والدي وتجربة الطبّ العربي

والدي وتجربة الطبّ العربي

كنتُ قد بلغتُ سنّ الثانية عشرة من العمر عندما تلقّى والداي عرضاً لبيع المزرعة التي كنا نملكها مع المنزل المرفق بها، والذي كان قد تمّ بناؤه على دفعات قبل سنوات معدودة. كانت الأرض تقعُ على أول طريق شحيم القديمة على هضبة تبعدُ نحواً من مئتي متر عن طريق صيدا البحري القديم. وإذ كان والدي قد استدان مبلغاً لتسديد قيمة نصف الأرض ممّن قام بشراء تلك الحصّة من الشريك القديم، وجَدَ نفسهُ يئِنُّ تحت وطأة الفائدة المرتفعة التي كان عليه تسديدها!

كانت الصفقة تنصُّ على تنازل الوالدين عن الأرض الزراعيّة ومزرعة الدواجن والبيت، مقابل الحصول على بناية سكنيّة من سبعة طوابق في بيروت مؤجّرة بالكامل، والحصول على مبلغ من المال يقوم الشاري بتسديده خلال سنة من الزمن.

أخلينا المنزل من أثاثه والذي لم يكن باهظ الثمن.  قمنا باستئجار منزلٍ، في نفس قرية وادي الزّينة، يقعُ على مرتفعٍ يطلُّ على طريق صيدا البحرية. كنّا نوقف السيارة على الجانب الأيسر من بيت ابن عمّتي جوزيف ثمّ نمشي بجوار الجانب الأيمن من بيت ابن عمتي خليل ونواظب المشي حتى نصل الى ذاك المنزل! خلال تلك السنة، أمضينا في ذاك البيت كلّ عطلات نهاية الأسابيع ومن ثمّ لازمناه طوال فترة فصل الصيف!

في المسكن الجديد، أصبحنا كغيرنا من السكان، نشتري الكثير من المواد الغذائية، تلك التي تعوّدنا في السابق أن نقطفها عن “أمها” من البساتين، كالخضار المختلفة والفاكهة على أنواعها وحتى أضحينا نشتري من المحال بيض الدجاج الذي كان متوفّراً في مزرعة الدواجن!

لم يمضِ وقتٌ طويل من مكوثنا في الموقع الجديد حتى شعرَ والدي بألمٍ شديد انتاب ركبتَه اليمنى. لجأ الى استعمال المسكّنات المتداولة، إلّا ان أياً منها لم يُعطِ أيّة نتيجة ملموسة!

وإذ كان الصديق الدكتور قزّي قد عاد إلى البلاد بعد دورة تخصّص بالجراحة في الولايات المتحدة، قصَدَهُ والدي في عيادته في مستشفى رزق. بعد الكشف، استخلص الطبيب ان سبب الألم قد يعود الى تمزّقٍ في غضروف الركبة، وهذا ما يصيب عادةً الرياضيين المتمرّسين، وبالأخص لاعبي كرة القدم. وذلك يتطلّب عمليّة جراحية صعبة، وقد تستغرق فترةُ النقاهة بعد إجرائها عدة أشهر، بالإضافة إلى ان نسبة نجاح العملية ليست مضمونة مائة في المائة!

عاد والدي إلى البيت وهو مستاءٌ من التشخيص الطبّي. لا يذكرُ أنه مارس رياضةً أو عملًا ما يؤدّي أيٌّ منهما إلى الإضرار بغضروف ركبتهِ!

لم يستَسغ فكرة إجراء العملية! فضّل أن يعضَّ على الجرح وينقطع لفترة قد تطول عن وظيفته ويلزم الفراش ويتحمّل الآلام!

أنَّ كثيراً من وجعِهِ ولم تكن الأدوية المسكّنة تفي بغرضها وكان يستعين بعصا خشبيّة سوداء تمّ استحضارها له للتنقل عند الضرورة.

انتشر الخبرُ بين الأقارب والمحبيّن الذين توافدوا زرافاتٍ ووحداناً من المناطق المجاورة للاطمئنان عنه. كانوا يجلسون على كراسىٍ خيزرانيّة بالقرب منه، وكان توافدهم غير مرتبطٍ بأية ساعة من النهار! أمّا التدخين، بحضور المريض وبالقرب منه، فكان أمرًا مألوفاً وعادةً سائدة لدى الجميع!

أمّا الوالد فكان مستلقياً على السرير الحديديّ البنّيّ اللون بلوحتيه الخلفيّة والأمامية ويرفع رأسه بواسطة وسادة سميكة، ويغطّي جسمه بحرامٍ قطني أبيص له شراشيب بيضاء ناعمة منسّقة تدلّ على أنه من صنع بلدة برجا! وكان يُصغي الى محادثات الزوّار واقتراحاتهم ووصفاتهم التي تتعلق معظمها بعلاجات مستمدّة من الطب القديم وكنا نسمّيه الطب العربي، والذي كان الكيُّ آخر علاجاته!

لا أريد أن أعيدَ للذكرى تلك العلاجات، إلّا أنّي لا أنسى وصفة “كاسات الهوا” وذاك الذي تم استقدامه لتطبيقها إذ طلب عدة كؤوس من النوع الذي يُستعل لشرب العرق. أخذَ يقتطع بيده قسمًا من صفحة جريدة ويضرم النار في الورقة داخل الكأس ثمّ يطبّ رأس الكأس على منطقة قريبة من الركبة فينشرقُ الجلدُ نحو داخل الكأس بسبب تقلّص الهواء داخله بفعل الاشتعال! وبعد أن كرّر التجربة عدة مرّات قال أنه فرغ من تطبيق العلاج. إلّا ان النتيجة كانت فاشلة وازداد الألم بدل ان ينحسر!

بعد أشهر من الأوجاع زارنا ذات يوم أبو نقولا، وهو ابن عم الوالد. كان بدين الجثة، أصلع الرأس، تخرجُ من أذنيه شعيرات أكثر غزارة مما بقي على مجمل رأسه. توجه نحو والدي بالحديث قائلاً: “يا ابن العم ، أبو الياس من الرميلة، أُصيب بألم في الرأس، منعَ عنه النوم لفترة أشهر. لم تنفعه العلاجات والأدوية التي وصفها الأطباء. وإذ ازدادت معاناته ، قرّر في أحد الأيام خلعَ أضراسه بمجملها. بعد ان فعل ذلك اختفى وجعه.”

