على مفرق ٢٠٢٢

صورة

Celebrating 2022

صورة

هل يحق للإعلام التطرّق لمواضيع تطالها المعتقدات الدينية؟ 

هل يحق للإعلام التطرّق لمواضيع تطالها المعتقدات الدينية؟

في نقاش يتناول ما حدث في لقاء على الهواء بين الإعلامية رابعة الزيّات مع الشيخ علي الحسين حول موضوع إقامة علاقات جنسيّة من دون زواج أو المساكنة من دون ارتباط شرعي بين شخصين، وجدتُ انه لا بدّ من أن أُبديَ برأيي المتواضع، متجاهلاً ان كثيرين لن يُعجبهم ما سأدلي به! ومع ان ذاك اللقاء بدا أقرب إلى ان يُسمّى بمشادة كلامية بين شخصين منه إلى نقاش حضاري، إلّا أنني سأحاول تناول الموضوع من عدة جوانب:

الإعلام:

  • هل الإعلام نزيه ؟
    • في المبدأ يسودُ الاعتقاد ان الإعلام ساميُّ الأهداف وهو فوق الشبهات وبمثابة الدافع المنزَّه الذي يسعى على الدوام الى تصويب أيّ اعوجاج اجتماعي او سياسي او ديني او أخلاقي اوغير ذلك!
    • في الواقع قلّما نجد فريقاً سياسياً او دينيّاً أو خلافه لا يوجد لديه قسْمٌ إعلاميّ كما قد لا نحظى بالتعرف على إعلامٍ ناجح خالٍ من ارتباطات ماديّة خارجية أو ميول سياسية أو دينية تؤثّر فيه!
    • كم من الأمثلة لدينا، في بلداننا العربية أم في الكثير من أنحاء العالم، كان الإعلام فيها الدافعَ الأقوى لانتفاضات شعوبها، إلّا ان ما نتج عنها في كثير من الأحيان أدّى إلى أوضاع أسوأ من التي كانت عليه تلك البلدان قبل تلك الثورات!
    • الإعلام يقاضي الكثيرين إلّا انه يتنصّل من النتائج! إذا نجح تأثيره فالفضل يعود إليه، أمّا في حالة الفشل فذلك يتحمّلُ نتائجهُ من مشى في رِكابه!
    • في البدء كان الخبرُ ينتقل بواسطة الإشاعة، ومن ثمّ أصبحت الصحافة المطبوعة تتداوله، وبعد ذلك ظهرت أجهزة الراديو والتلفزة إلى أن وصلت وسائل التواصل الاجتماعي التي طغت على كلّ الوسائل، وأضحى الخبر يصل إلى جيب كلّ من يستحوذ جهازاً خليوياً!

الدين المسيحي:

  • نظرة الى الوراء 
    • في البلدان التي كانت تتّبع المسيحيّة، كان الدين مصدر القوانين وكان الذي يحكم البلاد، ملكاً كان أم امبراطوراً، يعتبرُ نفسه ممثلاً لربّه على هذه البسيطة ويحكم بسيفه دون أن يجرؤ أحدٌ على مخالفة أوامره! ونجدُ الكثير من الإجراءات التعسّفية التي اتُّبعت لقمع أيّة فكرة تخالف المناهج الدينية المتعارف عليها!
  • فترة ما بعد نشوء الثورات وبداية الأنظمة الديموقراطية 
    • بدأت الأنظمة الجديدة وعلى رأسها الديمقراطيات تسنّ قوانين جديدة وتشريعات قد تختلف عمّا اعتادت على اتّباعه الأنظمة التيولوجيّة.
    • تمّ اعتماد الزواج المدني وانتفت الحاجة الى زواج كنسيّ في معظم البلدان التي كانت مسيحيّة بغالبيّة سكانها.

الدين الإسلامي 

  • نظرة إلى الماضي البعيد
    • الدين الإسلامي لدى نزوله أعطى المرأة حقوقًا لم تكن تعرفها في تلك الأزمنة.
    • إلّا ان المرأة، كانت ولا تزال، تحملُ وِزْرَ أية علاقة تجريها مع رجل لا يُعدّ محرَماً لها، وقد يُؤَدّي بها القصاص إلى حكمٍ بموتٍ همجيّ ومؤلم، كأن يتجمّع حولها القومُ ويرجمونها بالحجارة حتى تلفظ أنفاسها!
    • أما الرجل فكان قصاصه الموت عندما تثبتُ التهمة عليه!
  • نظرة إلى الماضي القريب
    • أصبحت هوّة كبيرة تفصل بين بلدان ما زالت تطبّق ذات الأحكام التي كان يجري تنفيذها في بداية المدّ الإسلامي، كقطع الرأس وبتر الأطراف او الرجم بالحجارة، وبين بلدان أخرى أنزلَت تشريعات أخفّ وطأة وإسوةً بالأحكام التي يتمّ إبرامها في بلدان العالم المختلفة!
    • من المفارقات ان بعض السُّلُطات أيام الخلافة العثمانية وغيرها تسامحت تجاه قيام دور البغاء وكانت تجبي الضرائب منها، بينما كانت تتشدّد تجاه أية علاقة غير مشرّعة بين شاب وفتاة!

