Vous avez battu tous les records!


Vous avez battu les records! Il est grand temps de l’admettre

Dans vos fonctions, vous avez dépassé toutes attentes

Lorsque vous avez été nommée, plusieurs de nos concitoyens ont espéré voir leur ville adorée, Montréal, prospérer avec votre administration

Ils souhaitaient de tout-cœurs, que vos sourires et éclats de rire leurs promettent vraiment le développement de leur cité préférée

Toutefois, vos actions ont eu un effet bien plus néfaste que la pandémie qui nous a frappé de plein fouet

Si vous n’avez pas réinventé la roue, vous avez certainement tenté de le faire à tort et à travers

Vous croyiez vraiment régler le problème du réchauffement climatique de la planète en attaquant les automobilistes de Montréal

J’ai du mal à concevoir comment l’administration d’une Métropole d’échelle mondiale pourrait passer outre sur les plus importants enjeux qui menacent ses citoyens en faveur de concentrer ses efforts sur des problèmes marginaux

Le problème du gagne-pain des résidents est désormais plus essentiel et critique que tout autre problème

Si nous évaluons vos réalisations au centre-ville de Montréal sur les quatre dernières années et l’état lamentable dans lequel il est rendu aujourd’hui, et si nous contemplons la condition économique de ce même centre-ville à l’heure actuelle comparativement à l’effervescence du centre-ville de Québec, il n’est pas difficile de conclure que vous n’avez pris que de mauvaises mesures tout le long de votre mandat

Afin de prendre de telles décisions, il vous fallait consulter la population et gagner son appui avant de procéder! Il fallait également vous assurer que ce que vous alliez entreprendre comme démarches allaient éventuellement produire les résultats escomptés. Je cite comme exemple la diminution du réchauffement climatique; un concept en faveur duquel vous militiez et continuez de le faire avec ferveur

En éliminant des milliers d’espaces de stationnement au centre-ville, en transformant des artères principales en des autoroutes pour cyclistes qui n’en ont pas vraiment besoins, en obstruant des rues pour l’élargissement des trottoirs bien au-delà du nécessaire pour les piétons, en mandatant des travaux interminables par ci et par là, vous avez transformé le centre-ville en un labyrinthe et un cauchemar pour la navigation

Ceci étant dit, la plus grande question qui demeure sans réponse est:        Quels sont les résultats de votre aventure?

Après 4 ans de votre règne, nous constatons :

  • Aucun refroidissement climatique n’a été décelé à Montréal suite à vos agissements. Vous êtes allée chercher midi à quatorze heures; les feux de forêts sont bien plus néfastes à l’environnement que les émanations d’un véhicule. Un seul feu pourrait être équivalent aux émissions de milliers de voitures sur des dizaines d’années.
  • Bien que vous ayez réduit de façon drastique les places de stationnement, les conducteurs obligés d’aller au centre-ville sont forcés à tourner en rond longtemps afin de trouver un stationnement, ce qui forcément contribue à dégager plus d’émissions.
  • Le déplacement en voiture se fait en grande partie par des gens qui travaillent sur la route : les représentants, les entrepreneurs, les ouvriers, les professionnels etc… Pour ces gens, les voitures aident à leurs gagne-pain quotidien et au bien-être de leurs familles. En réduisant leur moyen de déplacement, vous les avez lésés et vous avez contribué à la réduction de leur revenu et même les rendre au bout de la faillite.
  • Vous pourriez être tenue responsable pour d’innombrables fermetures de magasins, de commerces et de restaurants obligés plier bagages suite à vos décisions aléatoires qui ont rendu impossible l’accès à leurs commerces. Bon nombre de ces emplacements existaient depuis des dizaines d’années! Si les lois le permettent, ils devraient pouvoir recourir à des poursuites collectives contre une administration qui les a amenés à la perte de leurs commerces et des centaines de milliers de dollars investi là-dedans.
قياسي

ذكريات من عقد قراني (الجزء الثالث)

من ذكريات عقد قراني (الجزء الثالث)

تقدّمتْ كثيراً علاقتي بميشا وبدأتُ أُكثِّف زياراتي المسائيّة لمنزلهم. كنتُ أجلسُ على الكنبة المقابلة لها من ناحية الزاوية ونتساير بصوتٍ منخفض. لا أعرفُ من أين كنّا نجد كلّ تلك الأحاديث التي تجعلنا لا نملّ من التسامر والسهر. كانت والدتها تعتلي الكنبة الطويلة القريبة من جهاز التلفزيون وتمدّ رجليها عليها لمتابعة المسلسلات المعروضة! لا بدّ أنها كانت تزاولُ مهمة مراقبتنا وذلك كان يستمر حتى ينتهي العرض التلفزيوني فيتمالكها النعاس وتضطر للخلود إلى سريرها!

في بداية زياراتي المسائية لهم كنتُ أصدفُ شاباً أو أكثر يؤدّون زيارة لهم. شبّهتُ هؤلاء آنئذٍ بالذباب الذي ما ان يشتمّ رائحة قطعة حلوى حتى يحوم حولها! لا بدّ أن والدة ميشأ تفاجأتْ بأن البيت أصبح يعجّ بالزوّار بعد أن كان عددهم نادراً فيما مضى! مع الوقت، بدأ عدد هؤلاء يخفّ بعد ان لمسوا ان ميشا لم تكن تبادلهم ابتسامتها الترحيبيّة!

نظراً للقيود الموجودة على المطاعم وقتئذٍ، لم يكن من السهل ارتيادها برفقة فتاة! لذا كنا نفضّل الذهاب بالسيارة لزيارة إحدى أختيها أو منزل أحد الأقارب! من أجمل الذكريات أننا كنا نسلكُ شارع الجسور، والذي كان يحوي على ما لا يقل عن ثلاثة عشر جسراً، ونستمع عبر تسجيل “الكارتريدج” إلى أغنية  “ليلَة ليلَة ليلَة يا ليلَة” مسجلة من حفلٍ لمحمد عبده! كنا في قمة السعادة ونحن نردّد الكلمات مع الأغنية!

واظبَتْ الجارة على إظهار وجهها كلّما رَصَدتْ وجودي في زيارة لميشا. لم تكن تمكثُ أكثر من دقائق معدودة. كلّ همّها هو تعبئة مخزونها بآخر المستجدات، وأدقّ التفاصيل التي تريد ان تعرفها قبل غيرها! وكانت تُنظّم في منزلها من آنٍ لآخر جلسات للعب ورق الشدة وتدعوني لأكون بين المعازيم!

