عام جديد

صورة

قصّة ثانية لتسجيل أغنية في الإذاعة اللبنانية سنة ١٩٦٥ 

قصّة ثانية لتسجيل أغنية في الإذاعة اللبنانية سنة ١٩٦٥ 

في مقال سابق رويت تفاصيل ما حدث في ستوديو الإذاعة اللبنانية سنة ١٩٥٨ وما حال دون تسجيل أغنية ” أمسيات” والتي كانت كلماتها من نظم الشاعر جورج غريّب! أمّا السبب الرئيسي لإيقاف التسجيل فكان معزوّاً الى تعنّت المدير الجديد للإذاعة، وقلّة درايته بالأمور اللغوية، وهو الذي حصل على مركزه بناءً على قاعدة ٦ x ٦ مكرّر! إثر ذلك، ترك الأستاذ إميل ديب الإذاعة! أما المدير الجديد فلم يدم طويلاً في وظيفته وقد تمّت إعادة حليم الرومي الى المنصب، ومن ثمّ توالى غيرُه على نفس المركز، ومن ضمنهم المايسترو توفيق الباشا!

بعد آن صفت  الأجواء عاد الأستاذ إميل الى الإذاعة وكان عليه أن يُسجّل أغنيتن جديدتين من ألحانه كلّ شهر. وكان يدور على الشعراء لانتقاء أفضل الكتابات المتوافرة لتلحينها وتسجيلها في استوديوهات الإذاعة!

سنة ١٩٦٥ انتقى الأستاذ ديب قصيدة معدّة لتكون نشيداً للأطفال من نظم الشاعر فيكتور البستاني تحمل عنوان “قطف العنب”:

قَطف العنب

أيُّها الكَرَّامُ هَيَّا      نَقْطِفُ اليَومَ العِنَبْ

                      نُرسِلُ الشَدْوَ شَجِيًّا      نَمْلَأُ الدُنْيَا طَرَبْ

                                          -١-

        هُوّ ذَا الكَرْمُ عَلى سَفْحِ الجَبَلْ      يَتَدلَّى فيهِ عُنْقودُ الذَهبْ

           أبْيَضٌ أَوْ أَشْقَرٌ مِثْلَ العَسَلْ     أَصْفَرٌ يا حُسْنَهُ مِثْلَ اللَّهَبْ

يَبْسِمُ الفَجْرُ بِثَغْرِهْ

والنَّدى دُرٌّ عَلَيْهِ

كَمْ تَغَنَّيْنا بِخَمْرِهْ

وَهَفا القَلْبُ إلَيْهِ

-٢-

إِسْرَحوا في ظِلِّ هاتِيكَ الدَّوالي         واقْطِفوا العُنْقودَ كَالدُّرِّ يُلالي

       وتَغَنَّوا بِالعَتابا وَالمَوالي          يَرْقُصِ السَّفْحُ  وَتَهْتَزِّ الأعالي

وَإِذا جاءَ المَسَاءْ

وضِيا الشَّمْسِ انحَجَبْ

إملَأوا الدُّنْيا غِناءْ

حَبَّذا قَطْفُ العِنَبْ

                             فيكتور البستاني     

قام الأستاذ إميل بكتابة الألحان، ومن ثمَّ  بإعداد وتدريب الفرقة الموسيقيّة والجوقة المنتقاة لغناء الأغنية حتى يصبح النتاج على أفضل ما يكون! 

وما ان حان الوقت للتسجيل، حتى كان كلّ شيء على أتم جهوزية للأداء على أفضل وجه. بدأ التسجيل في الاستوديو بعد ان تم إغلاق الباب وتحت نظر مراقبين يتابعونه من وراء زجاج عازل للصوت!

ما أن وصل الغناء الى قرابة ثلثي النشيد حتى تمّ إشعال الضوء الأحمر، وبما معناه: “أوقفوا التسجيل!”

توقّفَ كلّ شيء وفُتحَ الباب ودخلَ أحدُ المراقبين. كان طويل القامة، معتدل العمر، يفرد شعره من اليسار الى اليمين ليُخفيَ صلعة في قمة رأسه! قال: “هناك خطأٌ لُغويٌّ فادح!  “يرْقص” فعل مضارع ويجب رفعه لا كسرهُ كما ورد في الأغنية!”

احتدم النقاش وحاول الأستاذ إميل شرح السبب الذي سبّب كسر الفعل، إلّا لم تكن توجد أية فائدة، لأن جميع أعضاء الفريق المراقب كانوا على موقفٍ واحد: يجب رفع الفعل المضارع!