تساؤلات:

  • هل يجوز ان يُحكمَ على من خطف قلبه الحب بعقاب يجاري ما يلقاه القاتل المجرم؟
  • إذا كان الزواج المدني بوجود المأذون والشاهدين وُجد لحماية المرأة في حالة الحمل، أمَا فحصُ الحامض النووي يجاري ويزيد على أية شهادة؟
  • هل من الواجب ملاحقة رجال الإعلام لمجرّد تطرّقهم لمواضيع متعارف عليها لدى بعض الأديان في الوقت الذي تتعارض به مع قوانين البلدان التي تقدّمت علينا في حضاراتها ؟
  • في الواقع ما زال شرف الرجل يتجلّى في نسوته، عند المسلمين او عند المسيحيين على السواء، وأعدادُ جرائم الشرف لا تُحصى ولا تُعدّ حيث يلجأ الرجل إلى ذبح ابنته او أخته او زوجته أحياناً لمجرد إنتشار إشاعة تطالها!

قياسي

قصّة عود (ملحق)

قصّة عود (ملحق)

لدى كتابتي القصّة، أغفلتُ ذكرَ بعض الأمور وذلك خوفاً من الإطالة بالنصّ وتحاشيًا لأن يتملّك المللُ قُرّاءَ الموضوع. إلّا ان رسالةً غير منتظرة وصلتني منذ يومين وجعلتني أُعيدُ النظر في ما كنتُ عزمتُ عليه، وسأخبركم بالمضمون فيما بعد.

لدى تعرّفي بالأستاذ إميل ديب أعلمني أن وجه العود الأصلي نشفَ وتشقّقَ بعد تمضية عقدٍ أو أكثر في الربوع الكنديّة. لذا اضطرّ لتكليف أحد الاختصاصيين بالقيام باستبدال ذاك الوجه الخشبيّ بوجه جديد يتحمّل تغيّرَ درجات الرطوبة في هذه الأصقاع ، مع العلم أن هكذا عمل على العود قد يقلّل من قيمته التاريخية.

وإذ كنت قد أخبرت ابنة عمي دنيا بقصّة العود، رجتني بعد وفاة والدها سنة١٩٩٤ أن أسعى لدى الأستاذ إميل بطلب شراء الآلة، مهما كان الثمن، وذلك لوضعها إلى جانب الألبسة والقبعات الرسمية التي ارتداها عمّي شاهين بالإضافة الى الأوسمة والميداليات التي حصل عليها خلال سنيّ خدمته، وقد تألّق في آواخر تلك الأيام بمركز رئيس الشرطة القضائية! للحقيقة، تلكّأتُ في السعي لتلبية طلبها نظراً لأن تاريخ العود يشهد على الكثير من المواقف التي تسبّبت بخلاف دام عقوداً طوالاً بين عائلتين!

وأعود الى الرسالة التي وصلتني من سيدة اسمها “حلوة”، وهي تُعتبر بالفعل إسماً على مسمّى!   هي صديقة للعائلة،  وتسكن فلوريدا منذ فترة طويلة، وقد  أوردت في النص تفاصيل لم أكن أعرفها! كما أكّدت لي صحّة ما رويتُه في “قصة عود”، وذلك لأنها تعرف العائلتين ملياً، وعلى علمٍ بكلّ ما حصل. ومع انها تجاوزت الآن العقد الثامن من عمرها، إلّا أنها لم تنسَ ما حدث في أيام طفولتها!

في تلك الأيام، كانت والدتها تربطها صداقة متينة بماري، التي كانت تسكن بالجوار مع ابنتها وزوجها في حي البرغوت بمدينة صيدا، في منزل مقابل مستشفى سعدالله الخليل على الطريق التي تربط المدينة بمدينة صور. 

وممّا تذكُرُهُ ان ماري حضرت مساء أحد الأيام برفقة أخيها أنيس المعروف بضرب المندل، ويبدو أنه حصل على كتاب يتناولهما الموضوع . وقد تعرفتُ على أنيس في تسعينات القرن الماضي لدى زيارتي لمنزله في مونتريال، وكان يعاني من إعاقة في يده اليمنى أجبرته على ارتداء يد اصطناعية. ذكَرَت “حلوة” في رسالتها أنه تمّت دعوة الجيران وقتئذٍ لحضور جلسة ضرب المندل ثم أغلقوا الأبواب والشبابيك. طلبَ أنيس كوب ماء وقبل ان يبدأ، تمنّى على الجميع المحافظة على السكون وعدم ذكر أي من أسماء الرسل والقديسين. ثم أخذ يُحدّق بوجه الماء بهدوء وهو يردّد ويتمتمُ بصوت منخفض صلوات وعبارات غير مفهومة أوغير مسموعة بوضوح! ومن المنتظر ان يتراءى له حينئذٍ جنّ،  ثمّ يقومُ هو بطرح الأسئلة عليه وهو يُجيب! إلّا ان “حلوة” لارتعابها وتديّنها أخذت تُردّد في قلبها اسم المسيح وأسماء قديسين. وانتهى اللقاء دون ان يتمكّن أنيس من استحضار أيّ جِن!

واستطردت الرسالة تُخبر أنه في أحد الأيام تعرّض عمّي شاهين لحادث سيارة. إثر إصابته، شاءت الصُّدفُ أن يتم نقله إلى مستشفى سعدالله الخليل مقابل منزل ماري. حين علِمتْ بالأمر، ارتدت فستانا أنيقاً على جسمها وقطعت الطريق ودخلت المستشفى وسألت عن غرفة المصاب. ما ان وصلت الى جانب سريره وما ان تلاقت نظراتهما حتى انهمرت الدموع من أعينهما وأخذا يبكيان بتلوّع دون ان يستطيعا التوقف! جلست على كرسي بجانبه، إلّا ان البكاء والنحيب طالا دون أن يتمكّن أي منهما التفوّه ولو بكلمة واحدة! بعد اقل من نصف ساعة، انتصبت ماري على رجليها وغادرت الغرفة مودّعة شاهين بنظرة من فوق كتفها!