في إحدى الأمسيات، وبينما كنتُ جالسًا بالقرب من ميشا في الصالون، رنّت الجارة جرس الباب. فتحَتْ لها والدة ميشا واستقبلتها. دخلتْ وألقت التحية على الجميع ثم وقفت كالعادة في محيط باب المدخل. أخذت تهْمُزُ بحقّ زوجة ابن عمّي، وتسردُ أخباراً مسيئة لها! قاطعتها قائلاً: “لا أسمحُ لك ان تتكلّمي بهكذا كلام عن سيدة أكنُّ لها كل احترام!” تفاجأتْ بردة فعلي. توقّفتْ عن الكلام. كانت ذراعاها ممدودتين الى الأسفل وهما على شكل رقم ٨. حنتْ رأسها قليلا نحو اليسار ونظرُها متجهٌ نحو الأرض أمامها! وإذ بها تدور بجسمها وتفتح الباب وتخرج دون أن تتلفّظ بكلمة!

مرّت قرابة العشر دقائق كنت ما زلت خلالها متعجّباً مما حدث، وإذ بنا نسمع طرق الباب مجدّداً! فتحت والدة ميشا الباب لتجد الجارة تدفع الدرفة وتدخل وهي تُزمْجرُ وتتوعّد وتحرّكُ ذراعيها على شكل مقص صعوداً ونزولاً محدقةً بعينيها نحوي وتحاول الوصول إليّ للاقتصاص مني وهي تردّد: “كيف تكلمني بهذه الطريقة؟ انت لا تعرفْ من أكون! لم يُخلقْ بعد الذي يكلّمني بهذا الأسلوب! لن أدَعكَ تعود إلى هنا!” وكانت والدة ميشا تحاول إبعادها عني بكل قواها، بينما هي مصرّة على ان تطالني بيديها! لم أحرّك ساكناً، ومضت دقائق والجارة تلعنُ وتشتُم حتى جاء زوجها وساعد بإخراجها!

تعكّرت الأجواء بعد ذاك المساء! شعرتُ بامتعاض تجاه ماحدث! كانت والدة ميشا تربطها صداقة طويلة الأمد بتلك المرأة وتعتبرها بمثابة أخت صغيرة لها!

أما ميشا فكان موقفها صعباً! كانت تريدني ولم يكن بإمكانها معاداة الجارة التي تربطها بوالدتها صداقة كبيرة!

امتنعتُ عن زيارتهم لبعض الوقت وكنت اتحادث مع ميشا بواسطة الهاتف. قررت الذهاب الى لبنان لزيارة والديّ وتمضية أسبوعين او ثلاثة!

وإذ لم تكن والدتي على علم بعلاقتي مع ميشا، وكانت تتهيّأ لتعرّفني على فتاة على ذوقها، غادرتُ الرياض باتجاه لبنان !

ما ان وصلتُ حتى بدأتُ أرافق والدتي بزيارات متنوعة! وبالفعل تعرفت على عدة فتيات!

إلّا ان خبراً سبقني الى الرياض مفاده أني خطبت فتاة من لبنان!

والتتمة في الجزء الرابع…

قياسي

ذكريات من عقد قراني (الجزء الثاني)

ذكريات من عقد قراني (الجزء الثاني)

كنت أعلمُ ان والد ميشا سافر إلى الرياض سنة ١٩٥٢، وذلك قبل سنوات عديدة من ولادتها. آنئذٍ، لم يكن المطار الرسمي قد تمّ إنشاؤه! وكانت الطائرات التي تحطّ على المدرج الترابي تُغرّز عجلاتها أحياناً، ممّا يشلُّ حركتها. وكان يتمّ الاتصال به لسحبها من علقتها بواسطة الشاحنة الرافعة!

لم تكن المكيّفات قد وصلت بعد. وإذ إن الجوّ الحار يسودُ معظم أيام السنة، ويتغيّر من حار إلى حار جداً حسب المواسم، كان السكان يبلّون بالماء الشراشف التي يلتحفونها وذلك كي يتمكّنوا من النوم! وهذا الوضع تغيّر طبعاً في الستّينات!

مساء اليوم التالي للقائي بميشا في شقة ابن عمّي ، قرّرتُ أن أقوم بزيارتهم! كانوا يسكنون في الطابق الثالث من عمارة تمّ بناؤها قبل عقدين أو أكثر في منطقة “الملز”، لونها شاحب كبقيّة الأبنية في تلك المنطقة، وذلك بفعل الطوز ، وهي الرياح التي تحمل معها الرمال، والتي تهبّ  بين حين وآخر، وتُعدمُ الرؤية أمام المتنقّلين!

وإذ صدفَ ذلك خلال الأسبوع الثالث من شهر كانون الثاني (يناير)، والحرارة في الرياض تنخفض خلال الليل، ارتديتُ فوق ثيابي معطفاً بيجيّاً خفيفاً من نوع الترنشكوت، ووضعتُ على رأسي قبّعةً مبلطحة من الجوخ لونها بيجيّ أيضًا! خلتُ أن من ينظر إلى مظهري يظن أني محقّقٌ في مفرزة المباحث!

ما ان بدأت أصعد سلّم الدرج المكسو ببلاط الموزاييك القديم حتى سمعت صوتَ امرأتين تتحدثان بصوت عالٍ في أعلى السلّم، ثم انقطعتْ الأصوات وسمعتُ طبْشَ بابين. عرفتُ فيما بعد أن والدة ميشا كانت تمدّ حديثاً مع جارتها التي تسكن بالمقابل والتي ما أن لمحتني في أسفل الدرج، حتى سألتْ: من هو ذا القادم؟ أجابتها: “هذا بشير القزّي وقد أتى من أجل ميشا!” وقتئذٍ دخلتْ كلّ منهما الى منزلها مغلقةً وراءها باب شقّتها.

ما ان قرعتُ الباب حتى فتحتْه والدةُ ميشا واستقبلتني ودعتني للدخول. سلّمتُ على والد ميشا الذي كان يجلس على الركن الأيمن من الصالون وكان يبدو عليه الإرهاق بعد أن أمضى نهاره في العمل. جلستُ على الكنبة التي تقع على الجانب الأيسر من باب المدخل، بالقرب من جهاز التلفزة الذي يركنُ في الزاوية. نظرتُ الى فرش الصالون الذي يشبه بتفصيله ما نسمّيه بالمجلس العربي، وبدا اللونُ الأخضر غالباً على بقية الألوان التي يتألف منها القماش. ما هي إلّا دقائق حتى دخلت ميشا وسلّمتْ عليّ باليد ووجهُها تزيّنهُ تلك الابتسامة “القاتلة”… بعد ان جلستْ من الناحية الثانية من التلفزيون أخذنا نتحدّث. قليلة الكلام، إلّا ان الأنوثة كانت تفيض من عينيها!