بعد أن ارتفعت الأصوات، تمّ استدعاء الشاعر مصطفى محمود (وهو من مواليد بلدة بعاصير في منطقة إقليم الخرّوب من جبل لبنان) والذي كان يُعتبرُ مرجعاً لُغويّاً في أروقة الإذاعة! كان طويل القامة ، ذا مقدّمة رأس تتسع نحو الوراء! بعد آن اضطلع على سبب النقاش، أفتى ان “يرقص” هو فعل مضارع ويجب ان يُرفع!

عندئذٍ تدخّل الأستاذ إميل قائلاً: “في اللغة العربية فعلُ الأمر يأتي مجزوماً وجوابه يجب ان يكون مجزوماً أيضًا! هل من اعتراض على ذلك؟” 

وافق الجميع على هذه القاعدة! بعدئذٍ قال: في اللغة العربية ايضآ لا يجوز أن يلتقي ساكنان! “فيرقص” من المفترض ان يكون ساكناً، و”السفح” بدايته ساكنة، لذا لا مفرّ من كسر “يرقص”.

جمُدَ الجميعُ تجاه تلك القاعدة اللغوية التي يبدو أنهم أغفلوها على مرّ الزمن، وتعجّبوا ضِمنياً من ان الأستاذ إميل يفوقهم ضلاعةً في لغة الضاد! حدّق الأستاذ مصطفى في عيني الأستاذ إميل وقال: “أو تظنّ ان هذا هو الصحيح؟” أجابه الأستاذ إميل: “نعم! بدون أي تردد!” قال الأستاذ مصطفى:” سأخرج للاطلاع على مراجعي اللغوية وأعود أليكم!” وخرج ولم يعد!

تمّ إنهاء التسجيل بالصورة التي ارتآها الأستاذ إميل دون أي اعتراض لاحق وكانت أغنية ناجحة! حاولتُ الوصول الى الاستماع اليها إلّا ان الضياع الذي حصل ابّان الاحداث التي بدأت سنة ١٩٧٥ حال دون ذلك! سأحاول مجدداً البحث عنها وأطلب مساعدة الجميع للوصول الى ذاك التسجيل!

قياسي

شمعة عيد ميلاد

شمعة عيد ميلاد

ولا تَفرَحَنَّ بِشَمْعةٍ تُطْفِئْنَها         إنَّها أيّامٌ وَلَّتْ، ولنْ تعودَ

  بشير القزّي                                 ١٣ كانون أوّل ٢٠٢٢

قياسي

قصّة تسجيل أغنية في الإذاعة اللبنانيّة سنة ١٩٥٨

قصّة تسجيل أغنية في الإذاعة اللبنانية سنة ١٩٥٨ 

في مطلع عمري وإذ كنت على مقاعد الدراسة ، كانت العادة أن يلُجَّ الأهلُ على أولادهم للسعي إلى التحصيل العلمي ونيل الشهادات، لأنّ الفَلَاحَ مضمونٌ لخرّيجي الجامعات! والكفاءة تنمو أيضاً مع سنيّ الخبرة وتؤهّل أصحابها لاعتلاء المناصب المهمّة التي تعود بمردود مهمّ على الذين يتبوأونها!

إلّا أن الشهادات وسني الخبرة، في بلدانٍ كبلدنا لبنان، لم تكن كافية للحصول على المركز، ما لم تكن مقرونة بما نُسمّيه “الواسطة”، وهي الدعم الذي يؤمّنه أحد أصحاب النفوذ للمُتقدم، أكان الداعمُ سياسيّ الارتباط أم إداريّ السلطة!

قد نجد العديد من هذه الحوافز المؤهِّلة موجودة في الكثير من الأقطار، إلّا أن ما يتميّز به لبنان يفوق بأهمّيته كلّ الشهادات والخبرات، ألا وهو شهادة الانتماء الطائفي الذي يتقارن مع هويّة الفرد، والذي تتقدّم أولويّتُه على مجمل الكفاءات المطلوبة! والانتماء الطائفي لا يعني الالتزام الديني، وقد يكون الانسان بعيداً عن دينه، إلّا ان تصنيف دينه على هويته يحمي حقوقه (وقد يضرّ بها أحياناً).

في الماضي كان الانتقاء الطائفي يقتصر على عدًّة مراكز سلطويّة، إلّا ان الزمن لعب دوراً في توسيع النطاق على مجمل المراكز وحال دون إعطاء الأفضلية لذوي الكفاءة، وأصبح الانتقاءُ يعتمد على المذهب الديني المُسجّل على الهويّة الرسميّة!