عرّجت على منزل والدة “حلوة” قبل العودة الى المنزل. ما ان استقبلتها حتى فوجئت بالتورّم الكبير في عينيها. سألتها عن السبب فما كان منها إلّا ان قصّت ما حصل معها وهي تلعن والدها على الموقف الذي اتخذه ومنعها من العيش مع الشاب الذي أحبّتهُ والذي بادلها بنفس المشاعر!

لا أدري ما إذا كانا قد التقيا مجدّداً بعد تلك الحادثة، إلّا انه قيل لي أنه زارها مرّة للاطمئنان عليها!

مرّت السنون ومات شاهين بعد ان فاق في سنّه التسعين، فيما عمّرت ماري الى عمرٍ لا يصل إليه إلّا قلائل من البشر، وفارقت هي الأخرى الحياة ولم يبقَ من شاهدٍ على ذاك الحب إلّا العود القابع شمال مدينة مونتريال، والذي ما أن يُقسّم صاحبه ألحاناً على أوتاره حتى تتردّد أصداء قصة حب من الماضي تفوق في رأيي أسطورة روميو وجولييت… فالذين يختارون العيش في آلامهم هم أقوى من الذين يختارون الانتحار كوسيلة للهروب من واقع مرير!

قد تكون هناك الكثير من القصص المماثلة، إلّا أنّها لا تُبصر النور حتى يأتي من يكتب تفاصيلها!

وبالنهاية أستخلص بالقول: إنّ من لم يُعانِ من الحب، لم يعشْ…

قياسي

قصّة عود

قصّة عود

ما أن حطّيت رحالي في مدينة مونتريال برفقة زوجتي وابنتي حتى بدأت استطلع من حولي للتعرّف على الأناس  الذين يتحدّرون من نفس أصولي وقد سبقوني إلى هذه البقعة من العالم، والتي قد أكون قرأتُ عنها في كتب الجغرافيا ، إلّا أنها لم تترك أي أثرٍ يُقتدى به في ذاكرتي!

بعد ان تصادقتُ مع شابٍ من عائلة قرطباوي كان يقطن وقتئذٍ مع عائلته مدينة “تيربون” الواقعة شمال مونتريال ، تعرّفت بالأستاذ الملحّن إميل ديب، والمعروف بالانغام الجميلة التي ألّفها لأغانٍ كثيرة ومتعددة تمّ بثّها على الإذاعة اللبنانية طوال ثلاثة عقود قبل ذلك. كان أيضًا قد اتخذ مع زوجته دعد من تيربون مكانَ إقامة لهما ولولديهما بعد ان اشتريا على شارع ماكنزي منزلاً من طابق واحد (بانغلو). كانت حماة الأستاذ إميل، جورجيت، تسكن في مونتريال مع أولادها، وقد التقيتها في زيارة للأستاذ إميل.

ما ان دخلت المنزل وصعدت بضع درجات حتى رأيت آلة بيانو بنيّة اللون تتوسّط الحائط الذي يفصل الصالون عن المطبخ، وتعلو حامل النوتات أوراق موسيقية مكتوبة باليد. أمّا في أقصى القاعة من الناحية اليمنى فكانت آلتا عود ومندولين تديران وجههما نحو الزاوية وكأنّ كلّ واحدة منهما تنتظر دورها لأداء الوصلة الخاصة بها! 

 بعد أن عرّفت بنفسي فوجئت بأن السيدة دعد ووالدتها تتحدّران من نفس بلدتي، الرميلة، والجميع يعرف عائلتي!

أخذ الأستاذ إميل آلة العود وركّزها في حضنه، ثم أخذ يلعب بعض التقسيمات عليها، حيث سمعتُ عذوبة في الصوت قلّما نجدها بالآلات المشابهة!

ثمّ توقف عن العزف وأدار وجه العود نحوي وقرّبه منّي وسألني: “هل تعلم أن هذا العود كان لعمِّكَ شاهين؟” ثمّ أشار بسبابته إلى فوهة قمريّة الآلة، وإذ بي أرى عبر الأوتار لاصقاً داخله يذكر اسم مصنّعه وسنة الصناعة: ١٩٠٤، وهي السنة التي كان عمّي يروي أنه وُلد فيها! ثمّ استطرد قائلًا ان عمي شاهين كان قد أهدى هذه الآلة إلى ماري، الأخت الكبرى لحماته جورجيت، وهي بدورها أهدته إيّاها!

حاولت بعدئذٍ أن أستقصي خيوط القصة لمعرفة تفاصيلها!

في مطلع القرن العشرين، حصل عمُّ والدي، الياس، على لقب “أفندي” من الباب العالي. شيّد لنفسه سنة ١٩٠٣ منزلًا كبيراً من الصخر الصلب، سطحه من القرميد الأحمر على طراز الأبنية التي كانت تبنى في ذاك الزمن. له شرفة تطل على الغرب، حيث تغيب الشمس في الأفق كل يوم، وحيث تمرّ طريق صيدا القديمة بالقرب من شاطئ صخري تلطم أمواج بحره صخرتين كبيرتين تأبيان الذوبان تحت وطأة الارتطام! كنت كلما زرت ذاك المنزل ودخلت الصالون الكبير ذا السقف العالي المزخرف، والحيطان الملأى بالصور القديمة ومن بينها صورة كبيرة للأفندي، وهو يلبس زيّه الرسمي، وتعتلي رأسه قبعة مميّزة تتوّج وجهاً يبرز في وسطه شاربان مستقيمان، كنت أشعر بهيبة فريدة تجعلني استذكر شخصيات هامة زارته على مدى عقود!  

