يا سُذَّج العالم استفيقوا من سُباتكم!

يا سُذَّج العالم استفيقوا من سباتكم!

كنت أخالُ، أننا كشعوب، قد تقدّمنا كثيراً خلال بضعة العقود الماضية، وأن القوانين والأُسس الاقتصادية وَضَعت كلّ التعاملات المصرفية والمالية على المسار الصحيح بحيث أن أرزاق الناس أصبحت محميّة حتى لا يضيع حقٌ لصاحبه. 

التعامل في الماضي البعيد 

في الماضي البعيد كان التعامل التجاري مبنياً على المقايضة. كان المشتري يُقايض البضاعة التي بحوزته بنوع آخر من المنتوجات التي لا تنبتُ أو تُصنّع في منطقته وكان التعامل مبنياً على العرض والطلب! وإذ انقرض هذا النوع من التبادل مع الزمن إلّا أني لا زلت أذكر آخر أنواعها في طفولتي إذ كان تاجر الخردة يمرّ لجمع ما استطاع منها في شاحنته ويطوف الشوارع وهو يصرخ: “حديد بقضامة”! وكان يعطي قدراً معيناً من القضامة الصفراء مقابل من يُزوّده بكمّية من الخردة!

التعامل بالذهب

كان الذهب، وما زال، من المعادن الثمينة النادرة المرغوبة، وكان يستعمل في الحلى والمجوهرات. ونظراً لندرته وقلّة حجمه، أصبح معياراً للتبادل التجاري. ولتثبيته، صَكّت أولى الحضارات عملات من الذهب مبنيّة على الأوزان التي تحويها كل قطعة، كما أصدرت أيضًا عملات تمّ صكّها من معادن ثمينة أخرى، أهمّها الفضة.

التعامل بالأوراق النقدية 

نظراً لصعوبة تنقّل الأفراد وفي حوزتهم أموال معدنيّة تُعيق تحرّكهم، بدأت الدول في القرن التاسع عشر بإصدار عملات ورقيّة مطبوعة. مقابل كلّ إصدار ورقي كانت كلّ دولة تحتفظ في مصرفها المركزي بذهبٍ يوازي بوزنه القيمة النقدية للإصدار!  كان هذا من الناحية النظرية إلّا ان بعض الدول قامت بالتغاضي عن اتباع هذه المعادلة بحرفيّتها مما جعل بعض العملات عرضة لانخفاض قيمتها.

نيكسون وإلغاء التحويل المباشر من الدولار الأمريكي إلى الذهب 

في ١٥ آب (أوغسطس) ١٩٧١ قام الرئيس نيكسون بإلغاء التحويل الدولي المباشر من الدولار الأمريكي إلى الذهب، وما زالت ذيول هذه البادرة تتفاعل حتى اليوم! ما كان من المفترض أن يكون قراراً مؤقتاً أضحى دائم المفعول، وهكذا حذت بقيّة الدول إلى تحديد قيمة عملاتها بوسائل أخرى بعيدة عن معيار الذهب!

أمّا الأسئلة التي لا أجدُ لها أجوبة:

  • إذا لم تكن توجد قيمة محددة كامنة وراء الورقة النقديّة، فَلِمَ هذا التفاوت بين ورقةٍ وأخرى حسب البلد المُصْدر لها؟
  • من هي تلك القوّة التي تُقرّر قيمة الوحدة الورقية وتقرّر رفعها في يوم معيّن وتخفيضها في يومٍ آخر؟
  • للتغلّب على ما طرأ من أزمات اقتصادية خلال جائحة الكورونا، أثبتت الوقائع ان بلداناً متعددة أغرقت الأسواق المالية بمليارات من إصدارات ورقية نقديّة جديدة دون أن يؤثّر ذلك سلباً على قيمة عملتها! فهل هذا مقبول؟
  • وإذ إن التداول النقدي الحديث في التحويلات يتمّ عبر نيويورك دون غيرها وكلّ شيء يقاسُ بدولارها فقط، فهل يُعقل أن تحكم العالم عملة واحدة قيمتها وهميّة؟
  • هل من المسموح به أن نجد بلدانا أصبحت عملاتها لا تساوي قيمة الورق الذي تطبع عليه وتعاني شعوبها من الجوع بينما نرى بلداناً أخرى تتملّكها التخمة وثرواتها تنمو الى ما لا نهاية؟
قياسي

عيد الأضحى لهذه السنة ٢٠٢١

معايدتي في عيد الأضحى ٢٠٢١

أبحثُ عن الكلمات وهي تختفي

في ذكرى عيدٍ، كلّه للتجلّي

في زمنٍ كاد فيه الشرّ ينتصرْ

وأوشكَ كلّ ذي حق ان ينكسرْ

قلبي مُفعمٌ بالحبّ والتمنّي

علّ السلام يعودُ، ولو بالتأنّي

وكل عام وانتم بخير

بشير القزّي

١٩ تموز ٢٠٢١

قياسي

ما هو أغلى: الحياة أم الحرّيّة ؟

ما الأهم: الحياة أم الحرّيّة؟

لدى وفاةِ كلّ شابٍ (أو شابة) من أجل قضيّة، أجدُني مضطربًا لدى استذكار أناسٍ احتضنوه حتى يومه الأخير! وفي مقدّمتهم تلك الأم التي حملته في أحشائها أشهرًا طوال، وأحسّت بكلّ ركلاته، وعانت الأمرّين، وتألّمت، وصرخت من توجّعها حتى أخرجته للحياة! ثم حضنته وحفّضته وغيّرت البسته التي اتسخت، ونظّفته ولفّتْه وواظبت على إرضاعه من ثدييها حتى نبتت أسنانه، وكم من ليالٍ حرَمَ عنها النوم للاهتمام به والسهر عليه!

