيف بعد الظهر.

وكنتَ عندما تسأل احد معارفك عن المكان الذي يمضي فيه صيفه، تسمعه يجيبك بتسمية احدى البلدات التي وقع عليها اختياره كبرمانا، او بعبدات،او بحمدون، او فيطرون، او ريفون، أو عجلتون… إلا الذي لم يكن بمقدوره، لسبب او لآخر، الإنتقال الى مصيف فكان يجيبك “سطيحون”

وما هي “سطيحون” وأين توجد؟

كانت العادة ان نقوم كل صباح لدى الإستيقاظ بفتح الشبابيك وفتح درف الستائر الخشبية وذلك لتهوئة غرف النوم، صيفاً او شتاء. وكان للغرفة التي كنت أرقد فيها مع كل من أخويّ نافذة وباب يدلي على شرفة تطل على الغرب. وكانت الرؤية تمتد الى نحو نصف ميل من الأبنية المتعددة ذات الدور الآحادي بمعظمها وذات السطوح المسطّحة الخرسانية والتي بنيت من ثلاثة عقود من قبل او اكثر. وكان الأفق يصطدم بصف أبنية من ثلاثة او أربعة  طوابق يتوسط مرآها جامع لا تزال أذناي ترددان صدى آدانه!

ففي كل صباح من الأيام الحارة التي كان يبدأ موسمها في منتصف حزيران وينتهي في منتصف أيلول ( على أساس ان أيلول طرفه بالشتي مبلول) كنت أتصبّح بمشهد لا يثمّن ولا اغفر لنفسي كوني لم التقط له أيا من الصور! فعلى مرمى النظر كانت السطوح مأهولة من الذين رفعوا فرشهم عبر السلالم وجعلوا من السطح مرقداً لهم طوال الليل. فمع بزوغ الشمس كنت ارى أجساما تتحرك ثم تنزل على السلالم الخشبية لقضاء ما يلزم في البيت قبل الذهاب الى العمل. وكان يتم ترتيب الفرش في مكانها بانتظار المساء من دون اي خوف من المطر، فبيروت لا تمطر فيها السماء طوال فصل الصيف (فيما عدا أيلول كما ورد سابقا)

هذه كانت قصة سطيحون كما عرفت والتي قضت عليها المكيفات الكهربائية…

image

 

قياسي