كان المنزل فريداً في شموخه، يتميّز عن بيوت في المنطقة أقل ارتفاعاً، بعيدة عنه. كانت المنطقة تحمل اسم “وادي الزانية” حيث يوجد “خان” مرفق باسطبل لاستراحة المسافرين مع دوابهم.

تمّ تعيين الياس الأفندي لجباية الضرائب لصالح السلطنة العثمانية. وإذ كانت تَرِدُه الأموال من مناطق الإقليم، تميّز بكرمٍ كبير، ولم يتوانَ عن استضافة او إطعام كل من يقصد بابه. يُذكر أنه إذا أقام مأدبة ما، لا يجلس مع ضيوفه بل يُفضّل ان يقوم بخدمتهم بنفسه!

وإذ إن مصروف الضيافة كان كبيراً جداً، وإذ لم يكن الأفندي يفرّق بين صندوقه الخاص وصندوق الجباية، كان يكتشف عندما يحين وقت التسديد انه لا توجد في حوزته الأموال الكافية! لذا كان أعوانه يطرحون الصوت على القرى طالبين المساعدة. ونظراً للمحبة والتقدير اللذين كان أهل المنطقة يكنّانهما له، كان جمع الأموال اللازمة سهلاً، وهكذا يتم الدفع دون عقبات.

إلّا أنه بعد سقوط الدولة العثمانية ودخول الانتداب الفرنسي لم يعد الأفندي يجبي الأموال للسلطنة، مع انه حافظ على الكرم الذي عرفت به داره طوال السنين التي سبقت، لذا ارتفعت الديون وضاقت أمامه الأمور بعد ان باع من الأراضي ما أمكن تصريفه!

هبّ لنجدته أخوه يوسف، جدي، وكان يملك بيتاً كبيراً مع بستان واسع ورثهما عن والده شاهين. وقد أبصرَ أولاده النور بين جدران تلك الدار.

قام جدي يوسف ببيع البيت والبستان ليوسف لطفي المتأصّل من بلدة البرجين وقد سكنه الأخير مع عائلته، بينما انتقل جدي  للعيش في منزل أصغر وبستان متواضع يقعان من الناحية الثانية من طريق صيدا القديمة، وهكذا تم تسديد ديون الأفندي.

على العكس من جدي يوسف واخيه، كان يوسف لطفي حريصاً على قرشه، فكان الداخل الى جيبه مفقوداً والخارج منها مولوداً. كان لديه من الأولاد أربعة شبّان وابنتان.

بحكم الجيرة، وإذ كان عمي شاهين في مطلع شبابه، أُعجبَ بماري، الابنة الكبرى ليوسف. كانت فتاة جميلة الشكل، أنيقة المظهر، فطينة الفكر، لبقة الحديث. كانت بنظراتها تدل على أنها تبادله المشاعر. وإذ  أيامئذٍ لم يكن من المسموح ان يتردد على زيارتها بدون صفة رسمية، طلب من والده ان يطلب له يدها! وهكذا كان وأصبحت ماري خطيبة شاهين!

مع الأيام ازدادت العلاقة شدة بين الخطيبين. ما كان عمّي ينهي عمله حتى يهرع الى بيت ماري للجلوس بجانبها ومسايرتها. اشترى آلة عود ووضعها بعهدتها. كان في المساء يجلس بقربها ويمسك بالعود ويعزف عليه موسيقى أغنيات عرفت في عشرينات القرن الماضي: من أبو الزلف والميجانا والاندلوسيات والقدود الحلبية. مع الألحان كانا يغنّيان ويرنّمان ويدندنان تلك الأغاني. في ذاك الوقت لم تكن قد وصلت المياه الجارية الى الرميلة ولا الكهرباء. كانا يجلسان تحت العريشة تحت ضوء القمر بين بساتين الليمون الذي ما ان يُزهر حتى تفوح منه رائحة تمجّد الخالق وتدخل الى صميم القلب! ما زلت عندما أزور الرميلة واشتمّ ذاك العطر السماوي تنهمر دموع من عينيّ! 

مضت السنون و”لغايةٍ في نفس يعقوب” كان والد ماري يجد الأعذار لتأخير موعد زفاف ابنته. بعد ثمان سنوات على خطبة عمي شاهين قام عمي ناجي بخطبة جورجيت، أخت ماري (والتي أصبحت فيما بعد حماة الأستاذ إميل).

مرّ زمن طويل فيما بعد دون ان يتمكن الأخوان من الزواج من خطيبتيهما وذلك بسبب مماطلة والد الفتاتين، وقد يكون السبب مردّه الى عدم رغبته في الاشتراك بتكاليف الزواج! عندئذٍ، وبعد انقضاء ثلاث عشرة سنة على خطبة عمّي شاهين ، قرّر الأخوان ترك الأختين، وذلك أدّى الى عداء وجفاء بين العائلتين!

مرّ الزمن وتزوّج عمّاي كما تزوجت الأختان ورزق الجميع بالذريّة! شخصان بقيا على علاقة طيبة بين العائلتين: والدي والأخ الأصغر لماري واسمه ألبير.

بعد قرابة نصف قرن على انتهاء العلاقة بين عمّي وماري، قام بإصدار كتاب من دار النهار للنشر يحمل اسم “من ذكرياتي” أورد فيه قصة تتحدث عن ماري، وقد سمّاها بالأحرف الأولى من اسمها.