وما ان كبرَ حتى ازدادت مطالبه. وأصبح لا يرضى بما يُقدّم له، بل أضحى يطلبُ ما يريد! ربّاه والداه بالشبر والفتر، رافقاه من وإلى مدرسته. حصّل العلم طلباً للعُلى، وما أن أصبح يانعاً حتى ناضل من أجل الحرّيّة، وإذا بنا نفقده بلمحة بصر، بعد أن خرَّ جثّة خامدة خالية من الحياة! ونُعزّي أنفسنا بأنه أصبح شهيداً في دنيا الخُلد، تلك الدنيا التي لم يأْتِنا منها مخبر، ولم يعد منها مغادر…

وما نفعُ الحريّة إذا جاءت بعد الممات؟

وكم من الطغاة تجبّروا، وقيدونا بالسلاسل، وزجّونا بالسجون! ناضلنا كثيراً حتى أقصيناهم، وقضينا عليهم ونفّذنا بحقّهم أقصى العقوبات…

كانوا قد كمّوا أفواهنا، وعذّبوا أجسادنا بعد أن رصدوا تحرّكاتنا وتنصّتوا على مكالماتنا! أعدموا منّا أناساً يعدّون بالآلاف…

إنما الويل، وكل الويل، لأُمَّة فاق فتكُ مناضليها، وطالبي التغيير فيها، ذاك الذي عُرف في زمن جزّاريها، وأصبحت الضحايا تُعدُّ بالملايين بدل الآلاف، ممّا جعل المواطنين يهجرون أوطانهم، ويهُجُّون طلباً للأمان، في أي صُقْعٍ كان!

في مشرقنا، أو في مغربنا العربي، عندما أبدأُ بتعداد البلدان التي دُمّرت، بفعلٍ خارجيّ أو بسواعد أبنائها، والتي تمّ فيها القضاء على مستقبل أجيالها الناشئة، أولئك الذين ما زالوا أحياء، أجدني أتساءل: هل أصبْنا في ما صبونا إليه؟ أما كان أجدى بنا أن نُفكّر ملياً قبل أن نُقدم على إجراءات أودت بأوطاننا الى الجحيم وكلفتنا الملايين من الضحايا دون أن نصل إلى أي شاطئ أمان؟ إلى جانب ذلك هدرنا ثروات لا تُعوّض وبتنا نشحذُ كالبؤساء!

وما يحدث في شرقنا الحبيب يجري أيضًا في الكثير من البلدان! هل ننسى ما يحدث في أميركا اللاتينية وكوبا وافريقيا وبعض بلدان آسيا وأوروبا الشرقية ؟ هل من العدل أن نجوّع شعوباً حتى ننتقم من حكامها؟

أمّا تلك القوى العظمى التي شجّعتنا على العصيان، فهل كان همّها الأوّل إعطاءنا حريتنا أم كانت لديها أهداف خفيّة؟ هل حصلَ أن أيّ بلدٍ من بلداننا تمكّن من الحصول على الحرية المرجوة ، وهو ينعم الآن بثمارها؟

ويبقى السؤال الذي لا أجد له جواباً: ما هو أغلى على الإنسان: حريته أم حياته؟

قياسي

هل الطب مهنة أم رسالة؟

هل الطب مهنة أم رسالة؟

كنت أقف إلى جانب صديقي جان خوري في موازاة  الخط الفاصل بين الممرّ الرئيسي “للمول” الواقع في “سان برونو” والواجهة المفتوحة لصالة العرض الخاصة بالمطابخ والحمامات والتي كنت قد أنشأتها قبل عقد ونصف من الزمن. كان جان طويل القامة، ابيض السحنة، أصلع الرأس، يرتدي نظارات مستديرة في إطار معدني رفيع، ذا بدانة مفرطة لا تعيق سرعة حركته وخفّة ظلّه وصهصهته خلال حديثه!

ألقى نظرة نحو “كاونتر” الاستقبال وكان يجلس أمامه رجل وسيدة تقابلهما مصمّمة المطابخ “ناتاليا” وهي تعرض عليهما ما ارتأته من تصاميم، ثم التفت نحوي سائلًا: “هل تعرف من يكون ذاك الرجل؟” وبعد ان نفيت ذلك بإيماءة من رأسي استطرد قائلًا: “هذا هو الدكتور “جوتيه” من أشهر الأخصائيين بأمور الجراحة وقد أجرى منذ مدّة عمليّة جراحيّة لربط المعدة لأختي الصغرى “مايا” وذلك من أجل معالجة البدانة في جسمها!”

مرّت بضعة أشهر مذ ذاك اليوم، كان خلالها الدكتور “جوتيه” قد وقّع على عقد المطبخ، ومن ثمّ تمّ تصنيعه وتركيبه، والى ما هنالك من أمور مختلفة تتعلّق بالأعمال. وإذ كان المسؤول لديّ لمتابعة التنفيذ قد انتقل للعمل في منصب حكومي، وردني اتصال من الدكتور “جوتيه” يزعم أنه غير راضٍ عن العمل. قرّرت الذهاب بنفسي لمتابعة الموضوع وتفحّص أمور التنفيذ. 

وإذ قصدتُ منزله برفقة إحدى المسؤولات عن قسم المطابخ، استقبلنا الدكتور برفقة زوجته. كان طويل القامة، رياضيّ البنية، يرتدي قميصاً أزهر اللون قصير الأكمام فوق سروال من نوع الجينز. كان مُكفهرّ الوجه، عصبيّ المزاج لا يترك لنفسه أيّ مجال للتفاوض. أخذ يُوبّخني وكأني طفلٌ صغير في حضرته. قرّرت استقصاء ما يشكو منه، إلّا أنه كان مصرًا على تكملة صب غضبه عليّ. قلتُ له أننا في صدد مشروعِ بناء وقد تحصل بعض الأخطاء، إلّا أننا لا نسمح بتركها دون معالجة. أشرتُ له ان الأخطاء قد تحدث حتى في المستشفيات. قال: “أبداً! أنا طبيب جراح في مستشفى ولا أترك مجالاً لأي خطأ!” أخبرته أني قبل سنة، ولدى خضوعي لفحص مجرى المرارة، أصاب الدكتور الفاحص البنكرياس بواسطة المنظار ممّا أدى إلى إصابتي “بالبنكرياتيت” وقد وُضعت بعدها لفترة تزيد عن العشرة أيام في قسم معالجة الأشخاص الميؤوس منهم! أصرّ على موقفه مدّعياً أن في عهدته، لم يحصل ولن يحصل أي خطأ!