أجابه والدي: “نعم!”

استطرد أبو نقولا بالقول: “أما أبو أنطون من الجيّة، فقد لازمه ألمٌ شديد في ظهره لم يتركه لأكثر من سنة! لم يستفدْ من كلّ المداخلات الطبّية! في النهاية اقتلع أضراسه وارتاح!”

علّقَ والدي متسائلاً: “نعم؟ ماذا تقصد؟”

قال أبو نقولا وهو يهزّ برأسه البرّاق: “ما رأيكَ يا ابن العم، ان تُجرّبَ اقتلاع اسنانكَ. شو بتخسر؟ يمكن يحل عنك الوجع؟”

بعد ذلك، توافق بعض الزوّار من الأقارب على ان يُجرّب والدي علاج “الخرام”. والذي لا يعرفُ ما هو هذا العلاج، سأفسّر: هو العلاج بوخز الأُبر، إنما على الطريقة “الضيعجيّة!”

حضرت صباح أحد الأيام ام عبدالله من بلدة كترمايا. كانت ستينيّة العمر، ويظهر شعرها الشائب من تحت المنديل الأبيض الذي ربطته فيه. أما جسمها فكان ممتلئاً يُظهر كرشاً يتخفّى تحت فستان قماشه كحلي مرقّط بأشكال أزهار بيضاء صغيرة، ويُغطّيها حتى كاحليها.

طلبتْ من والدتي إحضار دبابيس خياطة وكبريتة. أجلست والدي على كرسي خيزراني وطلبت منه رفع قدم البيجاما الى ما فوق الركبة. تمعّنت جيداً بشكل الركبة ولامست بعض تفاصيلها بيديها. ثم أشعلت عود كبريت واستعملته لتطهير رأس إحدى الأبر. ثمّ عاودت الكرّة مع ابرتين أخريين.

رفعت يدها اليمنى ممسكة بأحد الدبابيس، ثم حدّقت بعينيها ورصدت موقعاً، وانقضّت بكامل قوّتها غارسة الأبرة في لحم الركبة. صرخ والدي من الألم بصوت لا أزال أذكر صداه! تعجّبتْ وقالت لوالدي: “كيف انوجعت؟ يجب ان لا تتألم!”

أصرّت على إعادة التجربة! إلّا أن المرة الثانية كانت أكثر إيلاماً من الأولى! عندئذٍ أوقفها والدي وآثر على ان يتحمّل آلاماً يعرفها على أن يغامر بمعالجات تزيدُ من معاناته!

بقي والدي على حاله لعدة أشهر الى ان بدأ يتعافى من دون أي علاج وشُفيَ من وجعه…

قياسي

هل التخاطر حقيقة أم خيال؟

هل التخاطر حقيقة أم خيال؟

 

كنتُ على عتبة بلوغ سنّ الخامسة من عمري عندما أوفَدَتْ وزارةُ الماليّة والدي إلى باريس للتخصّص في أمورِ الضرائب غير المباشرة. وإذ كان عليه أن يُمضيَ فترة ستة أشهر في مدينة الأنوار، أوصى على كاميرة تصوير جديدة من ماركة “أچفا”، ألمانية الصنع وقد طلبها لدى أحد أصدقائه الذي كان يملكُ محل “فوتو قزي” لبيع أجهزة التصوير في منطقة البرج، مقابل حلويات حدّاد التي كانت مشهورة بالكنافة، ذاك المحل الذي كان مزروعاً بين المحلّات المتواجدة على الأرض التي بُنيَ عليها فيما بعد مسجد محمد الأمين بجانب كنيسة مار جرجس، على شارع الأمير بشير. إلّا ان الكاميرا لم تصل إلّا بعد مغادرة والدي ممّا جعلنا نرسلها له فيما بعد!

أما بالنسبة لتنقّله في باريس، فقد ارتأى ان يدفع عربونًا على سيارة يختارها في بيروت، ويقوم باستلامها في فرنسا، البلد المُصنّع. وهكذا انتقى سيارة “سيمكا، موديل آروند” رصاصيّة اللون، قام بعد انتهاء مهمّته بشحنها إلى لبنان!

أذكر أني رافقت أفراد العائلة لوداعه على المطار. وكان من الممكن الاقتراب من سلّم الطائرة لمعانقة المسافر قبل ان يصعد للمغادرة.  أما الطائرات فكانت ما تزال مروحيّة الدفع وذلك قبل انتشار المحركات النفّاثة!

ما أن وصل والدي ألى باريس حتى بدأ يكتب رسائل لوالدتي. كانت طبعاً بخط يده المميّز والمنسّق، مكتوبة بالحبر الأزرق على ورق ناعم مائل إلى الزراق ، مرسلة ضمن مغلّفات مخصّصة للنقل الجوي ، والتي تتميّز بالإطار الملوّن بخطوط مائلة عريضة تتناوب بين اللون الكحلي واللون الأحمر. وكانت الوالدة تقرأ بصوتٍ عالٍ على مسمعي تلك الرسائل التي كاد يوازي عددها عدد الأيام التي أمضاها الوالد في رحلته. وبعد القراءة كانت تضمّها إلى جانب غيرها في الدرج الأعلى لخزانتها في الغرفة، وتُرتّبها فوق بعضها برزمات متناسقة، وتحيطُ كلّ مجموعة بشريط قُماشي تعقدُ طرفيه بربطة على شكل فراشة!

وإذ كنت أؤُمُّ مدرسة البطريركية في غرب بيروت، ينقلني كل يوم إليها ومنها أوتوكار المدرسة ، استفقت ذات صباح وقد ألمّت بي وعكة صحيّة مع ارتفاع بالحرارة. أعطتني الوالدة حبّة “أسبرو” ولازمتُ الفراش وأخذتْ تُلبّخُ على رأسي قطعة قماشٍ بيضاء تبلّها بين حين وآخر في كاسة بالقرب مني تحوي ماءً بارداً ممزوجاً بالخل!

