من ذكريات عقد قراني (الجزء السابع)

من ذكريات عقدِ قراني (الجزء السابع)

في اليوم الذي سبق التاريخ المعلن لحفل الزواج، قامت إسرائيل بالإغارة بطائراتها الحربيّة على مداخل بيروت الجنوبيّة كما تسبّبت بقطع التواصل على خمسة جسور قامت باستهدافها بتلك الغارات، كما قضى نحبه أناس أبرياء يُعدّون بالمئات!

وإذ كانت تلك العمليّة باكورة أعمال عدائيّة ضخمة  بدأت آنئذٍ ولم تنتهِ حتى يومنا هذا، استفاق لبنان في اليوم التالي والوجوه قد تجهّمت والمحال قد أُقفلت بغالبيتها وحركة السير تعكّرت. كانت ميشا تسكن مع والديها في بلدة “عين علق” القريبة من مدينة “بكفيا”، بينما كنتُ اسكنُ مع والديّ في بلدة “وادي الزينة” القريبة من بلدة “الرميلة” حيت ستجري مراسم الزواج! ذاك الصباح لم يكن بالإمكان الحصول على ورود وأزهار،  لتزيين الكنيسة، من مدينة “صيدا” القريبة نظراً للحالة المستجدة!

غدت والدتي باكراً واستقلّت السيارة المعدّة للزفاف ورافقها بعض الأقارب بسيّاراتهم وسلكوا طرقاً فرعيّة عبر الجبال لتجنّب الطريق الساحلي الذي يربط بين المنطقتين والذي كان يعجّ بالمسلّحين الذين كان الغضب مستشرياً في عيونهم!

بعد سفر استغرق زهاء ثلاث ساعات وصلت والدتي برفقة الوفد المرافق لها إلى منزل العروس وكان يعجّ بالمحتفلين! كنا قد تعاقدنا مع مصوّرين اثنين  لالتقاط الصور والفديوهات للحفل بدءاً من منزل ميشا وانتقالاً إلى مراسم الزفاف في الكنيسة ومن ثمّ حفل الكوكتيل في منزل والديّ، إلّا أنّ المصوّرين عكفا عن متابعة المهمّة خوفاً من أخطار الطريق والالتقاء بالجماهير الغاضبة! أما والدتي فطلبت جمع الازهار الموجودة في البيت ووضعها في صناديق السيّارات وعدم تزيين سيّارة العروس بأية زهرة!

وإذ كنتُ أشكُّ بإمكانية وصول العروس ذاك اليوم، لم أحلق ذقني وبقيت أرتدي ثياب الانشراح التي ارتديتها في الفراش تلك الليلة! إلّا انه، قرابة الظهر، وصل متعهّد الاحتفال مع فريقه من بيروت وفد حمل معه مستلزمات الكوكتيل كافة من الكيك المتعدد الطبقات والحلويات المنوّعة ومجمل الضيافات المعدّة للحفل، وكنا قد جهّزنا عدداً لا بأس به من زجاجات الشمبانيا المبرّدة! وما ان بدأ المتعهد، وهو من أحد الأقارب، بترتيب صالة السفرة للإحتفال حتى بدأ وصول بعض الأصدقاء المدعوّين إلى المنزل! عندئذٍ انتابني الخجل، كلّ الحاضرين يرتدون أفضل ما لديهم من ثياب وأنا ما زلت في “البيجاما”!

قمتُ بحلاقة ذقني وارتديت بدلة السموكنغ السوداء التي أعددتها للزفاف كما ربطت ربطة عنق بيضاء فراشيّة الشكل! وما ان فرغت من ارتداء ملابسي حتى سمعت أصوات زمامير سيارات الوفد المرافق للعروس، وقد وصلت قبل زهاء الساعة قبل موعد الزفاف!