وبعد تفحّصي للمطبخ وجدتُ سبب امتعاضه وطلبت القطع اللازمة لإجراء التعديلات المطلوبة، وتم الإصلاح وقد حاز ذلك على رضاه!

بعد قرابة السنتين، علمت أن “مايا”، الأخت الصغرى “لجان”، دخلت المستشفى مجدداً، وقام الدكتور “جوتيه” باستئصال الحلقة لأنها لم تكن تناسبها. بعد العملية بحوالي يومين، زادت آلام الفتاة وارتفعت حرارتها. يبدو ان التهاباً ما قد أصابها. كان ذلك نهار جمعة. تمّ الاتصال بالطبيب. كان يمارس لعبة الغولف. أوصى بإعطائها مضادات حيوية ومسكنات، وبقي يمارس هوايته مدّعياً أنه سيراها نهار الاثنين المقبل. إلّا أنها لم تقوَ على الانتظار وفارقت الحياة عن عمر ٢٩ سنة!

بعد ذلك، قام “جان” بملاحقة الطبيب أمام المحاكم، مع أنه من الصعب الحصول على ملاحقة محقّة أمام القضاء الكندي، نظرا لأن نقابة الأطباء تحمي أعضاءها! إلّا ان “جان” تابع الملاحقة القانونية حتى النهاية! تصوّروا ان الدكتور الملاحق ادعى أمام القاضي أن مرضاه يعتبرونه بمثابة “إله”! خسر “جوتيه” الدعوى أمام الملاحقة مما اضطره الى اعتزال المهنة!

تلك الحادثة الأليمة أعادت إلى ذاكرتي ما كنت أسمعه في صغري عن الدكتور عزيز عون، من الدامور في ساحل الشوف اللبناني . كانوا يُسمُونه الدكتور “عجيز”. وُلد في العقد الأخير من القرن التاسع عشر وواظب على معالجة المرضى طوال حياته. في البداية، كان الطبيب الأوحد في المنطقة وكان المرضى يقصدونه من الأرجاء القريبة كافة! كانت عيادته في شارع أشبه بالزاروب نظراً لضيقه وعلى مرمى حجر من منزل جدّتي! كان لا يتوانى عن الذهاب الى القرى لمعالجة المرضى، ونظراً لعدم تواجد طرقات معبّدة في ذاك الوقت، كان يضطر الى امتطاء دابة في الكثير من الأحيان للوصول الى مرضاه، ولم يكن يتقاضى أجراً من الفقراء منهم!

مذ بزوغ النهار كان المرضى يتوافدون على عيادته! منهم من يدخل عليه وهو يتناول فطوره! من القصص الطريفة ان امرأة من بلدة برجا قصدته وهي تشكو له مرض طفلها. قالت له: “يا حَكَيْم، يا حَكَيْم! هالصبي حِكْمُه هْرار، ولون خْروجه، أجلّك يا حَكَيْم، مثل هالبيضات اللي عم تاكلن!” هنا علقت اللقمة في حلق الدكتور، فما كان منه إلّا أن رمى بمحتوى صحنه على الأرض!

وأما عن الممرّضات، فأجد الفارق نفسه وقد لمست ذلك لدى مروري بمراحل صعبة أمضيتها في المستشفيات. من الممرضات من يعملنَ بقدر الراتب الذي يتقاضينه، ومنهنّ من لا يوجد راتب يوازي العناية الفائقة والاهتمام اللذين تقدمانهما للمرضى!

ومن هنا أعيد التساؤل: هل الطبابة هي مهنة أم رسالة ؟

قياسي

والدي وتجربة الطبّ العربي

والدي وتجربة الطبّ العربي

كنتُ قد بلغتُ سنّ الثانية عشرة من العمر عندما تلقّى والداي عرضاً لبيع المزرعة التي كنا نملكها مع المنزل المرفق بها، والذي كان قد تمّ بناؤه على دفعات قبل سنوات معدودة. كانت الأرض تقعُ على أول طريق شحيم القديمة على هضبة تبعدُ نحواً من مئتي متر عن طريق صيدا البحري القديم. وإذ كان والدي قد استدان مبلغاً لتسديد قيمة نصف الأرض ممّن قام بشراء تلك الحصّة من الشريك القديم، وجَدَ نفسهُ يئِنُّ تحت وطأة الفائدة المرتفعة التي كان عليه تسديدها!

كانت الصفقة تنصُّ على تنازل الوالدين عن الأرض الزراعيّة ومزرعة الدواجن والبيت، مقابل الحصول على بناية سكنيّة من سبعة طوابق في بيروت مؤجّرة بالكامل، والحصول على مبلغ من المال يقوم الشاري بتسديده خلال سنة من الزمن.

أخلينا المنزل من أثاثه والذي لم يكن باهظ الثمن.  قمنا باستئجار منزلٍ، في نفس قرية وادي الزّينة، يقعُ على مرتفعٍ يطلُّ على طريق صيدا البحرية. كنّا نوقف السيارة على الجانب الأيسر من بيت ابن عمّتي جوزيف ثمّ نمشي بجوار الجانب الأيمن من بيت ابن عمتي خليل ونواظب المشي حتى نصل الى ذاك المنزل! خلال تلك السنة، أمضينا في ذاك البيت كلّ عطلات نهاية الأسابيع ومن ثمّ لازمناه طوال فترة فصل الصيف!

في المسكن الجديد، أصبحنا كغيرنا من السكان، نشتري الكثير من المواد الغذائية، تلك التي تعوّدنا في السابق أن نقطفها عن “أمها” من البساتين، كالخضار المختلفة والفاكهة على أنواعها وحتى أضحينا نشتري من المحال بيض الدجاج الذي كان متوفّراً في مزرعة الدواجن!