ما مرّت دقائق حتى رنّ جرسُ الباب.  فتحته والدة ميشا فدخلتْ الجارة التي تحدّثتُ عنها. يبدو أنها أخذتْ بعض الوقت لترتيب هندامها وتسريح شعرها الأشقر ووضع أحمر الشفاه. وقفتْ في وسط الباب ورمتني بابتسامة تحيّة! وإذ وقفتُ احتراماً لها وجدْتُها تتفحّصني بعينيها الكبيرتين من أعلى رأسي إلى أسفلِ حذائي. ثم توجهتْ إليّ بالقول: “أنا جورجيت، جارِتُنْ من ١٢ سنة!” دخلتْ نحو المطبخ لتكلّم والدة ميشا ثمّ غادَرَتْ على عجل بعد أن تزوّدَتْ بما يُرضي تَطَفّلها! 

أمضيتُ السهرة هناك وأعدْتُ الكرّة بعد يومين، ثمّ أخذتُ أكلّم ميشا على رقم هاتفِ مركز عملها وبدأتْ زياراتي تتقاربُ بالوتيرة!

دعوتها للعشاء لأوّل مرّة. وافقتْ على ما اقترحتُه. مررت في الموعد المحدّد لأخذها من بيت والديها. كان والدها في الصالون. كان عليّ أن استأذنه باصطحاب ميشا الى العشاء، وسألني عن المكان الذي نقصده والساعة التي سأعيدها إلى المنزل!

دخلتْ ميشا إلى الصالون ببهائها المميّز: من شعرها الكستنائيّ الذي تَظهرُ ثنياتُه المتناسقة، وإشراقةُ وجهها الذي تزيّنه تلك الابتسامة الفريدة… إلّا أن ما فاق كل شيء، كان ذاك الفستان الأحمر الوردي والذي كان يلبسُ جسمها! قصير الأكمام ، ما ان يضيقَ عند الخصر، حتى يتّسع تدريجياً ليصل إلى تحت الركبتين، وطيّاتُ القماش تزيد من رونقه. أما الحذاء ذو الكعب المتوسط فكان أحمر أيضاً! للحقيقة، بدا عليها الفستان أجمل مما بدا الثوب الأحمر الشهير الذي ارتدته الممثّلة “جوليا روبرتس” في فيلم “بريتي وومن” والذي صدر بعد عشر سنوات من تلك الليلة!

قصدنا فندق ماريوت خريص حيث تناولنا العشاء، ولا أنسى صحن المقبلات الذي يحوي نصف حبة أفوكادو مع القريدس والصلصة الخاصة بها. أما الطبق الرئيسي فكان من الستيك والخضار.

بعد تلك السهرة تقدمتْ علاقتنا كثيراً إلى أن حدث شائب عكّر صفاءها! سأترك التكملة الى مقالٍ آخر…

قياسي

ذكريات من عقد قراني (الجزء الأوّل)

ذكريات من عقد قراني (الجزء الأول)

الذكريات في الخيال هي كآثار الأقدام على رمال الشاطئ، ما ان تُتْرك للرياح وتطالها الأمواج حتى تمَّحي ولا يبقى منها أيّ أثر! لذا أحاول أن أدوّن بعضَ ما زال عالقاً في ذهني قبل أن يبتلعه الزمن!

وإذ صدفَ منذ أيام ذكرى مرور أربعة عقود على زواجي، عادت بي مخيّلتي الى تلك الحقبة من عمري والتي مرّت وكأنها حدثت منذ أيّام معدودة!

كنت أزاول عملي في الرياض بصفة مهندس مسؤول عن مقلع يحوي كسّارات للحصى ومعملاً لتحضير وتوزيع الخرسانة، وشاحنات نقل وخلّاطات، بالإضافة إلى مشاريع إنشاء أبنية وغير ذلك… وكانت تمتدُّ لِمرآيَ مناظر أراضٍ شاسعة، يغلبُ فيها اللون الصحراوي، ولا أرى من المعالم عليها إلّا مناظرَ الرمال والرجال والجِمال، بينما يختفي منها كل ما يمتّ إلى المرأة بِصِلة… وعلى الرغم من فقدان أملي بأن أصدفَ أية فتاة على هذه الأراضي القاحلة، كنت أؤمن بالمقولة التالية: “لو أراد الله لك أمراً تفتقدُ إلى وُجوده، لأنزلنّه لك من بين الغيوم وجعلنَهُ يحطُّ بالقرب منك حتى ولو كنت في أمحل الأقاليم”!

وإذ كنتُ أمضي عطلة نهار الجمعة مع ابن عمّي في شقته، استيقظتُ من قيلولة بعد الظهر على أصوات تأتي من غرفة الجلوس. نهضْتُ من السرير وتوجّهتُ نحو الصالون. كانت “عايدة”، ابنة خال ابن عمّي، برفقة زوجها وطفلتهما، وكان يرافقهم شابٌ معتدل القامة، شعره أشقرٌ يُسرّحُه من اليمين إلى اليسار وبجانبه فتاة ظننت أنها زوجته.

جلست على مقعد يقابلهم. رغم أني أحسست بثقلٍ في رأسي، وهذا ما يصيبني عادة بعد نومة بعد الظهر، حاولت مدَّ حديث مع ذاك الشاب الذي عرفت أنه لبناني، من أصولٍ أرمنية، ويعمل في شركة للتعهدات الميكانيكية. خلال الحديث، كنتُ أتوجّه نحو الجالسين وكأني أحدّثهم جميعاً وأنا أدير رأسي وعينيّ من اليمين نحو الشمال ومن الشمال نحو اليمين! كنت أخشى ان يتوقّف نظري عند الفتاة حتى لا يظنّ أحدهم أني أسترق النظر اليها وأعرّض نفسي الى شيء من الإحراج! وإذ كنت أجول في نظري لاحظت ان الفتاة تتطلّع نحوي وقد ارتسمت على وجهها ابتسامة ناعمة مرسومة بأجمل شفتين رأيتهما في حياتي وهما تحيطان بثغرٍ تضيئه أسنان متناسقة بيضاء، وفوقه أنف يتناسب مع الخدّين المائلين الى الاحمرار على بُشْرةٍ ناعمة بيضاء. أما عيناها فكانتا بلونٍ بنّي غامق، ولهما نظرة ثاقبة  ويعلوهما حاجبان جميلان طبيعيّان لم يعبث بهما ملقط الشعر! 

هززت رأسي قليلا لأنفضَ الصداع منه، وإذ بي تذكّرت أني كنت قد التقيت والدة “عايدة” قبل أسبوعين من الزمن في فرن الأرز المشهور بالخبز اللبناني. قالت لي نهارئذٍ إنها تنتظر وصول ابنتها الصغرى “ميشا” القادمة من لبنان! دعتني للقيام بزيارتهم بعد وصولها! أومأْتُ برأسي وانا أفكّر: “لم تدْعني إلى فنجان قهوة طوال المدة التي مكثتها مذ وصولي الى الرياض، والآن تريدني أن أهَرْوِل لاستقبال ابنتها؟”

نكزْتُ ابن عمّي بكوعي الأيسر وسألته: “هل هذه ميشا؟” أوْمَأَ بالإيجاب مبتسماً وهو يرفع حاجبيه!