مع ارتفاع درجة حرارة جسمي وظهور معاناتي من المرض، قرّرت والدتي أن أنتقل للنوم في غرفتها، وأحتلّ سرير الوالد البعيد عن باب الشرفة. على الرغم من سعة الغرة ، كان أثاث الموبيليا يكاد يحتل معظم أرجائها. فكلّ من السريرين كان مزدوج الاتساع، تخْتُ الوالدة ملتصقٌ بالحائط الخارجي الذي يحوي الباب الذي يطل على الشرفة، بينما تختُ الوالد يبعد عنه القدر الذي تأخذه منضدة “الكومودينا”، بينما من الناحية الثانية تفصله مسافة صغيرة عن خزانة الماكياج التي تعلوها مرآة كبيرة وتزيّنها حناجير الكولونيا المنوعة، ولا أنسى الساعة التي كانت عليها والمغطاة بقبّة زجاجية مرتفعة تُظهر معالمَها الداخلية المذهّبة، والأجهزة المحرّكة لها، كما القطعة السفليّة من الساعة والتي كانت تدور حول نفسها بشكلٍ منتظم ، مرّة نحو الشمال ومرّة نحو اليمين! أما الحائط المواجه للسريرين، فكانت تكاد تحتلّه خزانة الموبيليا الخشبيّة، ولا تترك مجالاً إلّا لمسافة صغيرة من ناحية الشرفة لعامود تعليق ملابس النوم، وفسحة ثانية بالمقابل، وراء باب مدخل الغرفة، لكرسي خيزراني يجلس عليه والدي لفكِّ أو ربط حذاءه!

نظراً لمرضي، لم أكن كثير الارتياح في السرير، وأخذتْ درجةُ الحرارة ترتفع ولم تعد تنفع حبات الأسبرو أو الضمّاضات الباردة. لم أعد أقوى على الحركة بشكل عادي وبدأت أتضايق من النور الآتي من زجاج الباب.

اتصلت والدتي بالدكتور زهار، وهو صديق للوالد، وطلبت منه الحضور للكشف عليّ بأسرع وقت. لم تردْ إعلام والدي بخبر مرضي، لذا تلكّأتْ عن مراسلته!

حضر الطبيب وكان يحمل حقيبةً جلديةً بنّيّة اللّون، منتفخة، تتّسع لأدوات الكشف كافة. كان معتدلَ القامة، أبيضَ السُّحنة، ممتلئ الجسم، بدأ يخفّ شعره في وسطه الأعلى،  لذا كان يترك العنان لشعرِ جانبِ رأسه ليسرّحه من اليمين إلى اليسار كي يُغطّي بعضاً ممّا كَحُلَ نموّه في القمّة!

بعد إجراء الكشف عليّ، تم التشخيص! وهنا كانت المفاجاة الغير منتظرة: مصاب بمرض التيفوئيد! وصفَ لي دواءً أذكرُ منظره جيداً: حبات مستديرة لونها مائل الى البني!

مكثَ الدواءُ بجانبي أياماً ولم أتناوله، وكنت أرى حباته من خلال زجاج الحنجور. لم ترتحْ والدتي لتجرّعي لهكذا دواء.

بعد أيامٍ معدودة من التشخيص، استفقت في أحد الأيام وقد ظهر طفحٌ على جلد جسمي، ويكاد لا توجد بقعة إلّا واعترتها البقع الحمراء! وتمّ الاستنتاج أني أُصبتُ بالحصبة وليس بالتيفوئيد!

أخذ الزوّار المتوافدون من الأقارب يهزأون بتحليل الطبيب، حتى أن أحدهم أحضر لي قضيب خيزران لألقّنَ الطبيب درساً لن ينساه! ولدى حضوره، ولصغر تفكيري في ذاك الوقت ، ضربتُ بالخيزرانة على السرير مهدّداً إياه… ثمّ سمعتُ أمّي تنهرني عمّا أفعله !

لدى شفائي من الحصبة، كتبتْ والدتي رسالة تُعلمُ فيها والدي بما حدث لي وبالتاريخ الذي مرضتُ فيه! لدى استلامها ، صُعق الوالدُ بالخبر! لم ينسَ انه بالتاريخ عينه، أفاق من سباته بفعل كابوس، إذ تهيّأ له أنّه رآني نائماً في سريره وقد تفشّتْ بقعّ حمراء على جسمي، فقال لوالدتي: “يا جانيت! الهيئة الصبي محصّب!” غداة ذاك اليوم، قصدَ صديقَه د. عطيّة، والذي كان يتخصص في باريس. عندما أخبره بما رآه في المنام، طمأنه الصديق قائلاً: “لا ينشغل فكرك! هذا كابوس! أنت متعلّق بعائلتك أكثر من اللزوم!”

أما لما قصدهُ للمرة الثانية وأعطاه الرسالة ليقرأها، فوجئ بالدموع تنهمر من عيني الصديق الذي كاد لا يُصدّق ما يقرأه!

وبالختام، ومع أني أُقرُّ بأني لا أؤمن بالتخاطر، إلّا أنّه لا يوجد لدي البرهان القاطع على استحالته! ولا بدّ من التذكير أننا منذ قرابة الأربعة عقود، كنا لا نصدّق أن إنساناً ما بإمكانه ان يتواصل مع شخص آخر موجود في بقعة بعيدة عنه! فهل الموجات التي تتواصل بواسطتها الأجهزة الخليوية هي حكرٌ على هذه الأجهزه ولا يوجد ما يماثلها للتواصل بين البشر؟

قياسي

وداعاً يا بلدي…

وداعاً يا بلدي…

مجدداً أستودعك الله يا بلدي…

هذه ليست المرة الأولى التي أُودِّعكَ فيها! ليس بإمكاني تِعدادُ المناسبات التي جَعلْتَني فيها أُجدّدُ يأْسي بكَ وأفقُدُ أملي بعودتك إلى حياةٍ طبيعية!