لم يمضِ وقتٌ طويل من مكوثنا في الموقع الجديد حتى شعرَ والدي بألمٍ شديد انتاب ركبتَه اليمنى. لجأ الى استعمال المسكّنات المتداولة، إلّا ان أياً منها لم يُعطِ أيّة نتيجة ملموسة!

وإذ كان الصديق الدكتور قزّي قد عاد إلى البلاد بعد دورة تخصّص بالجراحة في الولايات المتحدة، قصَدَهُ والدي في عيادته في مستشفى رزق. بعد الكشف، استخلص الطبيب ان سبب الألم قد يعود الى تمزّقٍ في غضروف الركبة، وهذا ما يصيب عادةً الرياضيين المتمرّسين، وبالأخص لاعبي كرة القدم. وذلك يتطلّب عمليّة جراحية صعبة، وقد تستغرق فترةُ النقاهة بعد إجرائها عدة أشهر، بالإضافة إلى ان نسبة نجاح العملية ليست مضمونة مائة في المائة!

عاد والدي إلى البيت وهو مستاءٌ من التشخيص الطبّي. لا يذكرُ أنه مارس رياضةً أو عملًا ما يؤدّي أيٌّ منهما إلى الإضرار بغضروف ركبتهِ!

لم يستَسغ فكرة إجراء العملية! فضّل أن يعضَّ على الجرح وينقطع لفترة قد تطول عن وظيفته ويلزم الفراش ويتحمّل الآلام!

أنَّ كثيراً من وجعِهِ ولم تكن الأدوية المسكّنة تفي بغرضها وكان يستعين بعصا خشبيّة سوداء تمّ استحضارها له للتنقل عند الضرورة.

انتشر الخبرُ بين الأقارب والمحبيّن الذين توافدوا زرافاتٍ ووحداناً من المناطق المجاورة للاطمئنان عنه. كانوا يجلسون على كراسىٍ خيزرانيّة بالقرب منه، وكان توافدهم غير مرتبطٍ بأية ساعة من النهار! أمّا التدخين، بحضور المريض وبالقرب منه، فكان أمرًا مألوفاً وعادةً سائدة لدى الجميع!

أمّا الوالد فكان مستلقياً على السرير الحديديّ البنّيّ اللون بلوحتيه الخلفيّة والأمامية ويرفع رأسه بواسطة وسادة سميكة، ويغطّي جسمه بحرامٍ قطني أبيص له شراشيب بيضاء ناعمة منسّقة تدلّ على أنه من صنع بلدة برجا! وكان يُصغي الى محادثات الزوّار واقتراحاتهم ووصفاتهم التي تتعلق معظمها بعلاجات مستمدّة من الطب القديم وكنا نسمّيه الطب العربي، والذي كان الكيُّ آخر علاجاته!

لا أريد أن أعيدَ للذكرى تلك العلاجات، إلّا أنّي لا أنسى وصفة “كاسات الهوا” وذاك الذي تم استقدامه لتطبيقها إذ طلب عدة كؤوس من النوع الذي يُستعل لشرب العرق. أخذَ يقتطع بيده قسمًا من صفحة جريدة ويضرم النار في الورقة داخل الكأس ثمّ يطبّ رأس الكأس على منطقة قريبة من الركبة فينشرقُ الجلدُ نحو داخل الكأس بسبب تقلّص الهواء داخله بفعل الاشتعال! وبعد أن كرّر التجربة عدة مرّات قال أنه فرغ من تطبيق العلاج. إلّا ان النتيجة كانت فاشلة وازداد الألم بدل ان ينحسر!

بعد أشهر من الأوجاع زارنا ذات يوم أبو نقولا، وهو ابن عم الوالد. كان بدين الجثة، أصلع الرأس، تخرجُ من أذنيه شعيرات أكثر غزارة مما بقي على مجمل رأسه. توجه نحو والدي بالحديث قائلاً: “يا ابن العم ، أبو الياس من الرميلة، أُصيب بألم في الرأس، منعَ عنه النوم لفترة أشهر. لم تنفعه العلاجات والأدوية التي وصفها الأطباء. وإذ ازدادت معاناته ، قرّر في أحد الأيام خلعَ أضراسه بمجملها. بعد ان فعل ذلك اختفى وجعه.”

أجابه والدي: “نعم!”

استطرد أبو نقولا بالقول: “أما أبو أنطون من الجيّة، فقد لازمه ألمٌ شديد في ظهره لم يتركه لأكثر من سنة! لم يستفدْ من كلّ المداخلات الطبّية! في النهاية اقتلع أضراسه وارتاح!”

علّقَ والدي متسائلاً: “نعم؟ ماذا تقصد؟”

قال أبو نقولا وهو يهزّ برأسه البرّاق: “ما رأيكَ يا ابن العم، ان تُجرّبَ اقتلاع اسنانكَ. شو بتخسر؟ يمكن يحل عنك الوجع؟”

بعد ذلك، توافق بعض الزوّار من الأقارب على ان يُجرّب والدي علاج “الخرام”. والذي لا يعرفُ ما هو هذا العلاج، سأفسّر: هو العلاج بوخز الأُبر، إنما على الطريقة “الضيعجيّة!”

حضرت صباح أحد الأيام ام عبدالله من بلدة كترمايا. كانت ستينيّة العمر، ويظهر شعرها الشائب من تحت المنديل الأبيض الذي ربطته فيه. أما جسمها فكان ممتلئاً يُظهر كرشاً يتخفّى تحت فستان قماشه كحلي مرقّط بأشكال أزهار بيضاء صغيرة، ويُغطّيها حتى كاحليها.

طلبتْ من والدتي إحضار دبابيس خياطة وكبريتة. أجلست والدي على كرسي خيزراني وطلبت منه رفع قدم البيجاما الى ما فوق الركبة. تمعّنت جيداً بشكل الركبة ولامست بعض تفاصيلها بيديها. ثم أشعلت عود كبريت واستعملته لتطهير رأس إحدى الأبر. ثمّ عاودت الكرّة مع ابرتين أخريين.