بعد ما سُمِّيَ بثورة ١٩٥٨ بدأ تطبيق  قاعدة ٦ x ٦ مُكرّر على المراكز الحكومية ، وذلك بإناطة كلّ وظيفة تابعة للدولة بمذهب ديني معيّن! بين هذه التعيينات تمّ إنهاء عقد مدير الإذاعة اللبنانيّة، الذي كان في عُهدة حليم الرومي ، وتمّ تعيين بديلٍ له مسجّل حسب السجلات الرسمية تحت المذهب الديني المطلوب!

في تلك الأيام، كان الأستاذ إميل ديب أحد الملحّنين المُعتمدين في الإذاعة اللبنانية، وكان يواظب على إنتاج الأغاني والألحان بشكلٍ منتظم! في يومٍ من الأيام، كان الأستاذ ديب متواجداً في الاستوديو يُشرفُ على تسجيل أغنيةٍ من ألحانه ومن كلمات الشاعر الداموري جورج غريّب، وكانت تُنشِدها فتاة تتمتّع بصوتٍ أخّاذ، الى جانب احتفاظها بمظهر متكامل وجميل، وقد وُلدت في البرازيل من أبوين من أصول لبنانية ! لمَحَ الأستاذ ديب أن الضوءَ الأحمر تمّت إضاءته، وذلك يعني الطلب من الإدارة التوقّف عن التسجيل! وإذ كان التسجيل وصل الى منتصف الأغنية، سأل: “هل نُكمل التسجيل ونتوقف بعد ذلك؟” كانت الإجابة بالطلب بالتوقّف الفوري عن تكملة التسجيل! تعجّب الأستاذ إميل ديب من هذه البادرة المفاجئة ، وقد كانت القطعة قد لاقت موافقة أعضاء اللجنة المشرفة كافة، حتى ان أحدهم كتب عبارة إعجاب بيده: “فوق المستوى!”

دخل الأستاذ إميل مكتب مدير الإذاعة الجديد، وكانت المرّة الأولى التي يلتقيه بها! كان أسمر السحنة، معتدل البنية، أسود الشعر، يُحدّق بعينيّ الذي يودُّ أن يُبسط سيطرته على مركزٍ استلمه لتوِّهِ! كان الأستاذ عبد الجليل وهبه، وهو شاعر معروف، جالساً على إحدى الكنبات الجلدية السوداء مقابل المكتب الخشبي الذي يجلس وراءه المدير الجديد، بينما تُغطّي الحائط وراءه مكتبة من نفس اللون الخشبي، وتحوي العديد من كتب الدواوين واسطوانات التسجيل.

وإذ كان يعقدُ حاجبيه، سأل المدير الجديد بنبرةِ السائل وهو يُوجّه كلامه إلى الأستاذ إميل: “هل أنت من كتب الكلمات ؟” أجابه الأستاذ إميل:” لا! أنا من قام بكتابة اللحن، أمّا من كتب الكلمات فهو الأستاذ جورج غريّب!” قال له المدير: أعطني الكلمات!” وإذ كان نصّ الكلمات بيده، قام بتسليمه الورقة. وكانت الأغنية كالتالي:

أمسيات

سكراتٌ للمُحالِ     ساهراتٌ في خيالي

علّلتني بالأماني      في مجالاتِ الجمالِ

إنّها في روضِ حبّي        أمسياتٌ للظلالِ

دِنُّها من غير خمرٍ       وأنا عفُّ السؤالِ

فليكن يا دهرُ سجنٌ     وقيودٌ وليالي     

غامت الرؤيا بعيني     عند أعطافِ الزوالِ

إنّني أحببتُ وهماً        هامَ في دنيا الخيالِ

لا تلمني يا زماني           ففؤادي في اشتعالِ

يا حبيبي لا تدعني          أبتني فوق الرمالِ

الأستاذ جورج غريّب

بصوتٍ خشبي، وبإلقاءٍ بعيدٍ عن فنّ قراءة الشعر، أخذ المدير يقرأ كلمات الأبيات الثلاثة الأولى من القصيدة، ثمّ عقّب مستهزئاً: “أهذا يُعدُّ شعراً ؟” 

أجابه الأستاذ إميل: إسمح لي يا أستاذيَ الكريم أن أُعيدَ قراءة النص، وأخذ يقرأهُ بحسب أصول قراءة الشعر، وبدا النصُّ جميلاً وذا رونق بديع! 

بعد قراءة بضعة أبيات، قاطع المدير الأستاذ إميل سائلاً: “أهكذا يُقرأُ النصّ؟” أجابه الأستاذ إميل قائلاً: نعم! وقد ذكّرتَني يا سعادة المدير بما حدث في إحدى قرى الجبل، واسترسل قائلاً:

بعد ان أوفد والدان ابنهما الى الخارج بقصد التحصيل العلمي للتخرّج بشهادات عالية، وصلت برقيّة من الابن. قرأها الوالد، ثمَّ استشاط غضباً وتوجّه نحو زوجته سائلاً: “أيُرسلُ لنا ابننا أوامرَ بعد أن زوّدناه بمدّخراتنا كافة وقمنا ببيع البقرة الحلوب كي نؤمّن له مصاريف دراسته في الخارج؟” أجابته زوجته: “ماذا قال لك”؟ قال بصوتٍ آمر : “أبي… أرسل دراهم!” طلبت منه قراءة البرقيّة، الّا ان الزوج قال:” أنت لا تُحسنين القراءة مثلي!”