في بداية التسعينات من القرن الماضي حضرت ماري الى مونتريال لزيارة أخوتها الذين كانوا يقيمون فيها. أخبروها بوجودي هنا مع عائلتي. اتصلتْ بي وقمت بزيارتها عدة مرات. سألتني عن جميع أفراد العائلة وسألتني أيضًا عن عمي شاهين. وقتئذٍ كان قد قارب التسعين من العمر. ما أذكر عنها أنها كانت تجيد اللعب بطاولة الزهر وكانت تتشاجر مع اخيها بانفعال كلّما شعرت بأنه يغش باللعب!

توفّي عمي سنة ١٩٩٥ وكان خلال حياته قد تبوّأ مناصب عالية في الشرطة في لبنان.

أعادت الزيارة لمونتريال وكانت تتصل بي كلما جاءت وكنت أقوم بزيارتها. وافتها المنيّة منذ قرابة ثلاث سنوات عن عمر يناهز ١٠٨.

أمّا العود فقد أهداه الأستاذ إميل الى ابنه الياس، اللامع أيضاً في فنون الموسيقى، وهو يسكن حالياً في بلدة سان إيبوليت في شمال مونتريال!

وسؤالي هو: هل سيشهد العود الذي عمّر قرناً ونيّف قصة أخرى؟

قياسي

À ma fille Dana / To my daughter/ لابنتي دانة 


À ma fille Dana / To my daughter/ لابنتي دانة

À ta naissance, de tes yeux le monde m’a paru plus beau

Tu as grandi dans mes bras, je t’ai portée sur le dos

J’ai vécu pour toi, et c’est le temps de te voir partie

Pour débuter une famille avec l’homme de ta vie

At this time of my age, you remain, the star of my life

I ask you to be, to your husband, a truly good wife

May God be with you, with each step you’re going to take

Fulfill your dreams, with a joyful life, that nothing could shake

يا دانه يسلم قدّك

بهالفستان العا قدِّك

منوّر وجّك هالسهرا

والليلة ما في قدِّك

بطلبلك من الله السعد

وكل ما ودّى، بقلّو بعد

ورفيق العمر يْحبِّكْ

قد ما تولّعتْ بإمِّك

قياسي

قصّة زجاجة الشمبانيا

قصّة زجاجة الشمبانيا

فيما كنت جالساً بجانب زوجتي في وليمة أعدّها صديق للترحّم على والدته التي وافتها المنيّة منذ أسابيع، بادرتْ صديقة تجلس قبالتنا وتكلّمت عن كيف أن الحياة تمرّ بسرعة، وقد يؤجل المرء التنعّم بشيء لغدٍ أفضل، وقد لا يأتي ذاك اليوم!

قلت لها: سأذكرُ لك “قصّة زجاجة الشمبانيا ” وقد عشتها بتفاصيلها!

رفعت حاجبيها وأصغتْ:

“ما أن فتحتُ عينيَّ على الدنيا حتى أبصرتُ في بيتنا زجاجة شمبانيا متألّقة بين مجموعة من زجاجات المشروبات الروحية التي اصطفّت عن يمينها ويسارها فوق البوفيه الخشبي ذي اللون الأسود في غرفة الطعام المصنّعة من ذات النوع، بتصميمٍ تميّزت به مفروشات منتصف القرن الماضي. كانت زجاجة الشمبانيا تلك، أضخمَ حجماً من رفيقاتها، لونها أخضر داكن، بينما يرتفع رأسها وهو معمّمٌ بورقٍ ذهبيٍّ متجعّد، يتضخّم عند رأسها ليضيق عند العنق ثمّ يتّسع مع اتساع الرقبة حتى ابتداء وسط القنّينة.

أما “الإيتيكيت” الملصقة عليها بلونٍ بيجيّ فلم أعد أذكر ما كُتب عليها!

علمتُ فيما بعد أن تلك الزجاجة قيّمة وقد تلقّاها والدايَ كهديّة لدى حفل زواجهما. إلّا أنهما قرّرا أن يفتحاها لدى ولادة المولود الأوّل! وها أني “شرّفتُ” على هذه الدنيا وقد نسي الوالدان فتح الزجاجة !

وبعد ثلاث سنوات لولادتي تمّ الإعداد لحفل عمادتي وقد تمّ إجراؤه في كاتدرائية مارجرجس في منطقة البرج، وسط بيروت، والقريبة من منزلنا آنئذٍ! تبع الاحتفال وليمة عشاء كبيرة في بيتنا ضمّت العديد من الأقارب والأصدقاء والشخصيات الذين ربطتنا بهم علاقات مودّة، وكان بينهم مسيحيون ومسلمون، وأذكر منهم الشيخ أحمد حمود الذي ألقى كلمة ما تزال أصداؤها تتردّد في أذنيّ، وإن لم أكن أفهم الكلمات وقتئذٍ!… وبقيتْ القنينة قابعة في مكانها!

بعد ذلك تمّ العزم على فتح الزجاجة عند نيلي الشهادة! إلّا ان الشهادة الابتدائية كانت “إبتدائية ” كما الشهادة المتوسطة كانت “متوسطة”! أما لدى حصولي على شهادة البكالوريا (القسم الأول) فضّلنا ان يكون ذلك لدى فوزي بالقسم الثاني ، إلّا اننا نسينا مرّة أخرى!

بعد نجاحي في نيل شهادة الهندسة من جامعة القديس يوسف في بيروت نسينا مرة أخرى فتح القنية!

بعد سنوات من ذلك كان حفل زواجي! حتى لا ننسى فتح الزجاجة ، تم وضعها في البرّاد ليتم فتحها مع باقي قناني الشمبانيا لدى الاحتفال! إلّا ان القيمين على التنظيم فتحوا مجمل الزجاجات ونسوا فتح تلك القنينة!