رفعت يدها اليمنى ممسكة بأحد الدبابيس، ثم حدّقت بعينيها ورصدت موقعاً، وانقضّت بكامل قوّتها غارسة الأبرة في لحم الركبة. صرخ والدي من الألم بصوت لا أزال أذكر صداه! تعجّبتْ وقالت لوالدي: “كيف انوجعت؟ يجب ان لا تتألم!”

أصرّت على إعادة التجربة! إلّا أن المرة الثانية كانت أكثر إيلاماً من الأولى! عندئذٍ أوقفها والدي وآثر على ان يتحمّل آلاماً يعرفها على أن يغامر بمعالجات تزيدُ من معاناته!

بقي والدي على حاله لعدة أشهر الى ان بدأ يتعافى من دون أي علاج وشُفيَ من وجعه…

قياسي

هل التخاطر حقيقة أم خيال؟

هل التخاطر حقيقة أم خيال؟

 

كنتُ على عتبة بلوغ سنّ الخامسة من عمري عندما أوفَدَتْ وزارةُ الماليّة والدي إلى باريس للتخصّص في أمورِ الضرائب غير المباشرة. وإذ كان عليه أن يُمضيَ فترة ستة أشهر في مدينة الأنوار، أوصى على كاميرة تصوير جديدة من ماركة “أچفا”، ألمانية الصنع وقد طلبها لدى أحد أصدقائه الذي كان يملكُ محل “فوتو قزي” لبيع أجهزة التصوير في منطقة البرج، مقابل حلويات حدّاد التي كانت مشهورة بالكنافة، ذاك المحل الذي كان مزروعاً بين المحلّات المتواجدة على الأرض التي بُنيَ عليها فيما بعد مسجد محمد الأمين بجانب كنيسة مار جرجس، على شارع الأمير بشير. إلّا ان الكاميرا لم تصل إلّا بعد مغادرة والدي ممّا جعلنا نرسلها له فيما بعد!

أما بالنسبة لتنقّله في باريس، فقد ارتأى ان يدفع عربونًا على سيارة يختارها في بيروت، ويقوم باستلامها في فرنسا، البلد المُصنّع. وهكذا انتقى سيارة “سيمكا، موديل آروند” رصاصيّة اللون، قام بعد انتهاء مهمّته بشحنها إلى لبنان!

أذكر أني رافقت أفراد العائلة لوداعه على المطار. وكان من الممكن الاقتراب من سلّم الطائرة لمعانقة المسافر قبل ان يصعد للمغادرة.  أما الطائرات فكانت ما تزال مروحيّة الدفع وذلك قبل انتشار المحركات النفّاثة!

ما أن وصل والدي ألى باريس حتى بدأ يكتب رسائل لوالدتي. كانت طبعاً بخط يده المميّز والمنسّق، مكتوبة بالحبر الأزرق على ورق ناعم مائل إلى الزراق ، مرسلة ضمن مغلّفات مخصّصة للنقل الجوي ، والتي تتميّز بالإطار الملوّن بخطوط مائلة عريضة تتناوب بين اللون الكحلي واللون الأحمر. وكانت الوالدة تقرأ بصوتٍ عالٍ على مسمعي تلك الرسائل التي كاد يوازي عددها عدد الأيام التي أمضاها الوالد في رحلته. وبعد القراءة كانت تضمّها إلى جانب غيرها في الدرج الأعلى لخزانتها في الغرفة، وتُرتّبها فوق بعضها برزمات متناسقة، وتحيطُ كلّ مجموعة بشريط قُماشي تعقدُ طرفيه بربطة على شكل فراشة!

وإذ كنت أؤُمُّ مدرسة البطريركية في غرب بيروت، ينقلني كل يوم إليها ومنها أوتوكار المدرسة ، استفقت ذات صباح وقد ألمّت بي وعكة صحيّة مع ارتفاع بالحرارة. أعطتني الوالدة حبّة “أسبرو” ولازمتُ الفراش وأخذتْ تُلبّخُ على رأسي قطعة قماشٍ بيضاء تبلّها بين حين وآخر في كاسة بالقرب مني تحوي ماءً بارداً ممزوجاً بالخل!

مع ارتفاع درجة حرارة جسمي وظهور معاناتي من المرض، قرّرت والدتي أن أنتقل للنوم في غرفتها، وأحتلّ سرير الوالد البعيد عن باب الشرفة. على الرغم من سعة الغرة ، كان أثاث الموبيليا يكاد يحتل معظم أرجائها. فكلّ من السريرين كان مزدوج الاتساع، تخْتُ الوالدة ملتصقٌ بالحائط الخارجي الذي يحوي الباب الذي يطل على الشرفة، بينما تختُ الوالد يبعد عنه القدر الذي تأخذه منضدة “الكومودينا”، بينما من الناحية الثانية تفصله مسافة صغيرة عن خزانة الماكياج التي تعلوها مرآة كبيرة وتزيّنها حناجير الكولونيا المنوعة، ولا أنسى الساعة التي كانت عليها والمغطاة بقبّة زجاجية مرتفعة تُظهر معالمَها الداخلية المذهّبة، والأجهزة المحرّكة لها، كما القطعة السفليّة من الساعة والتي كانت تدور حول نفسها بشكلٍ منتظم ، مرّة نحو الشمال ومرّة نحو اليمين! أما الحائط المواجه للسريرين، فكانت تكاد تحتلّه خزانة الموبيليا الخشبيّة، ولا تترك مجالاً إلّا لمسافة صغيرة من ناحية الشرفة لعامود تعليق ملابس النوم، وفسحة ثانية بالمقابل، وراء باب مدخل الغرفة، لكرسي خيزراني يجلس عليه والدي لفكِّ أو ربط حذاءه!

نظراً لمرضي، لم أكن كثير الارتياح في السرير، وأخذتْ درجةُ الحرارة ترتفع ولم تعد تنفع حبات الأسبرو أو الضمّاضات الباردة. لم أعد أقوى على الحركة بشكل عادي وبدأت أتضايق من النور الآتي من زجاج الباب.

اتصلت والدتي بالدكتور زهار، وهو صديق للوالد، وطلبت منه الحضور للكشف عليّ بأسرع وقت. لم تردْ إعلام والدي بخبر مرضي، لذا تلكّأتْ عن مراسلته!