بعد فترة قصيرة من ذلك وبعد ان لاحظت الغيظ الذي ألمّ بزوجها، رضيَ الزوج بتسليمها البرقيّة، وقامت بقراءتها أمامه بصوت دلوع ولطيف: أب—ي! أرس—-ل داراه—م

أجابها وقد انفرجت اساريره:” لمَ لم يكتب هكذا في برقيّته منذ البداية؟”

في تلك اللحظة، وإذ كان الأستاذ عبد الجليل وهبه واقفاً أمام مقعده، أخذ يقَهقه بصوتٍ عالٍ وارتمى على الكنبة من كثرة الضحك!

بعد ذلك توجّه الأستاذ إميل نحو المدير وقال له: بعد كلّ هذه الجهود سألغي تسجيل الأغنية وسأتوقف عن تسجيل أية أغنية لاحقاً!

خرج الأستاذ إميل ديب من المكتب والمدير يناديه للعودة…

(وللقصّةِ تكملة)

بشير القزّي 

قياسي

وا فتَّتاه!…

وا فتّتاه!…

كانت قد تفتَّت شلّة اللقاء ظهر كل يوم ثلاثاء لتناول وجبة غداء في أحد المطاعم، وذلك بسبب جائحة الكورونا. ما ان ضعفَ خطر الإصابة بالمرض حتى عاد الزبائن الى ارتياد المطاعم بشكل شبه عاديّ. في أحد الأيام اتصل بي صديقي نبيل ليعلمني أنه التقى بالصديق فارس (الزحلاوي) في أحد مطاعم لاڤال وتناول كلٌّ منهما صحنَ فتّة حمّص! للحقيقة، أخذ على خاطري بعض الشيء، وذلك لأني لم أعلم بوجبة الطعام إلّا بعد ان تناولاها!

بعد أسبوعين من ذلك، وفي حدود الساعة الحادية عشرة صباحاً، اتصل بي نبيل مجدداً وسألني: “هل انت في لاڤال؟ “أجبته بالنفي، ثم قال لي أنه يمرّ بالسيارة مقابل المطعم الذي يقدّم أكلة الفتّة، فسألته: “اين يقع هذا المطعم؟” فأجاب:” مقابل “لا دييس” على “كوري لابيل” “! قلت له ان الوقت مازال مبكراً للغداء!”

ما ان تجاوزت الساعة ظُهر النهار حتى اتصلت بفارس وسألته ما إذا كان يريد تناول صحن فتّة، أجاب: “أنا لها”. قلتُ: “إذًا سأمرُّ لأخذك من مركز عملك.”

في طريقي اليه اتصلتُ بنبيل، إلّا أنه لم يرد على المكالمة، كما اتصلت بجوزيف (الزحلاوي أيضاً) والذي يبدو انه كان بعيداً عن هاتفه. قبل ان أصل الى مركز عمل فارس، اتصلتْ بي أحدى الصديقات، فسألتها ما إذا كانت تريد ملاقاتنا لتناول صحن فتّة! قالت “:أين؟” أجبتها :”لا أعرف اسم المحل انما كل ما أعلمه انه يقع على شارع “كوري لابيل” مقابل “لادييس”!” قالت: “بعد تناول الوجبة ستصبحان بحاجة لأخذ قيلولة!”

قبل ان نصل الى المطعم، وقد قاربت الساعة الواحدة بعد الظهر ، اتصل بنا نبيل رداً على مخابرتي واعتذر عن مشاركتنا لانه فرغ لتوّه من تناول طعامه!

دخلنا المطعم وجلسنا حول الطاولة النظيفة الوحيدة والتي كانت بجانب شبّاك الواجهة الأمامية، بينما تواجد عدد من من السيدات حول ثلاث طاولات، أما  باقي الطاولات فكانت جاهزة للتنظيف بعد ان غادرها الزبائن الذين كانوا يجلسون حولها.