يبدو ان الجميع لاحظوا ارتباكي! سألتها بصوت مرتفع: “أأنتِ ميشا؟” هزّت رأسها بالإيجاب وقد انفرجت اساريرها عن ضحكة أنوثية أشبه بتغريدة متناغمة!    

كان قد مرّ عقدٌ أو أكثر مذ رأيتها آخر مرّة. من طفلةٍ عرفتها وقتئذٍ، ها هي اليوم فتاة شابة جميلة القوام والشكل… 

عقدتُ العزم على القيام بزيارتهم، وللقصّة تتمّة…

قياسي

يا سُذَّج العالم استفيقوا من سُباتكم!

يا سُذَّج العالم استفيقوا من سباتكم!

كنت أخالُ، أننا كشعوب، قد تقدّمنا كثيراً خلال بضعة العقود الماضية، وأن القوانين والأُسس الاقتصادية وَضَعت كلّ التعاملات المصرفية والمالية على المسار الصحيح بحيث أن أرزاق الناس أصبحت محميّة حتى لا يضيع حقٌ لصاحبه. 

التعامل في الماضي البعيد 

في الماضي البعيد كان التعامل التجاري مبنياً على المقايضة. كان المشتري يُقايض البضاعة التي بحوزته بنوع آخر من المنتوجات التي لا تنبتُ أو تُصنّع في منطقته وكان التعامل مبنياً على العرض والطلب! وإذ انقرض هذا النوع من التبادل مع الزمن إلّا أني لا زلت أذكر آخر أنواعها في طفولتي إذ كان تاجر الخردة يمرّ لجمع ما استطاع منها في شاحنته ويطوف الشوارع وهو يصرخ: “حديد بقضامة”! وكان يعطي قدراً معيناً من القضامة الصفراء مقابل من يُزوّده بكمّية من الخردة!

التعامل بالذهب

كان الذهب، وما زال، من المعادن الثمينة النادرة المرغوبة، وكان يستعمل في الحلى والمجوهرات. ونظراً لندرته وقلّة حجمه، أصبح معياراً للتبادل التجاري. ولتثبيته، صَكّت أولى الحضارات عملات من الذهب مبنيّة على الأوزان التي تحويها كل قطعة، كما أصدرت أيضًا عملات تمّ صكّها من معادن ثمينة أخرى، أهمّها الفضة.

التعامل بالأوراق النقدية 

نظراً لصعوبة تنقّل الأفراد وفي حوزتهم أموال معدنيّة تُعيق تحرّكهم، بدأت الدول في القرن التاسع عشر بإصدار عملات ورقيّة مطبوعة. مقابل كلّ إصدار ورقي كانت كلّ دولة تحتفظ في مصرفها المركزي بذهبٍ يوازي بوزنه القيمة النقدية للإصدار!  كان هذا من الناحية النظرية إلّا ان بعض الدول قامت بالتغاضي عن اتباع هذه المعادلة بحرفيّتها مما جعل بعض العملات عرضة لانخفاض قيمتها.

نيكسون وإلغاء التحويل المباشر من الدولار الأمريكي إلى الذهب 

في ١٥ آب (أوغسطس) ١٩٧١ قام الرئيس نيكسون بإلغاء التحويل الدولي المباشر من الدولار الأمريكي إلى الذهب، وما زالت ذيول هذه البادرة تتفاعل حتى اليوم! ما كان من المفترض أن يكون قراراً مؤقتاً أضحى دائم المفعول، وهكذا حذت بقيّة الدول إلى تحديد قيمة عملاتها بوسائل أخرى بعيدة عن معيار الذهب!

أمّا الأسئلة التي لا أجدُ لها أجوبة:

  • إذا لم تكن توجد قيمة محددة كامنة وراء الورقة النقديّة، فَلِمَ هذا التفاوت بين ورقةٍ وأخرى حسب البلد المُصْدر لها؟
  • من هي تلك القوّة التي تُقرّر قيمة الوحدة الورقية وتقرّر رفعها في يوم معيّن وتخفيضها في يومٍ آخر؟
  • للتغلّب على ما طرأ من أزمات اقتصادية خلال جائحة الكورونا، أثبتت الوقائع ان بلداناً متعددة أغرقت الأسواق المالية بمليارات من إصدارات ورقية نقديّة جديدة دون أن يؤثّر ذلك سلباً على قيمة عملتها! فهل هذا مقبول؟
  • وإذ إن التداول النقدي الحديث في التحويلات يتمّ عبر نيويورك دون غيرها وكلّ شيء يقاسُ بدولارها فقط، فهل يُعقل أن تحكم العالم عملة واحدة قيمتها وهميّة؟
  • هل من المسموح به أن نجد بلدانا أصبحت عملاتها لا تساوي قيمة الورق الذي تطبع عليه وتعاني شعوبها من الجوع بينما نرى بلداناً أخرى تتملّكها التخمة وثرواتها تنمو الى ما لا نهاية؟
قياسي

عيد الأضحى لهذه السنة ٢٠٢١

معايدتي في عيد الأضحى ٢٠٢١

أبحثُ عن الكلمات وهي تختفي

في ذكرى عيدٍ، كلّه للتجلّي

في زمنٍ كاد فيه الشرّ ينتصرْ

وأوشكَ كلّ ذي حق ان ينكسرْ

قلبي مُفعمٌ بالحبّ والتمنّي

علّ السلام يعودُ، ولو بالتأنّي

وكل عام وانتم بخير

بشير القزّي

١٩ تموز ٢٠٢١

قياسي

ما هو أغلى: الحياة أم الحرّيّة ؟

ما الأهم: الحياة أم الحرّيّة؟

لدى وفاةِ كلّ شابٍ (أو شابة) من أجل قضيّة، أجدُني مضطربًا لدى استذكار أناسٍ احتضنوه حتى يومه الأخير! وفي مقدّمتهم تلك الأم التي حملته في أحشائها أشهرًا طوال، وأحسّت بكلّ ركلاته، وعانت الأمرّين، وتألّمت، وصرخت من توجّعها حتى أخرجته للحياة! ثم حضنته وحفّضته وغيّرت البسته التي اتسخت، ونظّفته ولفّتْه وواظبت على إرضاعه من ثدييها حتى نبتت أسنانه، وكم من ليالٍ حرَمَ عنها النوم للاهتمام به والسهر عليه!