حضر الطبيب وكان يحمل حقيبةً جلديةً بنّيّة اللّون، منتفخة، تتّسع لأدوات الكشف كافة. كان معتدلَ القامة، أبيضَ السُّحنة، ممتلئ الجسم، بدأ يخفّ شعره في وسطه الأعلى،  لذا كان يترك العنان لشعرِ جانبِ رأسه ليسرّحه من اليمين إلى اليسار كي يُغطّي بعضاً ممّا كَحُلَ نموّه في القمّة!

بعد إجراء الكشف عليّ، تم التشخيص! وهنا كانت المفاجاة الغير منتظرة: مصاب بمرض التيفوئيد! وصفَ لي دواءً أذكرُ منظره جيداً: حبات مستديرة لونها مائل الى البني!

مكثَ الدواءُ بجانبي أياماً ولم أتناوله، وكنت أرى حباته من خلال زجاج الحنجور. لم ترتحْ والدتي لتجرّعي لهكذا دواء.

بعد أيامٍ معدودة من التشخيص، استفقت في أحد الأيام وقد ظهر طفحٌ على جلد جسمي، ويكاد لا توجد بقعة إلّا واعترتها البقع الحمراء! وتمّ الاستنتاج أني أُصبتُ بالحصبة وليس بالتيفوئيد!

أخذ الزوّار المتوافدون من الأقارب يهزأون بتحليل الطبيب، حتى أن أحدهم أحضر لي قضيب خيزران لألقّنَ الطبيب درساً لن ينساه! ولدى حضوره، ولصغر تفكيري في ذاك الوقت ، ضربتُ بالخيزرانة على السرير مهدّداً إياه… ثمّ سمعتُ أمّي تنهرني عمّا أفعله !

لدى شفائي من الحصبة، كتبتْ والدتي رسالة تُعلمُ فيها والدي بما حدث لي وبالتاريخ الذي مرضتُ فيه! لدى استلامها ، صُعق الوالدُ بالخبر! لم ينسَ انه بالتاريخ عينه، أفاق من سباته بفعل كابوس، إذ تهيّأ له أنّه رآني نائماً في سريره وقد تفشّتْ بقعّ حمراء على جسمي، فقال لوالدتي: “يا جانيت! الهيئة الصبي محصّب!” غداة ذاك اليوم، قصدَ صديقَه د. عطيّة، والذي كان يتخصص في باريس. عندما أخبره بما رآه في المنام، طمأنه الصديق قائلاً: “لا ينشغل فكرك! هذا كابوس! أنت متعلّق بعائلتك أكثر من اللزوم!”

أما لما قصدهُ للمرة الثانية وأعطاه الرسالة ليقرأها، فوجئ بالدموع تنهمر من عيني الصديق الذي كاد لا يُصدّق ما يقرأه!

وبالختام، ومع أني أُقرُّ بأني لا أؤمن بالتخاطر، إلّا أنّه لا يوجد لدي البرهان القاطع على استحالته! ولا بدّ من التذكير أننا منذ قرابة الأربعة عقود، كنا لا نصدّق أن إنساناً ما بإمكانه ان يتواصل مع شخص آخر موجود في بقعة بعيدة عنه! فهل الموجات التي تتواصل بواسطتها الأجهزة الخليوية هي حكرٌ على هذه الأجهزه ولا يوجد ما يماثلها للتواصل بين البشر؟

قياسي

وداعاً يا بلدي…

وداعاً يا بلدي…

مجدداً أستودعك الله يا بلدي…

هذه ليست المرة الأولى التي أُودِّعكَ فيها! ليس بإمكاني تِعدادُ المناسبات التي جَعلْتَني فيها أُجدّدُ يأْسي بكَ وأفقُدُ أملي بعودتك إلى حياةٍ طبيعية!

إلّا أنّي في هذه المرة، أودّعكَ عن بعد، حيث تفصلُ بيني وبينك المحيطات!

لم يعُد يعني لي شيئًا ترابُكَ الخصب وخضارُك الساطع وهواؤك النقي وسماؤُكَ الزرقاء وجبالُك الشامخة وبحرُكَ المائج وحتى أرْزُكَ الخالد! لم يتبقّ من خلودكَ إلّا ما تردّد عل أُذُننا منذ صِغَرِنا عن ذكرِكَ في الكتب المقدّسة! كنّا لدى سماعنا اسمكَ ننْتشي من رائحة البخّور التي نخالُها تنبعثُ في الهواء!

لا نذكرُ خيراً من ماضينا إلّا الحب الذي خصّصناكَ به، بلا حدود، والذي جعلَنا نراهنُ عليك، مرّاتٍ متعددة، وها نحن قد فقدنا الرهان مجدّداً!

ها انّ ما تبقّى لنا من العمرِ أقلّ بكثيرٍ مما مضى، وشارفنا على مغادرة دنيانا والأملُ الذي عِشنا له أصبح سراباً، ومنالاً لا يُدركْ!

حتى العنزة هجرتْ مرقَدها فيك!

سأُزيلُ من قلبي ذاكَ الوطن الذي أحببت، وأترُكه حلبة لصراعِ ديوكٍ تتنازعُ على سُلطانها!

في الغابِ تفترس الذئاب قطعان الغنم والغزلان وذلك حتى تشبع، إلّا في بلادنا فلم يبق للأكلِ إلّا ما لا يؤكل!

كثرةٌ في الأديان وقِلّةٌ في الإيمان!

أخالُ الخالقَ قد غسلَ يديه من أمرنا، وترك المرضَ يستشري في جسمنا، ولْيمُتْ من لا يستطيع مقاومة سرطان جسده!

لم يعد يُهمّني أن انتمي الى بلاد لا خير فيها! 

وطني ليس في الأرض التي استشهدَ كثيرون من أجل حمايتها، وظلّت مسرحًا للتقاتل!

وطني هو أنتم، الخيّرون والطيبون من أهل بلادي، والذين لم يُوسّخوا أيديهم بقتال لا ينتهي، والذين أبوا ان ينجرفوا في تيارات الشرّ والعنف!