إلّا ان الخجل تملّك بي فجأة بعد أن نظرت عبر الزجاج نحو الناحية الثانية من الشارع وقرأت اسم المحل المواجه! لم تكن الصالة التي تحمل اسم “لا دييس” إلّا ملهىً للراقصات! تذكّرت أني ردّدت كببّغاء على السيدة التي اتصلت بي أنّي اقصدُ المطعم الذي يقع مقابل ذاك الملهى! تمنّيت ان تنشقّ الأرض وتبلعني! أوَظَنَّتْ السيدة أني من الذين يواظبون على التردّد على هكذا أمكنة؟

حضرت ابنة صاحب المطعم الى الطاولة وهي تعتذر عن تأخرها في تنظيف باقي الطاولات. كانت شابة، طويلة القامة، محتشمة الملبس، وجهها أبيض السحنة تزيّنه ابتسامة جميلة تنعكس على نظرة عينيها. بدأ صاحبي بالكلام: “بالنسبة لي، أريد صحن فتّة، إنما بدون ثوم”. قالت: “على راسي.” استطرد قائلا: “أُكرّر بدون أي ثوم، لأن أي وجود للثوم مرفوض تماماً”. أجابت: “فهمت!” ثمّ عاد للقول: “سأعيدُ الصحنَ لكم ولن أُسَدّد ثمنه إن اشتممت أية رائحة للثوم.” أومأتْ برأسها بالموافقة، مع أنّي لم أفهم إصرار صديقي وتكراره على عدم وجود الثوم في صحنه!

جاء دوري. قلتُ: “انا أيضاً بدون ثوم!” أنتفض صديقي وقال: “لماذا بدون ثوم؟ أنا مسألتي شخصيّة أما أنت فتأخذ صحنك عاديّا مع القليل من الثوم!” ومع أني لست من أكلة الثوم، إنما أفضّل ألّا يكون صحن الفتّة خالياً من أية نكهة للثوم! وتيمّناً بالقول “قليلٌ من الثوم يُنَكِّه طَعمَ الطعام”، شرحْتُ طلبي للفتاة فما كان منها إلّا أن قالت ضاحكة: “الثوم الذي لن نضعه في صحن صديقك سنضعه في صحنك”! 

لم يأخذ الكثير من الوقت تحضير الصحنين، وإلّا بالفتاة تُحضرُ لنا طلبينا. يتمُّ تقديم كلّ طلبيّة في كاسة وتحتها صحن، وكلاهما من البورسلان الأبيض مع ملعقة كبيرة. أما بالنسبة لي، فقد أضافت حصّا كبيراً مقشّراً من الثوم وضعته على الصحن بجانب الكاسة!

كان طعمُ الطبق لذيذاً جدّاً مع أني كنت أشعرُ أني أقرقِشُ بين أسناني مكعّبات صغيرة للغاية من الثوم!

كنت سعيدًا جداً لدى عودتي الى المنزل، وما ان صعدتُ الدرج للسلام على زوجتي وكانت في الغرفة الكبيرة مستلقحة على الكنبة مقابل جهاز التلفزة حتى انتفضت صارخة: “ما هذه الرائحة؟ لا لن تدخل الغرفة وستستحم وتنام في الطابق الارضي”! فوجئتُ بوصول رائحة الثوم لها وما زلت ابعدُ عنها مسافة تزيد عن الخمسة أمتار! وكأني كنت أتنقّل وتواكبني هالة تسبقني من رائحة الثوم! فوجئتُ بردة الفعل هذه على الرغم من ان زوجتي تلجأ كثيرا لإدخال الثوم في طهيها!

خلعتُ  ملابسي قبل الدخول الى الغرفة وتوجَّهت نحو الحمّام حيث استحممت طويلاً لنزع أية رائحة ثوم قد تكون علقت على جسمي! بعد ذلك نظفت أسناني بالفرشاة والمعجون وخيط التنظيف! ارتديت ملابس نظيفة ثم مضغتُ أربع حبات شوكولا، ثم أخذتُ أمضغُ علكة مستكة صنع غندور. أعدتُ تنظيف أسناني للمرة الثانية  إلّا ان الإحساس  بطعم الثوم بقي يتملك جوفَ فمي! خلدتُ الى السرير للنوم، إلّا ان العطش كان يؤرقني بين الحين والأخر وكنت أشعر أني أمضغ طبقة من الثوم بين أسناني!

قصدتُ المطعم بعد أسبوعين برفقة فارس، وما ان حضرت الفتاة لخدمتنا، قالت أنها ستقفل المحل بعد أقل من نصف ساعة! قلتُ لها مازحاً: في الوجبة الماضية لصحن الفتّة، لم يقتصر الأمر على طرد زوجتي لي من المنزل، بل إن أهالي الحيْ تجمّعوا وطردوني! هذه المرة لا أريد أن أُطردْ، وإلّا سأبيت عندكم في المطعم! ضحكت وذهبت لإحضار الطلبيّة!