وما ان كبرَ حتى ازدادت مطالبه. وأصبح لا يرضى بما يُقدّم له، بل أضحى يطلبُ ما يريد! ربّاه والداه بالشبر والفتر، رافقاه من وإلى مدرسته. حصّل العلم طلباً للعُلى، وما أن أصبح يانعاً حتى ناضل من أجل الحرّيّة، وإذا بنا نفقده بلمحة بصر، بعد أن خرَّ جثّة خامدة خالية من الحياة! ونُعزّي أنفسنا بأنه أصبح شهيداً في دنيا الخُلد، تلك الدنيا التي لم يأْتِنا منها مخبر، ولم يعد منها مغادر…

وما نفعُ الحريّة إذا جاءت بعد الممات؟

وكم من الطغاة تجبّروا، وقيدونا بالسلاسل، وزجّونا بالسجون! ناضلنا كثيراً حتى أقصيناهم، وقضينا عليهم ونفّذنا بحقّهم أقصى العقوبات…

كانوا قد كمّوا أفواهنا، وعذّبوا أجسادنا بعد أن رصدوا تحرّكاتنا وتنصّتوا على مكالماتنا! أعدموا منّا أناساً يعدّون بالآلاف…

إنما الويل، وكل الويل، لأُمَّة فاق فتكُ مناضليها، وطالبي التغيير فيها، ذاك الذي عُرف في زمن جزّاريها، وأصبحت الضحايا تُعدُّ بالملايين بدل الآلاف، ممّا جعل المواطنين يهجرون أوطانهم، ويهُجُّون طلباً للأمان، في أي صُقْعٍ كان!

في مشرقنا، أو في مغربنا العربي، عندما أبدأُ بتعداد البلدان التي دُمّرت، بفعلٍ خارجيّ أو بسواعد أبنائها، والتي تمّ فيها القضاء على مستقبل أجيالها الناشئة، أولئك الذين ما زالوا أحياء، أجدني أتساءل: هل أصبْنا في ما صبونا إليه؟ أما كان أجدى بنا أن نُفكّر ملياً قبل أن نُقدم على إجراءات أودت بأوطاننا الى الجحيم وكلفتنا الملايين من الضحايا دون أن نصل إلى أي شاطئ أمان؟ إلى جانب ذلك هدرنا ثروات لا تُعوّض وبتنا نشحذُ كالبؤساء!

وما يحدث في شرقنا الحبيب يجري أيضًا في الكثير من البلدان! هل ننسى ما يحدث في أميركا اللاتينية وكوبا وافريقيا وبعض بلدان آسيا وأوروبا الشرقية ؟ هل من العدل أن نجوّع شعوباً حتى ننتقم من حكامها؟

أمّا تلك القوى العظمى التي شجّعتنا على العصيان، فهل كان همّها الأوّل إعطاءنا حريتنا أم كانت لديها أهداف خفيّة؟ هل حصلَ أن أيّ بلدٍ من بلداننا تمكّن من الحصول على الحرية المرجوة ، وهو ينعم الآن بثمارها؟

ويبقى السؤال الذي لا أجد له جواباً: ما هو أغلى على الإنسان: حريته أم حياته؟

قياسي

هل الطب مهنة أم رسالة؟

هل الطب مهنة أم رسالة؟

كنت أقف إلى جانب صديقي جان خوري في موازاة  الخط الفاصل بين الممرّ الرئيسي “للمول” الواقع في “سان برونو” والواجهة المفتوحة لصالة العرض الخاصة بالمطابخ والحمامات والتي كنت قد أنشأتها قبل عقد ونصف من الزمن. كان جان طويل القامة، ابيض السحنة، أصلع الرأس، يرتدي نظارات مستديرة في إطار معدني رفيع، ذا بدانة مفرطة لا تعيق سرعة حركته وخفّة ظلّه وصهصهته خلال حديثه!

ألقى نظرة نحو “كاونتر” الاستقبال وكان يجلس أمامه رجل وسيدة تقابلهما مصمّمة المطابخ “ناتاليا” وهي تعرض عليهما ما ارتأته من تصاميم، ثم التفت نحوي سائلًا: “هل تعرف من يكون ذاك الرجل؟” وبعد ان نفيت ذلك بإيماءة من رأسي استطرد قائلًا: “هذا هو الدكتور “جوتيه” من أشهر الأخصائيين بأمور الجراحة وقد أجرى منذ مدّة عمليّة جراحيّة لربط المعدة لأختي الصغرى “مايا” وذلك من أجل معالجة البدانة في جسمها!”

مرّت بضعة أشهر مذ ذاك اليوم، كان خلالها الدكتور “جوتيه” قد وقّع على عقد المطبخ، ومن ثمّ تمّ تصنيعه وتركيبه، والى ما هنالك من أمور مختلفة تتعلّق بالأعمال. وإذ كان المسؤول لديّ لمتابعة التنفيذ قد انتقل للعمل في منصب حكومي، وردني اتصال من الدكتور “جوتيه” يزعم أنه غير راضٍ عن العمل. قرّرت الذهاب بنفسي لمتابعة الموضوع وتفحّص أمور التنفيذ. 

وإذ قصدتُ منزله برفقة إحدى المسؤولات عن قسم المطابخ، استقبلنا الدكتور برفقة زوجته. كان طويل القامة، رياضيّ البنية، يرتدي قميصاً أزهر اللون قصير الأكمام فوق سروال من نوع الجينز. كان مُكفهرّ الوجه، عصبيّ المزاج لا يترك لنفسه أيّ مجال للتفاوض. أخذ يُوبّخني وكأني طفلٌ صغير في حضرته. قرّرت استقصاء ما يشكو منه، إلّا أنه كان مصرًا على تكملة صب غضبه عليّ. قلتُ له أننا في صدد مشروعِ بناء وقد تحصل بعض الأخطاء، إلّا أننا لا نسمح بتركها دون معالجة. أشرتُ له ان الأخطاء قد تحدث حتى في المستشفيات. قال: “أبداً! أنا طبيب جراح في مستشفى ولا أترك مجالاً لأي خطأ!” أخبرته أني قبل سنة، ولدى خضوعي لفحص مجرى المرارة، أصاب الدكتور الفاحص البنكرياس بواسطة المنظار ممّا أدى إلى إصابتي “بالبنكرياتيت” وقد وُضعت بعدها لفترة تزيد عن العشرة أيام في قسم معالجة الأشخاص الميؤوس منهم! أصرّ على موقفه مدّعياً أن في عهدته، لم يحصل ولن يحصل أي خطأ!

وبعد تفحّصي للمطبخ وجدتُ سبب امتعاضه وطلبت القطع اللازمة لإجراء التعديلات المطلوبة، وتم الإصلاح وقد حاز ذلك على رضاه!

بعد قرابة السنتين، علمت أن “مايا”، الأخت الصغرى “لجان”، دخلت المستشفى مجدداً، وقام الدكتور “جوتيه” باستئصال الحلقة لأنها لم تكن تناسبها. بعد العملية بحوالي يومين، زادت آلام الفتاة وارتفعت حرارتها. يبدو ان التهاباً ما قد أصابها. كان ذلك نهار جمعة. تمّ الاتصال بالطبيب. كان يمارس لعبة الغولف. أوصى بإعطائها مضادات حيوية ومسكنات، وبقي يمارس هوايته مدّعياً أنه سيراها نهار الاثنين المقبل. إلّا أنها لم تقوَ على الانتظار وفارقت الحياة عن عمر ٢٩ سنة!