توجّهت العروس نحو منزل عمتها الذي كان يقع على طريق شحيم القديمة على بعد نحو ثلاث ماية متر من طريق صيدا القديم، وذلك بانتظار موعد الزفاف. وإذ وصلني خبر عدم وجود مصوّر مع العروس أرسلت أحد الأقارب إلى بلدة الجيّة حيث تمكّن من إحضار أحد المصوّرين الأقارب لتصوير وقائع الزفاف، وزوّدته بكاميرا سينمائية سوبر ٨ لتصوير بعض المشاهد!

توجّهت مع بعض الأصدقاء نحو كنيسة الرميلة وهي تقع على تلة مرتفعة تطلّ على شاطئ الرميلة الرملي والذي يحتضن البحر الذي  يدخل نحوه بشكل خليج منفتح. المنظر الذي كنت أراه يومئذٍ من أجمل ما شاهدت!

وصلت العروس وبجانبها والدها. نزل من مقعده، دار حول السيارة وفتح الباب لها وأمسك بيدها وانزلها ثم قدمها لي وقال: “ها هي سالمة! هي في عهدتك بعد اليوم!” كانت ترتدي طرحة بيضاء ناعمة فوق رأسها، أما فستانها فكان من أجمل ما رأيت!

مددتُ لها يدي اليمنى ودخلنا باب الكنيسة من المدخل الرئيسي المواجه للبحر، وكنت من ناحية اليسار، إذ قيل لي انه لدى الموارنة تكون العروس من الناحية اليمنى!

كانت الشبينة أخت ميشا ريموند بينما كان الشبين أخي صلاح. بعد انتهاء حفل الزفاف وأخذ الصور توجهنا نحو المنزل للاحتفاء وقبول التهاني!

وإذ كنت قد طلبت من ابن عمي هاني حجز غرفة لنا في فندق السمرلاند على شاطئ بيروت، توجّهت مع عروسي نحو بيروت بسيارة أخي صلاح التي كانت حمراء اللون من نوع رينو ٥. كان علينا ان نسرع قبل ان يداهمنا الظلام.

ما ان وصلنا إلى السعديات بالقرب من منزل آل غفري حتى اضطررنا إلى النزول بالسيارة في حفرة كبيرة من آثار القصف الذي حدث في اليوم الذي سبق!

وصلنا أخيرا إلى الفندق وتوجهت إلى الاستقبال وسألت المسؤول عن الحجز الذي تمّ باسمي! فوجئت بجوابه:” آسف، لا يوجد حجز باسمك!”

أما ما حصل بعد ذلك، فسيكون بالجزء الثامن من الذكريات…

قياسي

كلمة في رحيل والدة سارة

عزيزتي سارة

مع ان رحيل والدتك تيريز آلمني كثيراً إلا ان الكلمات التي خطّيتِها إثْرَ وفاتها كان لها بالغ الأثر عليَّ وعلى كلّ من يقرأها! محظوظات هنّ الأمهات اللواتي يحظين بهكذا كلمات لدى حلول ساعتهنَّ!

ها هي ودّعت عالماً عاشته بحذافيره وقد غادرته في بداية سنة جديدة ينتظرها ويستقبلها كثيرون! لقد سهرت على تنشئة بناتها وابنها على أفضل السبل ولقّنتهم أفضل تربية وربّتهم على خير القيم الدينيّة! وفّقها الله ايضاً  في ان تشهد على تربية أحفادها وها هي ترحل بعد ان شاهدت باكورة ظهور أحفاد أولادها!

ها هي تسلّمكِ وتسلّم أختيكِ وأخاكِ الراية التي حملتها طوال حياتها! من الآن فصاعداً على كلٍّ منكم ان يكمل المشوار ويلعب ما تمكّن الدور الذي خطّته لكلٍّ منكم!

بالنيابة عن زوجتي ميشا وابنتي دانة وعائلتها وبالأصالة عن نفسي أتقدّم منكِ ومن أخيكِ عيسى ومن أختيك وأفراد العائلة كافة بالتعازي الحارة النابعة من الصميم وأضرع إلى الله ان يبعد عنكم جميعاً كلّ مكروه!