أنتم، أينما أجدكم، يا أيها الطيبون، سأبقى ولياً لكم، وسأجد فيكم الوطن الذي سيبقى شُعلةً لا تنطفئ في قلبي!

قياسي

تأمّلات…

تأمّلات…

عَجَبي ممّن يمضي أيّامهُ وهو يُنفق من أموالٍ لم يُحصّلْها بعد،

وممّن يُغادر دنياه بعد أن شقيَ عمراً التذَّ فيه بجمعِ ثرواتٍ يُخلّفها لغيره بعد أن حرم نفسه من التنعّم بها،

ومن دفعه الشغَف المتزايد إلى الاستيلاء على أرزاق غيره إلى حدٍّ لا تستطيع أمعاؤه استيعابها،

أو من يغزو أملاكَ سِواه ويقتل من تواجد عليها، ويسبي النساء معلّلاً ذلك بأمرٍ من عند خالقه،

أو من يزهق أرواح الناس والعائلات، عبر شاشات المراقبة عن بُعد، الموصولة بكاميرات مركّزة فوق الأسلحة المتطورة الحديثة، ويضغط على زر إطلاق صاروخ مدمّر يقضي على كلّ من تواجد لدى اصتدامه، كلّ ذلك وكأنه يلهو بممارسة لعبةٍ على الكمبيوتر،

وإلى ما هنالك من تناقضات أوجدتْها الأنظمةُ الجديدة والتي حلّلت للأسماك الكبيرة أن تبتلع الصغيرة منها إلى ما بعد حدودِ طاقة امعائها…

ألا نعتبِرُ من تاريخ الذين سبقونا؟

كلّهم ماتوا!…

نعم، كلّهم ماتوا! كلّ الذين تغطرسوا وبطشوا وغزوا أوطانَ سواهم، وعاثوا فساداً على وجه الأرض، وقتلوا وسرقوا ونهبوا! كلّ الأباطرة والسلاطين والملوك والأمراء والديكتاتوريين والمتسلطين والحكّام من أيّة مرتبة كانوا، كما كلّ جيوشهم وضباطهم وممثليهم… كلّهم ذهبوا إلى غير عودة، ولم يأخذ أيٌّ منهم مقدار أُنملة في رحلته الأخيرة… كلّ ما جمعوه من خيرات هذه الدنيا في حياتهم بقي عليها بعد مغادرتهم!

وأما الذين خافوا ربّهم ولم يتمكّنوا من الدفاع عن أنفسهم أو أرزاقهم أو أوطانهم فقد قضى الكثير منهم نحبه قبل أوانه، ولم يتمكّن أيّ منهم، لدى مغادرته، أن يحملَ معه حتى خِفَّيه!

لا، لم أفهم سرّ هذا التقاتل على احتراز ما لن نملكه إلّا لِزمنٍ قصير، ولا نعلم وقتَ الرحلة الأخيرة إلّا عند قدومها غير معلنةٍ عن نفسها!

قياسي

تمنياتي لكم بمناسبة عيد الفطر لهذه السنة

 عيد الفطر لهذه السنة

(٢٠٢١)

 أتمنّى لكم بحلول هذا العيد

أن يغمرَ الله بالفرحة قلبَ القريبِ والبعيد

ويشفى من مرضه كلّ من أصابته علّة

لتعودَ لوجهه النضارة والمسرّة

ويلقى كلُّ من عنَّفَهّ الدهرُ مرقداً لجسمه

ويأوي تحت سقفٍ يمنع المطرَ عن رأسِه

ويرزقهُ لقمة عيشٍ تسدُّ جوعَهُ

وجرعة ماء تُبلّل ريقه وتروي ظمأهُ

ويبعدَ عنه غدرَ الأشرار والأجناء 

ويحميه وأهله من فتكِ أيّ وباء 

كلّ عام وأنتم بخير

بشير القزّي 

١٢ أيار ٢٠٢١

قياسي

هل وُجدَ التعليم عن بعد ليبقى؟

هل وُجدَ التعليمُ عن بعد ليبقى؟

في هذا الزمنِ الذي حلّ علينا منذ ما زادَ عن السنة، أقفلت المدارس والجامعات ، عداك عن الدوائر الرسمية والمطاعم والملاهي وصالات العبادة أو حتى صالات التسلية والاحتفالات، وغير ذلك من الأعمال التي تستدعي التقاء شخصٍ بآخر لا يُشاركه نفس المسكن… كلُّ ذلك بفعل جائحةٍ أوبأتْ أقطار العالم كافة، ولم تُوفّر من شرّها إلّا من التزم بشروط الحيطة، واعتكف خلف جدران لا يستقبلُ ضمنها أيّ زائرٍحتى لو كان أقرب جيرانه! حتى الأولاد توقّفوا عن اللعب مع أترابهم في نفس الحيّ!

ومن نتائج هذا الانعزال، انتشرت محاولات التواصل عن بُعْد عبر المنصات الإلكترونية، والتي كان استعمالها محدوداً خلال السنوات التي سبقت أيام الجائحة. وتبِعَ ذلك انتشار التعليم بتلك الوسائل، والاعتقاد السائد أنها مرحلة ستمضي لدى الانتهاء من خطر الوباء… فهل هذا صحيح؟