بعد ذلك، قام “جان” بملاحقة الطبيب أمام المحاكم، مع أنه من الصعب الحصول على ملاحقة محقّة أمام القضاء الكندي، نظرا لأن نقابة الأطباء تحمي أعضاءها! إلّا ان “جان” تابع الملاحقة القانونية حتى النهاية! تصوّروا ان الدكتور الملاحق ادعى أمام القاضي أن مرضاه يعتبرونه بمثابة “إله”! خسر “جوتيه” الدعوى أمام الملاحقة مما اضطره الى اعتزال المهنة!

تلك الحادثة الأليمة أعادت إلى ذاكرتي ما كنت أسمعه في صغري عن الدكتور عزيز عون، من الدامور في ساحل الشوف اللبناني . كانوا يُسمُونه الدكتور “عجيز”. وُلد في العقد الأخير من القرن التاسع عشر وواظب على معالجة المرضى طوال حياته. في البداية، كان الطبيب الأوحد في المنطقة وكان المرضى يقصدونه من الأرجاء القريبة كافة! كانت عيادته في شارع أشبه بالزاروب نظراً لضيقه وعلى مرمى حجر من منزل جدّتي! كان لا يتوانى عن الذهاب الى القرى لمعالجة المرضى، ونظراً لعدم تواجد طرقات معبّدة في ذاك الوقت، كان يضطر الى امتطاء دابة في الكثير من الأحيان للوصول الى مرضاه، ولم يكن يتقاضى أجراً من الفقراء منهم!

مذ بزوغ النهار كان المرضى يتوافدون على عيادته! منهم من يدخل عليه وهو يتناول فطوره! من القصص الطريفة ان امرأة من بلدة برجا قصدته وهي تشكو له مرض طفلها. قالت له: “يا حَكَيْم، يا حَكَيْم! هالصبي حِكْمُه هْرار، ولون خْروجه، أجلّك يا حَكَيْم، مثل هالبيضات اللي عم تاكلن!” هنا علقت اللقمة في حلق الدكتور، فما كان منه إلّا أن رمى بمحتوى صحنه على الأرض!

وأما عن الممرّضات، فأجد الفارق نفسه وقد لمست ذلك لدى مروري بمراحل صعبة أمضيتها في المستشفيات. من الممرضات من يعملنَ بقدر الراتب الذي يتقاضينه، ومنهنّ من لا يوجد راتب يوازي العناية الفائقة والاهتمام اللذين تقدمانهما للمرضى!

ومن هنا أعيد التساؤل: هل الطبابة هي مهنة أم رسالة ؟

قياسي

والدي وتجربة الطبّ العربي

والدي وتجربة الطبّ العربي

كنتُ قد بلغتُ سنّ الثانية عشرة من العمر عندما تلقّى والداي عرضاً لبيع المزرعة التي كنا نملكها مع المنزل المرفق بها، والذي كان قد تمّ بناؤه على دفعات قبل سنوات معدودة. كانت الأرض تقعُ على أول طريق شحيم القديمة على هضبة تبعدُ نحواً من مئتي متر عن طريق صيدا البحري القديم. وإذ كان والدي قد استدان مبلغاً لتسديد قيمة نصف الأرض ممّن قام بشراء تلك الحصّة من الشريك القديم، وجَدَ نفسهُ يئِنُّ تحت وطأة الفائدة المرتفعة التي كان عليه تسديدها!

كانت الصفقة تنصُّ على تنازل الوالدين عن الأرض الزراعيّة ومزرعة الدواجن والبيت، مقابل الحصول على بناية سكنيّة من سبعة طوابق في بيروت مؤجّرة بالكامل، والحصول على مبلغ من المال يقوم الشاري بتسديده خلال سنة من الزمن.

أخلينا المنزل من أثاثه والذي لم يكن باهظ الثمن.  قمنا باستئجار منزلٍ، في نفس قرية وادي الزّينة، يقعُ على مرتفعٍ يطلُّ على طريق صيدا البحرية. كنّا نوقف السيارة على الجانب الأيسر من بيت ابن عمّتي جوزيف ثمّ نمشي بجوار الجانب الأيمن من بيت ابن عمتي خليل ونواظب المشي حتى نصل الى ذاك المنزل! خلال تلك السنة، أمضينا في ذاك البيت كلّ عطلات نهاية الأسابيع ومن ثمّ لازمناه طوال فترة فصل الصيف!

في المسكن الجديد، أصبحنا كغيرنا من السكان، نشتري الكثير من المواد الغذائية، تلك التي تعوّدنا في السابق أن نقطفها عن “أمها” من البساتين، كالخضار المختلفة والفاكهة على أنواعها وحتى أضحينا نشتري من المحال بيض الدجاج الذي كان متوفّراً في مزرعة الدواجن!

لم يمضِ وقتٌ طويل من مكوثنا في الموقع الجديد حتى شعرَ والدي بألمٍ شديد انتاب ركبتَه اليمنى. لجأ الى استعمال المسكّنات المتداولة، إلّا ان أياً منها لم يُعطِ أيّة نتيجة ملموسة!

وإذ كان الصديق الدكتور قزّي قد عاد إلى البلاد بعد دورة تخصّص بالجراحة في الولايات المتحدة، قصَدَهُ والدي في عيادته في مستشفى رزق. بعد الكشف، استخلص الطبيب ان سبب الألم قد يعود الى تمزّقٍ في غضروف الركبة، وهذا ما يصيب عادةً الرياضيين المتمرّسين، وبالأخص لاعبي كرة القدم. وذلك يتطلّب عمليّة جراحية صعبة، وقد تستغرق فترةُ النقاهة بعد إجرائها عدة أشهر، بالإضافة إلى ان نسبة نجاح العملية ليست مضمونة مائة في المائة!

عاد والدي إلى البيت وهو مستاءٌ من التشخيص الطبّي. لا يذكرُ أنه مارس رياضةً أو عملًا ما يؤدّي أيٌّ منهما إلى الإضرار بغضروف ركبتهِ!

لم يستَسغ فكرة إجراء العملية! فضّل أن يعضَّ على الجرح وينقطع لفترة قد تطول عن وظيفته ويلزم الفراش ويتحمّل الآلام!

أنَّ كثيراً من وجعِهِ ولم تكن الأدوية المسكّنة تفي بغرضها وكان يستعين بعصا خشبيّة سوداء تمّ استحضارها له للتنقل عند الضرورة.

انتشر الخبرُ بين الأقارب والمحبيّن الذين توافدوا زرافاتٍ ووحداناً من المناطق المجاورة للاطمئنان عنه. كانوا يجلسون على كراسىٍ خيزرانيّة بالقرب منه، وكان توافدهم غير مرتبطٍ بأية ساعة من النهار! أمّا التدخين، بحضور المريض وبالقرب منه، فكان أمرًا مألوفاً وعادةً سائدة لدى الجميع!