إلّا أنّي في هذه المرة، أودّعكَ عن بعد، حيث تفصلُ بيني وبينك المحيطات!

لم يعُد يعني لي شيئًا ترابُكَ الخصب وخضارُك الساطع وهواؤك النقي وسماؤُكَ الزرقاء وجبالُك الشامخة وبحرُكَ المائج وحتى أرْزُكَ الخالد! لم يتبقّ من خلودكَ إلّا ما تردّد عل أُذُننا منذ صِغَرِنا عن ذكرِكَ في الكتب المقدّسة! كنّا لدى سماعنا اسمكَ ننْتشي من رائحة البخّور التي نخالُها تنبعثُ في الهواء!

لا نذكرُ خيراً من ماضينا إلّا الحب الذي خصّصناكَ به، بلا حدود، والذي جعلَنا نراهنُ عليك، مرّاتٍ متعددة، وها نحن قد فقدنا الرهان مجدّداً!

ها انّ ما تبقّى لنا من العمرِ أقلّ بكثيرٍ مما مضى، وشارفنا على مغادرة دنيانا والأملُ الذي عِشنا له أصبح سراباً، ومنالاً لا يُدركْ!

حتى العنزة هجرتْ مرقَدها فيك!

سأُزيلُ من قلبي ذاكَ الوطن الذي أحببت، وأترُكه حلبة لصراعِ ديوكٍ تتنازعُ على سُلطانها!

في الغابِ تفترس الذئاب قطعان الغنم والغزلان وذلك حتى تشبع، إلّا في بلادنا فلم يبق للأكلِ إلّا ما لا يؤكل!

كثرةٌ في الأديان وقِلّةٌ في الإيمان!

أخالُ الخالقَ قد غسلَ يديه من أمرنا، وترك المرضَ يستشري في جسمنا، ولْيمُتْ من لا يستطيع مقاومة سرطان جسده!

لم يعد يُهمّني أن انتمي الى بلاد لا خير فيها! 

وطني ليس في الأرض التي استشهدَ كثيرون من أجل حمايتها، وظلّت مسرحًا للتقاتل!

وطني هو أنتم، الخيّرون والطيبون من أهل بلادي، والذين لم يُوسّخوا أيديهم بقتال لا ينتهي، والذين أبوا ان ينجرفوا في تيارات الشرّ والعنف!

أنتم، أينما أجدكم، يا أيها الطيبون، سأبقى ولياً لكم، وسأجد فيكم الوطن الذي سيبقى شُعلةً لا تنطفئ في قلبي!

قياسي

تأمّلات…

تأمّلات…

عَجَبي ممّن يمضي أيّامهُ وهو يُنفق من أموالٍ لم يُحصّلْها بعد،

وممّن يُغادر دنياه بعد أن شقيَ عمراً التذَّ فيه بجمعِ ثرواتٍ يُخلّفها لغيره بعد أن حرم نفسه من التنعّم بها،

ومن دفعه الشغَف المتزايد إلى الاستيلاء على أرزاق غيره إلى حدٍّ لا تستطيع أمعاؤه استيعابها،

أو من يغزو أملاكَ سِواه ويقتل من تواجد عليها، ويسبي النساء معلّلاً ذلك بأمرٍ من عند خالقه،

أو من يزهق أرواح الناس والعائلات، عبر شاشات المراقبة عن بُعد، الموصولة بكاميرات مركّزة فوق الأسلحة المتطورة الحديثة، ويضغط على زر إطلاق صاروخ مدمّر يقضي على كلّ من تواجد لدى اصتدامه، كلّ ذلك وكأنه يلهو بممارسة لعبةٍ على الكمبيوتر،

وإلى ما هنالك من تناقضات أوجدتْها الأنظمةُ الجديدة والتي حلّلت للأسماك الكبيرة أن تبتلع الصغيرة منها إلى ما بعد حدودِ طاقة امعائها…

ألا نعتبِرُ من تاريخ الذين سبقونا؟

كلّهم ماتوا!…

نعم، كلّهم ماتوا! كلّ الذين تغطرسوا وبطشوا وغزوا أوطانَ سواهم، وعاثوا فساداً على وجه الأرض، وقتلوا وسرقوا ونهبوا! كلّ الأباطرة والسلاطين والملوك والأمراء والديكتاتوريين والمتسلطين والحكّام من أيّة مرتبة كانوا، كما كلّ جيوشهم وضباطهم وممثليهم… كلّهم ذهبوا إلى غير عودة، ولم يأخذ أيٌّ منهم مقدار أُنملة في رحلته الأخيرة… كلّ ما جمعوه من خيرات هذه الدنيا في حياتهم بقي عليها بعد مغادرتهم!

وأما الذين خافوا ربّهم ولم يتمكّنوا من الدفاع عن أنفسهم أو أرزاقهم أو أوطانهم فقد قضى الكثير منهم نحبه قبل أوانه، ولم يتمكّن أيّ منهم، لدى مغادرته، أن يحملَ معه حتى خِفَّيه!

لا، لم أفهم سرّ هذا التقاتل على احتراز ما لن نملكه إلّا لِزمنٍ قصير، ولا نعلم وقتَ الرحلة الأخيرة إلّا عند قدومها غير معلنةٍ عن نفسها!