وهكذا بقيت تلك الزجاجة على ذاك البوفيه إلى ان غزا منطقتنا الآمنة مسلحون وأضطر والداي وأخي الى الهروب تحت الرصاص، وتركوا كل شيء في مكانه!

والأسئلة التي تحيّرني ولا أجد لها أجوبة هي:

                      هل حافظت الزجاجة على جودتها وتلذّذ بها من شرب منها؟

هل نتن طعمها مع الزمن وفقدت الكثير من أصالتها ؟

أم ان المهاجمين كسروها دون ان يتذوقوها؟  

قياسي

Vous avez battu tous les records!


Vous avez battu les records! Il est grand temps de l’admettre

Dans vos fonctions, vous avez dépassé toutes attentes

Lorsque vous avez été nommée, plusieurs de nos concitoyens ont espéré voir leur ville adorée, Montréal, prospérer avec votre administration

Ils souhaitaient de tout-cœurs, que vos sourires et éclats de rire leurs promettent vraiment le développement de leur cité préférée

Toutefois, vos actions ont eu un effet bien plus néfaste que la pandémie qui nous a frappé de plein fouet

Si vous n’avez pas réinventé la roue, vous avez certainement tenté de le faire à tort et à travers

Vous croyiez vraiment régler le problème du réchauffement climatique de la planète en attaquant les automobilistes de Montréal

J’ai du mal à concevoir comment l’administration d’une Métropole d’échelle mondiale pourrait passer outre sur les plus importants enjeux qui menacent ses citoyens en faveur de concentrer ses efforts sur des problèmes marginaux

Le problème du gagne-pain des résidents est désormais plus essentiel et critique que tout autre problème

Si nous évaluons vos réalisations au centre-ville de Montréal sur les quatre dernières années et l’état lamentable dans lequel il est rendu aujourd’hui, et si nous contemplons la condition économique de ce même centre-ville à l’heure actuelle comparativement à l’effervescence du centre-ville de Québec, il n’est pas difficile de conclure que vous n’avez pris que de mauvaises mesures tout le long de votre mandat

Afin de prendre de telles décisions, il vous fallait consulter la population et gagner son appui avant de procéder! Il fallait également vous assurer que ce que vous alliez entreprendre comme démarches allaient éventuellement produire les résultats escomptés. Je cite comme exemple la diminution du réchauffement climatique; un concept en faveur duquel vous militiez et continuez de le faire avec ferveur

En éliminant des milliers d’espaces de stationnement au centre-ville, en transformant des artères principales en des autoroutes pour cyclistes qui n’en ont pas vraiment besoins, en obstruant des rues pour l’élargissement des trottoirs bien au-delà du nécessaire pour les piétons, en mandatant des travaux interminables par ci et par là, vous avez transformé le centre-ville en un labyrinthe et un cauchemar pour la navigation

Ceci étant dit, la plus grande question qui demeure sans réponse est:        Quels sont les résultats de votre aventure?

Après 4 ans de votre règne, nous constatons :

  • Aucun refroidissement climatique n’a été décelé à Montréal suite à vos agissements. Vous êtes allée chercher midi à quatorze heures; les feux de forêts sont bien plus néfastes à l’environnement que les émanations d’un véhicule. Un seul feu pourrait être équivalent aux émissions de milliers de voitures sur des dizaines d’années.
  • Bien que vous ayez réduit de façon drastique les places de stationnement, les conducteurs obligés d’aller au centre-ville sont forcés à tourner en rond longtemps afin de trouver un stationnement, ce qui forcément contribue à dégager plus d’émissions.
  • Le déplacement en voiture se fait en grande partie par des gens qui travaillent sur la route : les représentants, les entrepreneurs, les ouvriers, les professionnels etc… Pour ces gens, les voitures aident à leurs gagne-pain quotidien et au bien-être de leurs familles. En réduisant leur moyen de déplacement, vous les avez lésés et vous avez contribué à la réduction de leur revenu et même les rendre au bout de la faillite.
  • Vous pourriez être tenue responsable pour d’innombrables fermetures de magasins, de commerces et de restaurants obligés plier bagages suite à vos décisions aléatoires qui ont rendu impossible l’accès à leurs commerces. Bon nombre de ces emplacements existaient depuis des dizaines d’années! Si les lois le permettent, ils devraient pouvoir recourir à des poursuites collectives contre une administration qui les a amenés à la perte de leurs commerces et des centaines de milliers de dollars investi là-dedans.
قياسي

ذكريات من عقد قراني (الجزء الثالث)

من ذكريات عقد قراني (الجزء الثالث)

تقدّمتْ كثيراً علاقتي بميشا وبدأتُ أُكثِّف زياراتي المسائيّة لمنزلهم. كنتُ أجلسُ على الكنبة المقابلة لها من ناحية الزاوية ونتساير بصوتٍ منخفض. لا أعرفُ من أين كنّا نجد كلّ تلك الأحاديث التي تجعلنا لا نملّ من التسامر والسهر. كانت والدتها تعتلي الكنبة الطويلة القريبة من جهاز التلفزيون وتمدّ رجليها عليها لمتابعة المسلسلات المعروضة! لا بدّ أنها كانت تزاولُ مهمة مراقبتنا وذلك كان يستمر حتى ينتهي العرض التلفزيوني فيتمالكها النعاس وتضطر للخلود إلى سريرها!