أمّا الوالد فكان مستلقياً على السرير الحديديّ البنّيّ اللون بلوحتيه الخلفيّة والأمامية ويرفع رأسه بواسطة وسادة سميكة، ويغطّي جسمه بحرامٍ قطني أبيص له شراشيب بيضاء ناعمة منسّقة تدلّ على أنه من صنع بلدة برجا! وكان يُصغي الى محادثات الزوّار واقتراحاتهم ووصفاتهم التي تتعلق معظمها بعلاجات مستمدّة من الطب القديم وكنا نسمّيه الطب العربي، والذي كان الكيُّ آخر علاجاته!

لا أريد أن أعيدَ للذكرى تلك العلاجات، إلّا أنّي لا أنسى وصفة “كاسات الهوا” وذاك الذي تم استقدامه لتطبيقها إذ طلب عدة كؤوس من النوع الذي يُستعل لشرب العرق. أخذَ يقتطع بيده قسمًا من صفحة جريدة ويضرم النار في الورقة داخل الكأس ثمّ يطبّ رأس الكأس على منطقة قريبة من الركبة فينشرقُ الجلدُ نحو داخل الكأس بسبب تقلّص الهواء داخله بفعل الاشتعال! وبعد أن كرّر التجربة عدة مرّات قال أنه فرغ من تطبيق العلاج. إلّا ان النتيجة كانت فاشلة وازداد الألم بدل ان ينحسر!

بعد أشهر من الأوجاع زارنا ذات يوم أبو نقولا، وهو ابن عم الوالد. كان بدين الجثة، أصلع الرأس، تخرجُ من أذنيه شعيرات أكثر غزارة مما بقي على مجمل رأسه. توجه نحو والدي بالحديث قائلاً: “يا ابن العم ، أبو الياس من الرميلة، أُصيب بألم في الرأس، منعَ عنه النوم لفترة أشهر. لم تنفعه العلاجات والأدوية التي وصفها الأطباء. وإذ ازدادت معاناته ، قرّر في أحد الأيام خلعَ أضراسه بمجملها. بعد ان فعل ذلك اختفى وجعه.”

أجابه والدي: “نعم!”

استطرد أبو نقولا بالقول: “أما أبو أنطون من الجيّة، فقد لازمه ألمٌ شديد في ظهره لم يتركه لأكثر من سنة! لم يستفدْ من كلّ المداخلات الطبّية! في النهاية اقتلع أضراسه وارتاح!”

علّقَ والدي متسائلاً: “نعم؟ ماذا تقصد؟”

قال أبو نقولا وهو يهزّ برأسه البرّاق: “ما رأيكَ يا ابن العم، ان تُجرّبَ اقتلاع اسنانكَ. شو بتخسر؟ يمكن يحل عنك الوجع؟”

بعد ذلك، توافق بعض الزوّار من الأقارب على ان يُجرّب والدي علاج “الخرام”. والذي لا يعرفُ ما هو هذا العلاج، سأفسّر: هو العلاج بوخز الأُبر، إنما على الطريقة “الضيعجيّة!”

حضرت صباح أحد الأيام ام عبدالله من بلدة كترمايا. كانت ستينيّة العمر، ويظهر شعرها الشائب من تحت المنديل الأبيض الذي ربطته فيه. أما جسمها فكان ممتلئاً يُظهر كرشاً يتخفّى تحت فستان قماشه كحلي مرقّط بأشكال أزهار بيضاء صغيرة، ويُغطّيها حتى كاحليها.

طلبتْ من والدتي إحضار دبابيس خياطة وكبريتة. أجلست والدي على كرسي خيزراني وطلبت منه رفع قدم البيجاما الى ما فوق الركبة. تمعّنت جيداً بشكل الركبة ولامست بعض تفاصيلها بيديها. ثم أشعلت عود كبريت واستعملته لتطهير رأس إحدى الأبر. ثمّ عاودت الكرّة مع ابرتين أخريين.

رفعت يدها اليمنى ممسكة بأحد الدبابيس، ثم حدّقت بعينيها ورصدت موقعاً، وانقضّت بكامل قوّتها غارسة الأبرة في لحم الركبة. صرخ والدي من الألم بصوت لا أزال أذكر صداه! تعجّبتْ وقالت لوالدي: “كيف انوجعت؟ يجب ان لا تتألم!”

أصرّت على إعادة التجربة! إلّا أن المرة الثانية كانت أكثر إيلاماً من الأولى! عندئذٍ أوقفها والدي وآثر على ان يتحمّل آلاماً يعرفها على أن يغامر بمعالجات تزيدُ من معاناته!

بقي والدي على حاله لعدة أشهر الى ان بدأ يتعافى من دون أي علاج وشُفيَ من وجعه…

قياسي

هل التخاطر حقيقة أم خيال؟

هل التخاطر حقيقة أم خيال؟

 

كنتُ على عتبة بلوغ سنّ الخامسة من عمري عندما أوفَدَتْ وزارةُ الماليّة والدي إلى باريس للتخصّص في أمورِ الضرائب غير المباشرة. وإذ كان عليه أن يُمضيَ فترة ستة أشهر في مدينة الأنوار، أوصى على كاميرة تصوير جديدة من ماركة “أچفا”، ألمانية الصنع وقد طلبها لدى أحد أصدقائه الذي كان يملكُ محل “فوتو قزي” لبيع أجهزة التصوير في منطقة البرج، مقابل حلويات حدّاد التي كانت مشهورة بالكنافة، ذاك المحل الذي كان مزروعاً بين المحلّات المتواجدة على الأرض التي بُنيَ عليها فيما بعد مسجد محمد الأمين بجانب كنيسة مار جرجس، على شارع الأمير بشير. إلّا ان الكاميرا لم تصل إلّا بعد مغادرة والدي ممّا جعلنا نرسلها له فيما بعد!

أما بالنسبة لتنقّله في باريس، فقد ارتأى ان يدفع عربونًا على سيارة يختارها في بيروت، ويقوم باستلامها في فرنسا، البلد المُصنّع. وهكذا انتقى سيارة “سيمكا، موديل آروند” رصاصيّة اللون، قام بعد انتهاء مهمّته بشحنها إلى لبنان!

أذكر أني رافقت أفراد العائلة لوداعه على المطار. وكان من الممكن الاقتراب من سلّم الطائرة لمعانقة المسافر قبل ان يصعد للمغادرة.  أما الطائرات فكانت ما تزال مروحيّة الدفع وذلك قبل انتشار المحركات النفّاثة!