قياسي

تمنياتي لكم بمناسبة عيد الفطر لهذه السنة

 عيد الفطر لهذه السنة

(٢٠٢١)

 أتمنّى لكم بحلول هذا العيد

أن يغمرَ الله بالفرحة قلبَ القريبِ والبعيد

ويشفى من مرضه كلّ من أصابته علّة

لتعودَ لوجهه النضارة والمسرّة

ويلقى كلُّ من عنَّفَهّ الدهرُ مرقداً لجسمه

ويأوي تحت سقفٍ يمنع المطرَ عن رأسِه

ويرزقهُ لقمة عيشٍ تسدُّ جوعَهُ

وجرعة ماء تُبلّل ريقه وتروي ظمأهُ

ويبعدَ عنه غدرَ الأشرار والأجناء 

ويحميه وأهله من فتكِ أيّ وباء 

كلّ عام وأنتم بخير

بشير القزّي 

١٢ أيار ٢٠٢١

قياسي

هل وُجدَ التعليم عن بعد ليبقى؟

هل وُجدَ التعليمُ عن بعد ليبقى؟

في هذا الزمنِ الذي حلّ علينا منذ ما زادَ عن السنة، أقفلت المدارس والجامعات ، عداك عن الدوائر الرسمية والمطاعم والملاهي وصالات العبادة أو حتى صالات التسلية والاحتفالات، وغير ذلك من الأعمال التي تستدعي التقاء شخصٍ بآخر لا يُشاركه نفس المسكن… كلُّ ذلك بفعل جائحةٍ أوبأتْ أقطار العالم كافة، ولم تُوفّر من شرّها إلّا من التزم بشروط الحيطة، واعتكف خلف جدران لا يستقبلُ ضمنها أيّ زائرٍحتى لو كان أقرب جيرانه! حتى الأولاد توقّفوا عن اللعب مع أترابهم في نفس الحيّ!

ومن نتائج هذا الانعزال، انتشرت محاولات التواصل عن بُعْد عبر المنصات الإلكترونية، والتي كان استعمالها محدوداً خلال السنوات التي سبقت أيام الجائحة. وتبِعَ ذلك انتشار التعليم بتلك الوسائل، والاعتقاد السائد أنها مرحلة ستمضي لدى الانتهاء من خطر الوباء… فهل هذا صحيح؟

قبل التطرّق الى صلب الموضوع أودُّ إعلام من يقرأ مقالي هذا أنّي من جيلٍ مخضرم، وبات الكلام عن الفترة التي عشتها في صغري يبدو وكأنني أتحدّث عن القرون الوسطى! في الصفوف الابتدائية، ولدى مراودتي مدرسة “اللسّيه الفرنسي”، كان الطلاب يرتدون زياً خاصاً، فوق ملابسهم، وهو عبارة عن مريول قطني من قماش بلون بيج، يتم إقفاله بواسطة زرٍّ كبير من الناحية اليمنى من العنق، بينما يتدلّى القماش حول الجسم ليصل الى ما يلامس الركبتين! لم تكن تبدو على أحد الحالة الاجتماعية التي تنتمي إليها عائلته ولا دلالة على غنى تلك العائلة أو محدوديّة دخلها! كلّ طالب كان يستحضر معه يومياً “مطبقية” معدنية من نوع الألومنيوم تحتوي على طبقات يجمعها مقبض علوي لحملها. وكانت كل طبقة تحوي نوعاً مختلفاً من الطعام ، كطبقة للأرز، وطبقة لليخنة وطبقة للشوربة وغير ذلك. وكان يتم تسخين الوجبة في فترة الغذاء، وقد يتقاسم الأخوة مأكولات مطبقية واحدة! وإذ كنت، كغيري، أستقلّ باص المدرسة (الأوتوكار) في الصباح من أمام منزلي، لأعود على متنه في المساء، كان دوارٌ يركبُ رأسي خلال كلّ رحلة من طول الوقت الذي كنت أمضيه في الذهاب والإياب! ولدى توقّف الباص وإقلاعه، لا يغيب عن مخيلتي تدحرج مطبقية أو أكثر، يسيل منها المرق ليُبلّل أرض الباص المعدنية!

أمّا في الصف، فكان كلّ طالبين يتقاسمان طاولة خشبيّة مرتبطة بمقعد طويل، القسم الأكبر من الطاولة منحنٍ نحوالطالبين اللذين يجلسان جنباً الى جنب، بينما تمّ تركيز محبرة من البورسلين ضمن ثقب في الخشب على القسم الأعلى الأيمن لكلّ طالب. ولم تكن الكتابة مسموحة بالاقلام الحبريّة، أو حتى أقلام “البيك”! لذا كنا نستعمل الريشة التي نثبتها بالحامل الخشبي الرفيع، ونغطّ رأسها بالحبر الذي كان لونه أزرق مائل الى الليلكي! أما رؤوس الرِّيَش، فأذكر أننا كنا نستعملها حسب تسمياتها: “ملّا” أو “خطّاط” للعربية، و”غولواز” أو “فرنسيز” للأجنبية!

وكنا ما أن نُنْهي كتابة صفحة، حتى نستعمل الورق النشّاف كي يغبّ فائض الحبر!

أمّا في أيامنا هذه فيجفُّ حبرُ الأقلام من قلّة الاستعمال، كون جلّ ما نكتبه ننقرُ نصَّهُ  مباشرةً على الهواتف الخليوية أو الألواح الإلكترونية أو أجهزة الكمبيوتر، دون الحاجة الى الكتابة اليدوية على الأوراق التقليدية! وإذ لا يوجد لديّ الجوابُ القاطع حول مسألة عودة التعليم إلى ما كان عليه قبل الجائحة، لا بدّ من استعراض بعض الأمور:

       مدرسة تحت السنديانة القديمة:

  • إنشاء هكذا مدرسة قليل التكلفة.
  • كان المعلّم يتقاضى أجره ممّا يتكرّم به أولياء أمور تلامذته من البَيْض والعدس والحمّص وغير ذلك من المؤن.
  • عدد التلاميذ محدود ولا مجال لاستيعاب المزيد من الطلاب.
  • عناء السفر على الأقدام وصعوبة المبات ليلًا لبعض التلاميذ.
  • محدودية مستوى التعليم وعدم إمكانية التوصل الى تعليم عالٍ.

المدرسة التقليدية:

  • تتطلب ميزانيّة كبيرة لإنشائها، كما يتطلب تنفيذها وقتًا طويلًا.
  • كلفة عالية لإعداد المعلمين ودفع رواتبهم.
  • يجب ان تكون المدرسة ضمن منظومة سياسية تعنى بالبرامج والمناهج والتكلفة.
  • بعد امتلاء المدرسة بالتلاميذ، لا مجال لإضافة مقاعد على أي صف، أو تكبير المدرسة إلّا بعد الحصول على الأموال الطائلة اللازمة!
  • على كل تلميذ ان ينتظر أنه قد يخسر ثلاث ساعات يوميًا للذهاب والإياب وفرصة الغذاء وفترات الراحة.
  • لا يمكن للتلميذ أن يختار المدرّس الأفضل لتلقينه الدروس!
  • لا توجد ضمانة من حيث الحصول على النتائج المرجوة.
  • تفاعلٌ بين التلميذ واترابه قد يساعده ضمن نشأته.
  • ابتعاد الأهل عن دورهم الأبويّ في تنشئة الطالب.
  • تعرض التلميذ لتأثيرات قد تكون سلبية من قبل رفاقه، وكلّ ذلك يحدث بعيداً عن العين الساهرة.