في بداية زياراتي المسائية لهم كنتُ أصدفُ شاباً أو أكثر يؤدّون زيارة لهم. شبّهتُ هؤلاء آنئذٍ بالذباب الذي ما ان يشتمّ رائحة قطعة حلوى حتى يحوم حولها! لا بدّ أن والدة ميشأ تفاجأتْ بأن البيت أصبح يعجّ بالزوّار بعد أن كان عددهم نادراً فيما مضى! مع الوقت، بدأ عدد هؤلاء يخفّ بعد ان لمسوا ان ميشا لم تكن تبادلهم ابتسامتها الترحيبيّة!

نظراً للقيود الموجودة على المطاعم وقتئذٍ، لم يكن من السهل ارتيادها برفقة فتاة! لذا كنا نفضّل الذهاب بالسيارة لزيارة إحدى أختيها أو منزل أحد الأقارب! من أجمل الذكريات أننا كنا نسلكُ شارع الجسور، والذي كان يحوي على ما لا يقل عن ثلاثة عشر جسراً، ونستمع عبر تسجيل “الكارتريدج” إلى أغنية  “ليلَة ليلَة ليلَة يا ليلَة” مسجلة من حفلٍ لمحمد عبده! كنا في قمة السعادة ونحن نردّد الكلمات مع الأغنية!

واظبَتْ الجارة على إظهار وجهها كلّما رَصَدتْ وجودي في زيارة لميشا. لم تكن تمكثُ أكثر من دقائق معدودة. كلّ همّها هو تعبئة مخزونها بآخر المستجدات، وأدقّ التفاصيل التي تريد ان تعرفها قبل غيرها! وكانت تُنظّم في منزلها من آنٍ لآخر جلسات للعب ورق الشدة وتدعوني لأكون بين المعازيم!

في إحدى الأمسيات، وبينما كنتُ جالسًا بالقرب من ميشا في الصالون، رنّت الجارة جرس الباب. فتحَتْ لها والدة ميشا واستقبلتها. دخلتْ وألقت التحية على الجميع ثم وقفت كالعادة في محيط باب المدخل. أخذت تهْمُزُ بحقّ زوجة ابن عمّي، وتسردُ أخباراً مسيئة لها! قاطعتها قائلاً: “لا أسمحُ لك ان تتكلّمي بهكذا كلام عن سيدة أكنُّ لها كل احترام!” تفاجأتْ بردة فعلي. توقّفتْ عن الكلام. كانت ذراعاها ممدودتين الى الأسفل وهما على شكل رقم ٨. حنتْ رأسها قليلا نحو اليسار ونظرُها متجهٌ نحو الأرض أمامها! وإذ بها تدور بجسمها وتفتح الباب وتخرج دون أن تتلفّظ بكلمة!

مرّت قرابة العشر دقائق كنت ما زلت خلالها متعجّباً مما حدث، وإذ بنا نسمع طرق الباب مجدّداً! فتحت والدة ميشا الباب لتجد الجارة تدفع الدرفة وتدخل وهي تُزمْجرُ وتتوعّد وتحرّكُ ذراعيها على شكل مقص صعوداً ونزولاً محدقةً بعينيها نحوي وتحاول الوصول إليّ للاقتصاص مني وهي تردّد: “كيف تكلمني بهذه الطريقة؟ انت لا تعرفْ من أكون! لم يُخلقْ بعد الذي يكلّمني بهذا الأسلوب! لن أدَعكَ تعود إلى هنا!” وكانت والدة ميشا تحاول إبعادها عني بكل قواها، بينما هي مصرّة على ان تطالني بيديها! لم أحرّك ساكناً، ومضت دقائق والجارة تلعنُ وتشتُم حتى جاء زوجها وساعد بإخراجها!

تعكّرت الأجواء بعد ذاك المساء! شعرتُ بامتعاض تجاه ماحدث! كانت والدة ميشا تربطها صداقة طويلة الأمد بتلك المرأة وتعتبرها بمثابة أخت صغيرة لها!

أما ميشا فكان موقفها صعباً! كانت تريدني ولم يكن بإمكانها معاداة الجارة التي تربطها بوالدتها صداقة كبيرة!

امتنعتُ عن زيارتهم لبعض الوقت وكنت اتحادث مع ميشا بواسطة الهاتف. قررت الذهاب الى لبنان لزيارة والديّ وتمضية أسبوعين او ثلاثة!

وإذ لم تكن والدتي على علم بعلاقتي مع ميشا، وكانت تتهيّأ لتعرّفني على فتاة على ذوقها، غادرتُ الرياض باتجاه لبنان !

ما ان وصلتُ حتى بدأتُ أرافق والدتي بزيارات متنوعة! وبالفعل تعرفت على عدة فتيات!

إلّا ان خبراً سبقني الى الرياض مفاده أني خطبت فتاة من لبنان!

والتتمة في الجزء الرابع…

قياسي

ذكريات من عقد قراني (الجزء الثاني)

ذكريات من عقد قراني (الجزء الثاني)

كنت أعلمُ ان والد ميشا سافر إلى الرياض سنة ١٩٥٢، وذلك قبل سنوات عديدة من ولادتها. آنئذٍ، لم يكن المطار الرسمي قد تمّ إنشاؤه! وكانت الطائرات التي تحطّ على المدرج الترابي تُغرّز عجلاتها أحياناً، ممّا يشلُّ حركتها. وكان يتمّ الاتصال به لسحبها من علقتها بواسطة الشاحنة الرافعة!

لم تكن المكيّفات قد وصلت بعد. وإذ إن الجوّ الحار يسودُ معظم أيام السنة، ويتغيّر من حار إلى حار جداً حسب المواسم، كان السكان يبلّون بالماء الشراشف التي يلتحفونها وذلك كي يتمكّنوا من النوم! وهذا الوضع تغيّر طبعاً في الستّينات!