ما ان فرغنا من تناول الطعام وكانت قد روت لوالدتها ما حصل لي في المرَّة الماضية، حتى توجّهتْ نحوي الوالدة قائلة: إذا تمّ طردكَ فمحلّك محفوظ هنا!

قياسي

مطعمان وباقة فجل

مطعمان وباقة فجل

منذ سنوات معدودة، وقبل جائحة الكورونا اللعينة، كنّا شلّة من الأصدقاء الذين اتفقوا على تناول وجبة الغداء كلّ يوم ثلاثاء في مطعم يتمّ اختياره في بداية الأسبوع بين الأمكنة العديدة المتوفّرة في مدينة مونتريال. قلّما كان عددنا يتجاوز الستّة أشخاص، وكان معظم الأصدقاء يتحدّرون من مدينة “زحلة.”

انتقينا في أحد اللقاءات مطعماً يقع على ناصية “مارسيل لوران”، وقد اشتهر بتنوّع صحون المقبّلات التقليديّة واللحوم المشوية والشيش طاووق. كان أصحاب المطعم ممّن توافدوا على مونتريال في أزمنة حديثة بعد أن تركوا البلد الذي نشأوا في ربوعه على إثر الأحداث المؤلمة التي ألمّت به! وكان من الطبيعي أن يلجأوا الى المهن الحرّة، كون الوظائف لم تكن متوفّرة كثيراً لحديثي العهد في هذه البلاد! 

كانت قلّة خبرة النادل واضحة، إذ ما أن طلبنا أكواب ماء للشرب حتى وزّع على كلٍّ منّا زجاجة بلاستيكية تحمل اسم المصنع الذي تم تعبئتها فيه.  ما ان طالبنا بكؤوس زجاجيّة حتى صاح مستغرباً: “بدكم كاسات؟”

طلب أحد الموجودين بيننا طبقاً من السمك. أجابه النادل أن ذاك غير متوفّر في المطعم، إنما لديهم طبق من المشاوي “بتَتْبيلة” السمك. طلب صاحبنا الطبق ليُفاجأ بأن الصحن لا يحوي سمكاً بل قطعاً من اللحوم المشوية وعليها بعض البهارات المنوّعة!

أمّا بالنسبة لي فقد طلبتُ صحناً من الفول المدمّس، كما طلب ذلك اثنان من الأصدقاء.  طلبتُ أيضاً طبقاً من “المحمّرة” لأفاجأ بأنهم لا يعرفون ما هي! قلت أننا كنا نخال ان هذه الأكلة أتت من بلادكم! قال: “سأحضر لك معجون المحمّرة”، وهكذا وضع أمامي صحناً من ذاك المعجون، الذي كان طعمه قريبا من طعم المحمّرة باستثناء نكهتها المميّزة!

لما تمّ استحضار أطباق الفول، فوجئت بعدم وجود الفجل في صحن الخضار الذي لم يكن يحوي إلّا على بعض قصاصات الخس، وثلاث قطع صغيرة من البصل الأخضر! أما عن الفجل الذي قلّما اتناوله إلا مع الفول، كان جواب النادل أنهم لا يتناولونه مع الفول!

في الأسبوع التالي قصدنا مطعماً آخر في نفس المنطقة، أصحابه يتحدرون من نفس البلد الذي يتحدّر منه أصحاب المطعم الأول. كان الديكور جميلاً ويتميّز عن الأوّل بوجود الخشبيّات على الجدران مع رفوف تحمل قطعاً مزخرفة صُنعت في بلادنا. عندما تمّ تزويدنا بلائحة الطعام ، لم أردْ أن أردّد طلب صحن الفول، فسألتُ النادل: “هل لديكم بَليلة؟” أجابني متسائلاً: “ما هي البَليلة؟” قلتُ بتعجّب: “لا تعرف البَليلة وكنت أظنّ أنكم من أدخلها الى بلادنا!” ثمّ استطرد قائلاً: “أهذا هو الطبق الذي يتم تحضيرة بالحمّص والصنوبر وزيت الزيتون…” قلتُ له: “نعم.” قال “لا بأس، سأحضّره لك! هذا صحن مشهور في عاصمة بلدنا، ونحن لا نعرفه كثيراً”. سألته: “هل تريد الاستعانة بغوغل؟” قال: “لا، سأتدبّر أمري!” وقبل ان يغادر الطاولة سألته: “هل لديكم فجل؟” أجاب بالنفي! قلت له اني ساذهب آلى السوبرماركت لاستحضار باقة وأعود قبل ان ينتهي من إعداد الطبق!