التعليم عن بعد:

  • بداية التعليم عن بعد بدأت بالحصول على الشهادات ضمن برامج بالمراسلة!
  • التعليم بواسطة المنصات الإلكترونية ساعد بما يلي:
    • سمح بتلقين الدروس على الرغم من انتشار الوباء.
    • ألغى الزمن اللازم للانتقال الى المدرسة والعودة منها.
    • كلفة تأمين باصات انعدمت.
    • إمكانية إضافة مقاعد دراسية دون تكلفة عالية.
    • لا حاجة لإضافة مبانٍ جديدة!
    • أصبح بإمكان الوالدين مراقبة أبنائهم خلال تحصيلهم العلمي، وعودة لبعض ما افتقده الأهل في معرفة خصوصيات أولادهم كما كان يحصل خلف جدران المدرسة.
    • من الواجب إعداد المعلمين بطرق جديدة لتلقين الدروس لتلاميذهم!

وبالنهايه يجب ان نتساءل:

  • هل كلّ من تابع علمه في المدرسة التقليدية وصل إلى مبتغاه؟
  • هل نرفض التعليم عن بعد قبل ان نتمكن من معرفة محاسنه؟
  • هل ثبت ان الذي يتعلم عن بعد سيفشل في حياته العملية؟
  • هل الكلفة المادية ليس لها دور في تعليم المزيد من التلاميذ ؟ وخصوصاً في المناطق النائية ؟

واسمحوا لي في الختام ان أردّد الآية الكريمة: “وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خيرٌ لكم…”

قياسي

تساؤلات…

لدى بدئي بكتابة مقالي هذا، وردَ في ذهني تساؤلٌ جعلني أتردّد في تدوين ما عقدتُ العزم عليه، مع أن الموضوع يشغلُ فكري منذ فترة! كيف بجاهلٍ مثلي، لا يَفقهُ من أمور الدنيا إلّا بالأقلّ من القليل، أن يتجرّأ إلى مواضيع تطرَّقَ لمعالجتها رجالٌ كبار، أقلّهم يُعدُّ من أعظم العلماء والفلاسفة الذين مروا قبلنا عبر التاريخ ؟ 

أخذتُ أتأمّلُ تلك النملة الصغيرة التي تتنقّلُ أمامي ببطءٍ على الأرض، وخلتُها تنظرُ إليّ وتقول: “ما هذا العملاق الذي يقفُ أمامي؟ لا بُدّ أنه دهس المئات من مثيلاتي تحت رجليه وهو يخطو، دون أن ينتبه، لصغرِ جسمنا مقارنةً مع حجمه الضخم وثقلِ جسمه!” ورمَقَتْ بعينها المبنى الكبير الذي كنت متواجداً أمامه وحاوَلتْ تقدير نسبة ضخامته بالنسبة لجسمي، وقدَّرتْ أن حجمي صغيرٌجداً بالنسبة له، إلّا أنه لم يكن بمقدورها رؤية الجبل المتعالي فوق الأفقِ خلفنا والذي لا نستطيع أن نقارن حجمه بكَمِّن ملايين أضعافِ حجم المبنى!

وهنا تهيّأ لي أن أقارنَ حجمَ النملة الصغيرة بالنسبة إلى الكرة الأرضية أو حتى بالنسبة إلى العالم الشمسي (المجرّة الشمسيّة) ولم أجد من الأصفار ما يكفي لوضعه على يمين رقم (١) لإيجاد رقمِ المقاربة، بين صغرِ النملة وكبرِ ذاك العالم!

وفي ليلٍ صفاؤه مستتم، لاحظت السماءَ المستنيرةَ بعددٍ لا يُحصى من النجوم، تلك التي تُحسبُ مسافةُ بعدها عنّا بما يُقاس بالملايين من السنين الضوئية، استنتجتُ أن نسبةَ صغرِ العالم الشمسي بما يحويه (المجرّة الشمسيّة) أقلّ بكثيرٍ من نسبة مقارنة النملة بكبرِ المجرّة الشمسية!

أمّا بالنسبة لنا، نحن البشر، فنظنّ أنّ كلّ ما وُجدَ في هذا العالم، انوجدَ من أجلنا، ولانبالي قدرَ ما يجب، بعظمة وقدرة تلك القوّة التي أوجدت الكونَ بما عليه، بالأعداد التي لا تُحصى من أنواعِ الكائنات، في عالمنا على هذه الأرض، وقد يكون غيرها في عوالمَ أخرى، والله أعلم!

 وما يُحيّرني هنا هو ذاك التناغم بين الشرِّ والخير، وبين المُفترس والوديع، بحيث أن الكائنات تواجدت مع بعضها، ولم يتمكّن المفترسُ منها أن يقضيَ على الوديع منها رغم ضعفِ قدرة الأخير في الدفاع عن نفسه!

أمّا بالنسبة لنا نحن البشر، فنحن، كباقي الكائنات ، أجسادُنا تتحرّكُ بوجود الروح داخلها، وما ان تُسلَمَ تلكَ الروح حتى يعجزَ الجسمُ عن الحراك، وتتفتّت مكوّناته مع الزمن! فالروح في الجسد هي كالطاقة الكهربائية في الماكينة، ما ان تنفصل عنها، حتى تُصبح الماكينة دون فائدة، فتهترئ بمرور الزمن!