ما أن وصل والدي ألى باريس حتى بدأ يكتب رسائل لوالدتي. كانت طبعاً بخط يده المميّز والمنسّق، مكتوبة بالحبر الأزرق على ورق ناعم مائل إلى الزراق ، مرسلة ضمن مغلّفات مخصّصة للنقل الجوي ، والتي تتميّز بالإطار الملوّن بخطوط مائلة عريضة تتناوب بين اللون الكحلي واللون الأحمر. وكانت الوالدة تقرأ بصوتٍ عالٍ على مسمعي تلك الرسائل التي كاد يوازي عددها عدد الأيام التي أمضاها الوالد في رحلته. وبعد القراءة كانت تضمّها إلى جانب غيرها في الدرج الأعلى لخزانتها في الغرفة، وتُرتّبها فوق بعضها برزمات متناسقة، وتحيطُ كلّ مجموعة بشريط قُماشي تعقدُ طرفيه بربطة على شكل فراشة!

وإذ كنت أؤُمُّ مدرسة البطريركية في غرب بيروت، ينقلني كل يوم إليها ومنها أوتوكار المدرسة ، استفقت ذات صباح وقد ألمّت بي وعكة صحيّة مع ارتفاع بالحرارة. أعطتني الوالدة حبّة “أسبرو” ولازمتُ الفراش وأخذتْ تُلبّخُ على رأسي قطعة قماشٍ بيضاء تبلّها بين حين وآخر في كاسة بالقرب مني تحوي ماءً بارداً ممزوجاً بالخل!

مع ارتفاع درجة حرارة جسمي وظهور معاناتي من المرض، قرّرت والدتي أن أنتقل للنوم في غرفتها، وأحتلّ سرير الوالد البعيد عن باب الشرفة. على الرغم من سعة الغرة ، كان أثاث الموبيليا يكاد يحتل معظم أرجائها. فكلّ من السريرين كان مزدوج الاتساع، تخْتُ الوالدة ملتصقٌ بالحائط الخارجي الذي يحوي الباب الذي يطل على الشرفة، بينما تختُ الوالد يبعد عنه القدر الذي تأخذه منضدة “الكومودينا”، بينما من الناحية الثانية تفصله مسافة صغيرة عن خزانة الماكياج التي تعلوها مرآة كبيرة وتزيّنها حناجير الكولونيا المنوعة، ولا أنسى الساعة التي كانت عليها والمغطاة بقبّة زجاجية مرتفعة تُظهر معالمَها الداخلية المذهّبة، والأجهزة المحرّكة لها، كما القطعة السفليّة من الساعة والتي كانت تدور حول نفسها بشكلٍ منتظم ، مرّة نحو الشمال ومرّة نحو اليمين! أما الحائط المواجه للسريرين، فكانت تكاد تحتلّه خزانة الموبيليا الخشبيّة، ولا تترك مجالاً إلّا لمسافة صغيرة من ناحية الشرفة لعامود تعليق ملابس النوم، وفسحة ثانية بالمقابل، وراء باب مدخل الغرفة، لكرسي خيزراني يجلس عليه والدي لفكِّ أو ربط حذاءه!

نظراً لمرضي، لم أكن كثير الارتياح في السرير، وأخذتْ درجةُ الحرارة ترتفع ولم تعد تنفع حبات الأسبرو أو الضمّاضات الباردة. لم أعد أقوى على الحركة بشكل عادي وبدأت أتضايق من النور الآتي من زجاج الباب.

اتصلت والدتي بالدكتور زهار، وهو صديق للوالد، وطلبت منه الحضور للكشف عليّ بأسرع وقت. لم تردْ إعلام والدي بخبر مرضي، لذا تلكّأتْ عن مراسلته!

حضر الطبيب وكان يحمل حقيبةً جلديةً بنّيّة اللّون، منتفخة، تتّسع لأدوات الكشف كافة. كان معتدلَ القامة، أبيضَ السُّحنة، ممتلئ الجسم، بدأ يخفّ شعره في وسطه الأعلى،  لذا كان يترك العنان لشعرِ جانبِ رأسه ليسرّحه من اليمين إلى اليسار كي يُغطّي بعضاً ممّا كَحُلَ نموّه في القمّة!

بعد إجراء الكشف عليّ، تم التشخيص! وهنا كانت المفاجاة الغير منتظرة: مصاب بمرض التيفوئيد! وصفَ لي دواءً أذكرُ منظره جيداً: حبات مستديرة لونها مائل الى البني!

مكثَ الدواءُ بجانبي أياماً ولم أتناوله، وكنت أرى حباته من خلال زجاج الحنجور. لم ترتحْ والدتي لتجرّعي لهكذا دواء.

بعد أيامٍ معدودة من التشخيص، استفقت في أحد الأيام وقد ظهر طفحٌ على جلد جسمي، ويكاد لا توجد بقعة إلّا واعترتها البقع الحمراء! وتمّ الاستنتاج أني أُصبتُ بالحصبة وليس بالتيفوئيد!

أخذ الزوّار المتوافدون من الأقارب يهزأون بتحليل الطبيب، حتى أن أحدهم أحضر لي قضيب خيزران لألقّنَ الطبيب درساً لن ينساه! ولدى حضوره، ولصغر تفكيري في ذاك الوقت ، ضربتُ بالخيزرانة على السرير مهدّداً إياه… ثمّ سمعتُ أمّي تنهرني عمّا أفعله !

لدى شفائي من الحصبة، كتبتْ والدتي رسالة تُعلمُ فيها والدي بما حدث لي وبالتاريخ الذي مرضتُ فيه! لدى استلامها ، صُعق الوالدُ بالخبر! لم ينسَ انه بالتاريخ عينه، أفاق من سباته بفعل كابوس، إذ تهيّأ له أنّه رآني نائماً في سريره وقد تفشّتْ بقعّ حمراء على جسمي، فقال لوالدتي: “يا جانيت! الهيئة الصبي محصّب!” غداة ذاك اليوم، قصدَ صديقَه د. عطيّة، والذي كان يتخصص في باريس. عندما أخبره بما رآه في المنام، طمأنه الصديق قائلاً: “لا ينشغل فكرك! هذا كابوس! أنت متعلّق بعائلتك أكثر من اللزوم!”

أما لما قصدهُ للمرة الثانية وأعطاه الرسالة ليقرأها، فوجئ بالدموع تنهمر من عيني الصديق الذي كاد لا يُصدّق ما يقرأه!

وبالختام، ومع أني أُقرُّ بأني لا أؤمن بالتخاطر، إلّا أنّه لا يوجد لدي البرهان القاطع على استحالته! ولا بدّ من التذكير أننا منذ قرابة الأربعة عقود، كنا لا نصدّق أن إنساناً ما بإمكانه ان يتواصل مع شخص آخر موجود في بقعة بعيدة عنه! فهل الموجات التي تتواصل بواسطتها الأجهزة الخليوية هي حكرٌ على هذه الأجهزه ولا يوجد ما يماثلها للتواصل بين البشر؟

قياسي