قصدتُ “سوبر سي” وما ان دخلتُ حتى وجدت كوماً من باقات الفجل. أخذت باقةً منه وبينما توجّهت نحو الصندوق لتسديد ثمنه، اتصلتْ بي زوجتي تسألني: “ماذا تفعل؟” أجبتها: “هل تُصدّقين أنّي بصدد استحضار باقة فجل للمطعم؟” ضحِكتْ دون ان تُصدقني!

وهكذا عدتُ الى المطعم مع باقتي، وكانت أكلة بليلة لن أنساها طوال حياتي!    

قياسي

يمام

يمام

ورد على مسمعي مؤخراً اسمٌ تحمله سيدة مثقّفة من بلادنا! وإذ ان هذا الاسم قلّما صدفتُ وجوده بين معارفي، لمستُ أنه أعادَ بذاكرتي إلى أيام طفولتي في بيروت حيث نشأتُ وترعرعت، وبالأخص لتلك الفترة التي كنت بلغت فيها العقد الأوّل من عمري!

الاسم هو “يمام”. وحسب معلوماتي اللغويّة المتواضعة، “اليمام” هو صيغة الجمع “لليمامة” وهي الحمامة البرّيّة.

 كنّا نسكن شقّة في الطابق الرابع من مبنى يقع في منطقة “الخندق الغميق” في وسط المدينة. كانت واجهة المسكن تطلُّ نحو الغرب، لذا كانت فترةُ بعد الظهر تجعل منه يعاني من حدّة الشمس مما يضطّرّنا الى إغلاق الأباجورات الخشبيّة للتخفيف من وطأة الحر!

مع أن شرفة الشقة كانت تجمع بين غرفتَي النوم، إلّا أنها كانت متطايرة فوق الطريق، تعلو شرفتين تقعان تحتها. كانت تلك الشرفة أشبه بمقاعد “اللوج” في أحد المسارح، بيد ان الفارق أن المسرح يعيشُ وقت المسرحيّة، بينما الشارع حيّ طوال النهار، بين بائع السحلب في الصباح الباكر، الى بائعي الخضار والفاكهة الذين ينادون على ما يعرضون، ودكانة  إم سيروب، إلى بائعي الدجاج، إلى المنادين على الكعك للعصرونيّة، الى الذين يبيعون غزل البنات، الى صندوق الفرجة، الى المنادين على مِهَنهم كالمبيّضين للأواني النحاسية، والمنجّدين، الى سنّاني السكاكين، الى بائعي الكاز والى ما هنالك …

في صبيحة النهار، كنا نشاهد وسط زُرقة السماء رفوف اليمام تطير مجتمعة على شكل أسراب كبيرة، تحمل شكل غيمة تكاد تحجب نور الشمس لهُنَيهة عندما تمرّ أمامها، وهي ترتفع نحو السماء ثمّ تغوص نزولاً نحو الأرض وكأنها تتبع أوامر من قائد المجموعة!

أما في المغرب فكان المنظر يزداد جمالاً مع حمرة الأفق المُتخفّي وراء الغيوم!

ذات يوم، لمحت يمامة بيضاء حطّت على درابزين الشرفة المبلطح والمصنوع من الباطون. حتى شرشف الدرابزين كان مصبوباً على قوالب خاصة مما يجعله أشبه بالقطع المنحوتة! أما اليمامة، بريشها الأبيض الناعم وعينيها الجميلتين الملوّنتين بشكل يصعب وصفه، فأخذَت تتمختر على مصطبة الدرابزين ثم طارت واختفت!

عقدتُ العزم على التقاطها. جئت ببعض البرغل وفلشته على المصطبة. ثم أخرجت من المنزل قطعة بساط صغيرة فرشتها على الأرض وجلست عليها بشكل لا يظهر به رأسي!

انتظرتُ طويلاً، زهاء الساعة أو أكثر! وإذ بي أجدها تحطّ بالقرب من حبات البرغل. وبلمحة بصر كانت يدي اليمنى تمتد نحوها وتمسكها من رجليها. حاولتْ التخلّص من قبضتي وهي تُصفق بجناحيها، إنما لا فائدة من ذلك. دخلتُ بها الى غرفة النوم وأقفلت الباب الزجاجي ثم تأكدت من ان جميع الشبابيك موصدة، ثم وضعتها على الأرض. حاولت الفرار نحو زجاج النافذة إلّا انها اكتشفت أنها حبيسة المنزل!

حاولت الطيران داخل المنزل انما المسافة كانت قصيرة. كنت سعيداً بإنجازي على الرغم من ان اليمامة فقدت حريّتها. بعد ان تعبتْ من محاولات الطيران حطّت على الأرض وأخذت تتنقّل على رجليها بين غرفة وأخرى. زوّدتها بالبرغل علّها تأكل إن جاعت، كما وضعت لها كوباً من الماء لتشرب.