قبل التطرّق الى صلب الموضوع أودُّ إعلام من يقرأ مقالي هذا أنّي من جيلٍ مخضرم، وبات الكلام عن الفترة التي عشتها في صغري يبدو وكأنني أتحدّث عن القرون الوسطى! في الصفوف الابتدائية، ولدى مراودتي مدرسة “اللسّيه الفرنسي”، كان الطلاب يرتدون زياً خاصاً، فوق ملابسهم، وهو عبارة عن مريول قطني من قماش بلون بيج، يتم إقفاله بواسطة زرٍّ كبير من الناحية اليمنى من العنق، بينما يتدلّى القماش حول الجسم ليصل الى ما يلامس الركبتين! لم تكن تبدو على أحد الحالة الاجتماعية التي تنتمي إليها عائلته ولا دلالة على غنى تلك العائلة أو محدوديّة دخلها! كلّ طالب كان يستحضر معه يومياً “مطبقية” معدنية من نوع الألومنيوم تحتوي على طبقات يجمعها مقبض علوي لحملها. وكانت كل طبقة تحوي نوعاً مختلفاً من الطعام ، كطبقة للأرز، وطبقة لليخنة وطبقة للشوربة وغير ذلك. وكان يتم تسخين الوجبة في فترة الغذاء، وقد يتقاسم الأخوة مأكولات مطبقية واحدة! وإذ كنت، كغيري، أستقلّ باص المدرسة (الأوتوكار) في الصباح من أمام منزلي، لأعود على متنه في المساء، كان دوارٌ يركبُ رأسي خلال كلّ رحلة من طول الوقت الذي كنت أمضيه في الذهاب والإياب! ولدى توقّف الباص وإقلاعه، لا يغيب عن مخيلتي تدحرج مطبقية أو أكثر، يسيل منها المرق ليُبلّل أرض الباص المعدنية!

أمّا في الصف، فكان كلّ طالبين يتقاسمان طاولة خشبيّة مرتبطة بمقعد طويل، القسم الأكبر من الطاولة منحنٍ نحوالطالبين اللذين يجلسان جنباً الى جنب، بينما تمّ تركيز محبرة من البورسلين ضمن ثقب في الخشب على القسم الأعلى الأيمن لكلّ طالب. ولم تكن الكتابة مسموحة بالاقلام الحبريّة، أو حتى أقلام “البيك”! لذا كنا نستعمل الريشة التي نثبتها بالحامل الخشبي الرفيع، ونغطّ رأسها بالحبر الذي كان لونه أزرق مائل الى الليلكي! أما رؤوس الرِّيَش، فأذكر أننا كنا نستعملها حسب تسمياتها: “ملّا” أو “خطّاط” للعربية، و”غولواز” أو “فرنسيز” للأجنبية!

وكنا ما أن نُنْهي كتابة صفحة، حتى نستعمل الورق النشّاف كي يغبّ فائض الحبر!

أمّا في أيامنا هذه فيجفُّ حبرُ الأقلام من قلّة الاستعمال، كون جلّ ما نكتبه ننقرُ نصَّهُ  مباشرةً على الهواتف الخليوية أو الألواح الإلكترونية أو أجهزة الكمبيوتر، دون الحاجة الى الكتابة اليدوية على الأوراق التقليدية! وإذ لا يوجد لديّ الجوابُ القاطع حول مسألة عودة التعليم إلى ما كان عليه قبل الجائحة، لا بدّ من استعراض بعض الأمور:

       مدرسة تحت السنديانة القديمة:

  • إنشاء هكذا مدرسة قليل التكلفة.
  • كان المعلّم يتقاضى أجره ممّا يتكرّم به أولياء أمور تلامذته من البَيْض والعدس والحمّص وغير ذلك من المؤن.
  • عدد التلاميذ محدود ولا مجال لاستيعاب المزيد من الطلاب.
  • عناء السفر على الأقدام وصعوبة المبات ليلًا لبعض التلاميذ.
  • محدودية مستوى التعليم وعدم إمكانية التوصل الى تعليم عالٍ.

المدرسة التقليدية:

  • تتطلب ميزانيّة كبيرة لإنشائها، كما يتطلب تنفيذها وقتًا طويلًا.
  • كلفة عالية لإعداد المعلمين ودفع رواتبهم.
  • يجب ان تكون المدرسة ضمن منظومة سياسية تعنى بالبرامج والمناهج والتكلفة.
  • بعد امتلاء المدرسة بالتلاميذ، لا مجال لإضافة مقاعد على أي صف، أو تكبير المدرسة إلّا بعد الحصول على الأموال الطائلة اللازمة!
  • على كل تلميذ ان ينتظر أنه قد يخسر ثلاث ساعات يوميًا للذهاب والإياب وفرصة الغذاء وفترات الراحة.
  • لا يمكن للتلميذ أن يختار المدرّس الأفضل لتلقينه الدروس!
  • لا توجد ضمانة من حيث الحصول على النتائج المرجوة.
  • تفاعلٌ بين التلميذ واترابه قد يساعده ضمن نشأته.
  • ابتعاد الأهل عن دورهم الأبويّ في تنشئة الطالب.
  • تعرض التلميذ لتأثيرات قد تكون سلبية من قبل رفاقه، وكلّ ذلك يحدث بعيداً عن العين الساهرة.

التعليم عن بعد:

  • بداية التعليم عن بعد بدأت بالحصول على الشهادات ضمن برامج بالمراسلة!
  • التعليم بواسطة المنصات الإلكترونية ساعد بما يلي:
    • سمح بتلقين الدروس على الرغم من انتشار الوباء.
    • ألغى الزمن اللازم للانتقال الى المدرسة والعودة منها.
    • كلفة تأمين باصات انعدمت.
    • إمكانية إضافة مقاعد دراسية دون تكلفة عالية.
    • لا حاجة لإضافة مبانٍ جديدة!
    • أصبح بإمكان الوالدين مراقبة أبنائهم خلال تحصيلهم العلمي، وعودة لبعض ما افتقده الأهل في معرفة خصوصيات أولادهم كما كان يحصل خلف جدران المدرسة.
    • من الواجب إعداد المعلمين بطرق جديدة لتلقين الدروس لتلاميذهم!

وبالنهايه يجب ان نتساءل:

  • هل كلّ من تابع علمه في المدرسة التقليدية وصل إلى مبتغاه؟
  • هل نرفض التعليم عن بعد قبل ان نتمكن من معرفة محاسنه؟
  • هل ثبت ان الذي يتعلم عن بعد سيفشل في حياته العملية؟
  • هل الكلفة المادية ليس لها دور في تعليم المزيد من التلاميذ ؟ وخصوصاً في المناطق النائية ؟

واسمحوا لي في الختام ان أردّد الآية الكريمة: “وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خيرٌ لكم…”

قياسي