مساء اليوم التالي للقائي بميشا في شقة ابن عمّي ، قرّرتُ أن أقوم بزيارتهم! كانوا يسكنون في الطابق الثالث من عمارة تمّ بناؤها قبل عقدين أو أكثر في منطقة “الملز”، لونها شاحب كبقيّة الأبنية في تلك المنطقة، وذلك بفعل الطوز ، وهي الرياح التي تحمل معها الرمال، والتي تهبّ  بين حين وآخر، وتُعدمُ الرؤية أمام المتنقّلين!

وإذ صدفَ ذلك خلال الأسبوع الثالث من شهر كانون الثاني (يناير)، والحرارة في الرياض تنخفض خلال الليل، ارتديتُ فوق ثيابي معطفاً بيجيّاً خفيفاً من نوع الترنشكوت، ووضعتُ على رأسي قبّعةً مبلطحة من الجوخ لونها بيجيّ أيضًا! خلتُ أن من ينظر إلى مظهري يظن أني محقّقٌ في مفرزة المباحث!

ما ان بدأت أصعد سلّم الدرج المكسو ببلاط الموزاييك القديم حتى سمعت صوتَ امرأتين تتحدثان بصوت عالٍ في أعلى السلّم، ثم انقطعتْ الأصوات وسمعتُ طبْشَ بابين. عرفتُ فيما بعد أن والدة ميشا كانت تمدّ حديثاً مع جارتها التي تسكن بالمقابل والتي ما أن لمحتني في أسفل الدرج، حتى سألتْ: من هو ذا القادم؟ أجابتها: “هذا بشير القزّي وقد أتى من أجل ميشا!” وقتئذٍ دخلتْ كلّ منهما الى منزلها مغلقةً وراءها باب شقّتها.

ما ان قرعتُ الباب حتى فتحتْه والدةُ ميشا واستقبلتني ودعتني للدخول. سلّمتُ على والد ميشا الذي كان يجلس على الركن الأيمن من الصالون وكان يبدو عليه الإرهاق بعد أن أمضى نهاره في العمل. جلستُ على الكنبة التي تقع على الجانب الأيسر من باب المدخل، بالقرب من جهاز التلفزة الذي يركنُ في الزاوية. نظرتُ الى فرش الصالون الذي يشبه بتفصيله ما نسمّيه بالمجلس العربي، وبدا اللونُ الأخضر غالباً على بقية الألوان التي يتألف منها القماش. ما هي إلّا دقائق حتى دخلت ميشا وسلّمتْ عليّ باليد ووجهُها تزيّنهُ تلك الابتسامة “القاتلة”… بعد ان جلستْ من الناحية الثانية من التلفزيون أخذنا نتحدّث. قليلة الكلام، إلّا ان الأنوثة كانت تفيض من عينيها!

ما مرّت دقائق حتى رنّ جرسُ الباب.  فتحته والدة ميشا فدخلتْ الجارة التي تحدّثتُ عنها. يبدو أنها أخذتْ بعض الوقت لترتيب هندامها وتسريح شعرها الأشقر ووضع أحمر الشفاه. وقفتْ في وسط الباب ورمتني بابتسامة تحيّة! وإذ وقفتُ احتراماً لها وجدْتُها تتفحّصني بعينيها الكبيرتين من أعلى رأسي إلى أسفلِ حذائي. ثم توجهتْ إليّ بالقول: “أنا جورجيت، جارِتُنْ من ١٢ سنة!” دخلتْ نحو المطبخ لتكلّم والدة ميشا ثمّ غادَرَتْ على عجل بعد أن تزوّدَتْ بما يُرضي تَطَفّلها! 

أمضيتُ السهرة هناك وأعدْتُ الكرّة بعد يومين، ثمّ أخذتُ أكلّم ميشا على رقم هاتفِ مركز عملها وبدأتْ زياراتي تتقاربُ بالوتيرة!

دعوتها للعشاء لأوّل مرّة. وافقتْ على ما اقترحتُه. مررت في الموعد المحدّد لأخذها من بيت والديها. كان والدها في الصالون. كان عليّ أن استأذنه باصطحاب ميشا الى العشاء، وسألني عن المكان الذي نقصده والساعة التي سأعيدها إلى المنزل!

دخلتْ ميشا إلى الصالون ببهائها المميّز: من شعرها الكستنائيّ الذي تَظهرُ ثنياتُه المتناسقة، وإشراقةُ وجهها الذي تزيّنه تلك الابتسامة الفريدة… إلّا أن ما فاق كل شيء، كان ذاك الفستان الأحمر الوردي والذي كان يلبسُ جسمها! قصير الأكمام ، ما ان يضيقَ عند الخصر، حتى يتّسع تدريجياً ليصل إلى تحت الركبتين، وطيّاتُ القماش تزيد من رونقه. أما الحذاء ذو الكعب المتوسط فكان أحمر أيضاً! للحقيقة، بدا عليها الفستان أجمل مما بدا الثوب الأحمر الشهير الذي ارتدته الممثّلة “جوليا روبرتس” في فيلم “بريتي وومن” والذي صدر بعد عشر سنوات من تلك الليلة!

قصدنا فندق ماريوت خريص حيث تناولنا العشاء، ولا أنسى صحن المقبلات الذي يحوي نصف حبة أفوكادو مع القريدس والصلصة الخاصة بها. أما الطبق الرئيسي فكان من الستيك والخضار.

بعد تلك السهرة تقدمتْ علاقتنا كثيراً إلى أن حدث شائب عكّر صفاءها! سأترك التكملة الى مقالٍ آخر…

قياسي