في المساء رافقتنا الى الصالون حيث كنا نتابع البرامج التلفزيونية. أدهشها جهاز التلفزة بنوره وحاولت الاقتراب قدر الإمكان من الشاشة المضيئة!

صباح اليوم التالي كان لا بدّ من فتح النوافذ، وإذ بها تفرّ نحو الخارج وتطير بجناحيها فوق الأبنية والشوارع!

خال لي أني لن أراها بعد ذلك! إلّا انها عادت بعد يومين ودخلت المنزل الذي تعودَت على أرجائه! مكثَتْ بضع دقائق ثم لاذت بالفرار… وبقيتُ انتظر عودتها طويلاً…ولا أزال!

قياسي

نتغنّى بها ولا نُتقنها

 نتغنّى بها ولا نُتقنها

قد لا أعرفُ شعباً على وجه البسيطة يتغنّى بلغته المكتوبة بالقدر الذي نجد فيه شعوبنا العربيّة تتغنّى بالفصحى وتعتبرها تتفوّق برونقها وجمالها على كلّ لغات الأرض! إلّا ان المؤلم االمُبكي هو أننا قد لا نجد إلّا قلائل ممّن يُحسنون كتابتها وصياغتها دون ان يرتكبوا أخطاء لغويّة وتشكيليّة متعدّدة!

والمؤسف أيضاً أن الكثيرين ممّن يدّعون نصرة اللغة هم أبعدُ الناس عن قراءتها بالشكل الصحيح أو كتابتها من دون ارتكاب أخطاء! وهم أنفسهم الذين أخفقوا في المحافظة على أولويّة التحدث بها لدى أبنائهم، أولئك الذين يفضلون التحدّث بلغة أجنبيّة على التخاطب بلغة الأجداد، كون هذه اللغة توقّفت عن التطور في زمنٍ ما، وأضحت ملايين الكلمات المتوفّرة فيها غير مفيدة وعاجزة عن إيجاد كلمات تصف الكثير من المواقف والمستلزمات التي استحدثها التطور. حتى الألقاب أخفقنا في إيجاد مرادفات لها، ومن بين ما يثير حافظتي استعمال كلمة “دكتور” فنقول مثلاً “دكتوراه في اللغة العربية”!     

ممّا لا شكّ فيه ان اللغة العربية مقيّدة بقواعد كثيرة ومعقّدة ومن الواجب الإلمام بها للتوصّل الى كتابة نصوص صحيحة من النواحي اللغوية ! لذلك لا يمكننا تجاهل الساعات الطويلة التي يمضيها الطالب لتلقّن اللّغة العربية في الصفوف الابتدائية والثانوية دون ان نتساءل عن الإخفاق المريب لدى النشء الجديد في المحافظة على ما تعلّمه خلال سنيّ الدراسة!

ومن مفارقات لغتنا الكريمة تميّزها الظاهر على مستويين:

  • مستوى كتابة النص:

يُظهر النصُّ المكتوب الكلمات بأحرفها كافة، دون ان يُظهر للعيان تشكيل الأحرف ، فيما عدا ما يتوجب من أحرف العلّة! 

  • مستوى قراءة النص:

أمر قراءة النص يختلف جداً عن كتابته، والكاتب الذي لا يُخطئ في كتابته قد نكتشفُ انه يُخفقُ في قراءته له وذلك لعدم مراعاته للتشكيل الصحيح، وهذا ما قد يؤدّي الى قلب المعاني وقد نجد الفاعل يُصبح مفعولاً به، وغير ذلك من المفارقات! لذا، في اللغة العربية، من الهام جداً فهم النص قبل مباشرة القراءة، وذلك بعكس اللغات كافة التي تتيح للقراء فهم النص لدى قراءته!

ومن المستغرب ايضآ انه لدينا عدد كبير من المثقّفات والمثقفين الذين ينضحون بنفحات شعريّة جميلة، إلّا ان معظمهم يصرّون على نشر نتاجهم بأخطائه اللغوية قبل مراجعته من قبل متمرّسين وتصحيحه، مما يجعل النصوص تفقد الكثير من قيمتها الأدبيّة!

وعلى صعيد “تجمّع منتدانا الثقافي” آثرنا منذ البداية على حثّ الأعضاء وأصدقائهم على الكتابة بالشكل الصحيح والابتعاد عن ارتكاب أخطاء لغوية. ومع أني لمست تحسّنا لدى كثيرين وكثيرات في أدائهم اللغوي، إلّا ان البعض مصرّ على ارتكاب نفس الأخطاء يوما بعد يوم على الرغم من لفت نظرهم مرّة بعد أخرى الى تلك الأخطاء! 

قياسي

تمنياتي لهذا العيد

صورة