أمّا الجسد، فقد عرفناه بالحواس الخمس التي تعلّمناها، وهي: البصر،والشمّ، والسمع، واللّمس، والتذوّق. إلّا أنّي أضيفُ مهمّتين اثنتين، لم يتم ذكرهما وهما: القوّة الجسدية، واللّذّة الجنسيّة. وكلّ هذه الحواس لا تتفاعل إلّا بوجود الروح داخل الجسد!

والمتعارف عليه ان الجسد مرتبطٌ بعالم الأرض، أي إنه يحتاج إلى جاذبية معينة بالإضافة إلى استنشاق هواء ممزوج حسب نِسَبٍ دقيقة، ويتطلّبُ حرارة خارجيّة تتراوح بين معدّلات محمولة، وتغذية دورية تشمل الكثير من المأكولات التي لا توجد إلّا على سطح الأرض أو في باطنها وغير ذلك من المتوجبات!

وإن ألمَّ سوءٌ بالجسد، فإنه لا يقوى على تحمّل طاقة معيّنة من الألم، وإلّا خرجت منه الروح إلى غير رجعة!

والاسئلة التي تَشغل فكري هي التالية:

  • هل باستطاعة الروح ، بعد خروجها من الجسد، أن تتلذّذ من أيّ خيرات عرفنا مثيلاتها في عالمنا هذا؟ 
  • هل نار الآخرة التي توعَّدْنا بها كلَّ ظالمٍ، وأملْنا أن تنتقِمَ لنا من كلِّ مُغتصب، لن يكون لها أيّ تأثيرٍ على أرواح هؤلاء الأشرار، ولن يجازوا بعذابٍ أبَديّ؟
  • كيف سيحصل كلّ من عمل الصالحات في حياته على جزاء معروفه؟
قياسي

في مطلع شهر رمضان لهذا العام

تمنياتي في بداية شهر رمضان لهذا العام

مع إطلالة هذا الشهر المُكرّم

نطلب من الله أن يستجيبَ لصلوات المؤمنين

ويُبعدَ الضّيم عمّن يُعانون الأمرّين

ويُعطيَ كلَّ ذي حقٍّ حقّهُ

ولا يحرمَ كلّ طيّبٍ من مَرقدهِ

ولا يُهجّر مواطناً من أرضِ أجدادهِ

ويُعيدَ التقاربَ الذي منعهُ الوباء

لنعانقَ مجدّدا أقاربنا وأحبابنا

وليُحرّكَ العَجَلةَ التي جمّدتها الجائحة

ليُعاودَ العملَ كلُّ ممتهنٍ في ميدانه

وينطلق إزدهارُ المصالحِ المتوقّفة

ولا يُحسبَ الزمنُ الذي فقدناهُ من عُمرنا

مع أطيب تمنياتي وتقديري

رمضان كريم

بشير القزّي

١٢ نيسان ٢٠٢١

قياسي

هل القراءة مفيدة بالقدر الذي يزعمه روّادها؟

هل القراءة مفيدة بالقدر الذي يزعمه روّادها؟

( أرجو من الذين لديهم آراء مسبقة حول الموضوع أن يتريّثوا قبل كتابة تعليقاتهم وذلك حتى الإفراغ من قراءة هذا المقال)

في الماضي كانت القراءة المصدر الأهم لكلّ طالبِ علمٍ أو ثقافة وكان الكتاب المرجع الأساسي لكلّ معلومة. وحتى لمدة زمنيّة ليست بالبعيدة لم تكن الكتب متوفّرة في جميع المجالات! أذكر أننا، كطلاب في الكلّية العليا للهندسة في بيروت، كنّا ندوّن على دفاتر ورقيّة ما يتلفّظ به الأستاذُ المحاضر، لنعيد قراءته فيما بعد  لدى التحضير للامتحانات، وذلك في زمنٍ لم يكن فيه التصوير الورقي متوفّراً للجميع!

على مدى عقودٍ وقرون، كان المقياس الذي يُحدّد ثقافة المرء، هو عدد الكتب التي قام بقراءتها والمراجع التي اطّلع عليها! إلّا أن الأمر الأهم يكمنُ فيما يقرأه طالبُ العلم والثقافة وما يبقى عالقًا في فكره بعد مرور زمن على إتمامه القراءة:

قراءة الرواية

قد يغضب منّي كثيرون، وتجولُ في ذهني وجوهُ عددٍ منهم من معارفي، عندما أقول أن الرواية لا تزيد قارئها ثقافة إلّا بالقليل من المعرفة، ولا تُعَدُّ مصدراً موثوقاً لطلّاب العلم! القارئ لا يستفيدُ منها إلّا أنه يعيش أوقاتًا مع أبطالها تجعلهُ يمضي ساعاتٍ يفرحُ أو يحزن معهم ويشعرُ بما يُعانون منه، تماماً كما يشعرُ عندما يُشاهدُ فيلمًا سينمائياً! أمّا من الناحية اللغوية ، فلا تزيد قارئها إلّا ببعض المفردات ولا تحسّنُ كثيراً قدرته على الكتابة والتعبير إلّا بالمقدور الذي يتعبُ عليه!

قراءة الكتب العلمية والاجتماعية وغيرها

بالطبع تلعب هذه الكتب دوراً أكبر في تعليم القارئ وتفتح له مجالات قد تساعده في أمور حياته العملية أو الاجتماعية أو النفسية أو العائليّة أو الطبّية أو الصحيّة أو غير ذلك! إلّا أن مفاعيلها لا تزيد عمّا يتذكّره القارئ بعد مرور سنوات على قراءتها!

قراءة الصحف والمجلّات

هذا النوع من القراءات يجعل الإنسان يطّلع على كلّ ما يجري من حوله وعلى الأمور السياسية والاقتصادية والحياتية والفنية وتجعله على بيّنة من أمور تجري حوله أو في بلدان العالم كافة!

الإذاعات وأجهزة التلفزة 

في أيامنا هذه نجد أن أجهزة الراديو تزيدنا بعض المعرفة، والأغلب عندما نكون في السيارة؛ بينما أجهزة التلفزيون ففيها من البرامج ما يزيدنا ثقافة ومعرفة وأغلبها وُجدت للتسلية وتمضية الوقت ونشر أخبار يرتئيها القيّمون على هذه المحطات وقد تكون موجّهة!

وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة 

خلال هذه الأزمنة الحديثة بدأنا نتساءل عن الجدوى من طلب المعرفة عبر قراءة الكتب في الوقت الذي يُمكّننا من إيجاد ما نسأل عنه بلمحة بصر وبمجرّد النقر على الشبكة العنكبوتية!  أصبحَ كلّ من يحملُ جهازاً خلوياً يعتبر نفسه مثقفاً وعالماً بخفايا الأمور ولا حاجة له أن يطلبَ العلم عبر القراءة أو اتباع وسائل التعلّم التقليدية! وعلى سبيل المثال نجد أغلب الأطباء يعانون من مشكلةٍ وهي أن أغلب مرضاهم لا يأتون إليهم إلّا بعد أن يكونوا قد تشبّعوا من معلومات وصلوا إليها عبر الإنترنت، مما قد يسيء لهم في اتباع ما يوصيهم به الأخصّائيّون! 

القراءة واللغة العربية 

حفظت من الأستاذ إميل ديب ما يُردّده عن الاختلاف الكبير بين إتقان لغات العالم واللغة العربية! ففي لغات العالم كافة، يقرأ الإنسان النص ليفهمه، بينما في اللغة العربيّة علينا أن نفهم النص قبل أن نُحسنَ قراءته!

وعلى الرغم من وفرة الكتب بهذه اللغة وازدياد نشرها خلال العقود الماضية، إلّا أننا نجد تراجعًا ملموساً في إتقان كتابتها ومعرفة قواعدها! ونستغرب وجود الكثير من الشعراء الجدد الذين لا يأبهون لارتكابهم أخطاء لغوية في منشوداتهم!

ومن المؤسف اننا نجد الكثيرين ممن قرأوا المئات من الكتب العربيّة ما زالوا يرتكبون أخطاء لا يستهان بها عندما يكتبون أو يتكلمون!

للحقيقة، اللغة العربية لها مستويان:

  • اللّغة المكتوبة وهي التي لا تستدعي التشكيل وقد يُخطئ القارئ في قراءتها في قلبه، أو لا يُخطئ، ولا يؤثّر ذلك كثيراً في فهم المحتوى !
  • اللّغة المقروءة بصوت مرتفع، وهي التي لا يحسنُ أداءها إلّا القليلون المتمرّسون! وقد لا تنفع كثيراً معرفة القواعد لأن الوقوع في الخطأ يسبق السرعة اللازمة لمراجعة القواعد لدى العقل!

وإذ لي من نصيحة لمحبّي القراءة باللغة العربية هي أن يعيدوا قراءة نصٍّ بصوتٍ مرتفع بعد أن يكونوا قد استمعوا إلى قراءته من شخص متحكّمٍ باللغة!

قياسي

ردّ على ردّ حول اللغة العربية

سيدتي العزيزة سيما،

لسنا هنا في صدد الجمع بين رأيين مختلفين وأنت تقومين بدور التوفيق بينهما! مداخلتي أتت لأني وجدتُ أن بعض الجمل التي أوردها الأستاذ محمد قطب الدين لا يمكن أن أتغاضى عنها وهي تُخالف واقعاً نشأتُ على معرفته، لذا بادرتُ الى نشر النصّ الذي كنت قد كتبته منذ فترة وجيزة والذي لم يجفّْ حبره بعد!

  • كتب الأستاذ محمّد:“واللغة العربية الفصحى هي همزة وصل وجسر للتواصل بين العرب وغير العرب من المسلمين في كافة أنحاء العالم، وهي تجمع شملهم وتوحّدهم كأمة واحدة بل كجسد واحد، فالمسلمون عبر العالم يدرسون ويدرّسون اللغة العربية الفصحى في المدارس والمعاهد والجامعات الأهلية منها والحكومية…”وتعليقاً على ذلك أقول أن اللغة العربيّة لا تقتصر على أن تكون همزة وصل وجسراً بين المسلمين في أنحاء العالم كافة، بل هي لغة تجمع بين جميع الناطقين بها، أكانوا مسلمين أم غير ذلك!
  • وقال أيضاً “وأنا أعتبر العامية من عيوب مجتمعنا مثل الجهل والفقر والمرض تماماً، والعامية مرض أساسه عدم الدراسة، والذي وسع الهوّة بين العامية•••”وهنا أيضاً لا أعتبر اللغة العامية من عيوب المجتمع بل نتيجة لتطوّر الشعوب عبر الأزمنة ونجدها عند أكثر اللغات انتشارًا كما نجد كبار الأدباء العرب يتكلّمونها خلال يومهم بينما يلجأون الى الفصحى في كتاباتهم أو مخاطباتهم الشفهية الرسمية!
  • كما قال: “ويبقى المسلمون كلهم في العالم مرتبطين بالجامعة الشاملة والمتينة، وهي جامعة اللغة العربية الفصيحة.” لا يمكن ان ندّعي أن المسلمين يحتكرون اللغة العربية الفصحى إذ نجد الكثير من الشعراء والأدباء العرب من غير المسلمين والذين أبدعوا بأعمالهم الأدبية.

أما فيما يتعلق بمداخلتك يا سيدتي العزيزة سيما، فلي الملاحظات التالية:

  • بالنسبة للعودة الى القرون الأخيرة وخلال الحكم العثماني ، أرجو أن تجدي لي اسم أديب واحد مسلم  أثّر في نهضة اللغة العربية ونذكر منتجاته الأدبية وذلك خلال القرن السادس عشر والسابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر!
  • أما فيما يتعلق بقولك بأن الدين ساهم في تعليم اللغة العربية فأنا لا أوافقك على ذلك! إذا لم تتمكن هذه الشعوب من تعلّم اللّغة العربية خلال أربعة عشر قرناً ونيّف فهل تنتظرين ان يتقنوا تلك اللغة خلال السنوات المقبلة؟ قلّة هم من تعلّموها ويُعدّون من النوابغ كالاستاذ محمد، إنما لاتنتظري الكثير من باقي الشعوب التي حفظت الدين ولم تتعمّق بمضمونه!
قياسي