بشير القزي

مونتريال في ٤ كانون الثاني ٢٠٢٥

قياسي

كلمة في رحيل خالي نبيه

خالي الحبيب نبيه،

صُعقتُ بخبر رحيلك المفاجئ وانت الإنسان الذي ما زالت تحلو له الحياة كما يستمتع بوجودك كلّ من جلس في حضرتك! كنت أتمنّى ان تسنح لي الظروف بأن أعود إلى بلدي الأم لرؤيتك والجلوس بجانبك!

كنتَ من أوّل الناس الذين عرفتهم في صغري والذين كنت أعتبرهم من أقرب الأشخاص إلى قلبي! أذكر أني كنت في الثالثة من عمري عندما كنتَ تُداعبني وتحملني على رجليك وترفعني إلى الأعلى وانا أغرق في بحر من الخوف والضحك!  بعد وصول الأسطول السادس إلى الشاطئ اللبناني سنة ١٩٥٦ أذكر أنك أخذتني إلى محلات “قيصر عامر” للألعاب في بيروت واشتريت لي “جيب” حديدي زيتي اللون وعليه نجمة بيضاء وقد تمتّعتُ بقيادته حتى أصبحت رجلاي لا تتسعان للجلوس بداخله!

أذكر أيضاً أنك أهديتني ساعة يد ماركة “إكزاكتوس” وكنتُ وقتئذٍ في السابعة من عمري وأتعلّم في مدرسة “كليّة لبنان” التي كانت تقع في محلّة البسطا. لصغر رسغي أضفنا عدّة ثقوب على الرابط الجلدي حنى اتمكّن من لبسها! كنتُ الوحيدَ بين أترابي الذي يلبس ساعة على يده! وقد رافقتي تلك الساعة حتى أنهيت تعليمي وتمّ إرسالي إلى العراق للعمل هناك!

عرفتكَ رجلاً قلّ أمثاله وتمتّعتَ بمقدرة عالية في التحدّث والمناقشة وكنتَ توازي المحامين في  اختيار كلماتك! كم تمنّيتُ لو سنحت لي الظروف أن أكون بجانبك لأتعلّم منك بعضاً مما تجيده!

ها أنتَ تغادر عالمنا ولا تحمل معك جواز سفر أو حقيبة تحمل  متاعك! إلّا أن ذكرَك الطيب سيبقى يتردد عبر كلّ من عايشك أو عرفك!

بالنيابة عن زوجتي ميشا وابنتي دانة وعائلتها وبالأصالة عن نفسي أتقدّم بالعزاء الحار من أخيك آمال ومن زوجتك التانت بريجيت التي رافقتكَ على مدى العقود ومن أبنائك إيلي وأمين وزياد ومن ابنتك زهى وعائلاتهم وأولاد أخوتك وعائلاتهم والاقارب الكثر الذين عرفوك وأحبّوك ونضرع إلى الله أن يحفظ الجميع ويبعد عنهم كلّ مكروه!

بكل محبة

بشير القزي

مونتريال ٢٠ كانون الأول ٢٠٢٤

قياسي

من ذكريات عقد قراني (الجزء السادس)

من ذكريات عقد قراني (الجزء السادس)

بعد حفلة الخطوبة التي تمّ إجراؤها في الرياض، قرّرنا أن يكون عقد القران في ١٨ تمّوز من تلك السنة، وهي سنة ١٩٨١ على ان تكون المراسم في كنيسة البلدة التي انتمي إليها، وهي الرميلة والتي تقع على الطريق المؤدّية من بيروت إلى صيدا، وهي آخر بلدة نلقاها قبل الوصول إلى نهر الأوّلي الذي يفصل بين محافظتي جبل لبنان والجنوب.

ما مضى أسبوعان من الزمن حتى قررت ميشا السفر إلى باريس برفقة أختها وذلك للتبضّع بكلّ ما يستلزم من أمور الجهاز. أمّا الجهاز فكان أمراً مهماً تُعدّ له كل فتاة قبل مراسم زفافها وهو يشمل جميع المستلزمات التي قد تحتاج إليها العروس ما ان تنتقل للعيش في منزلها الزوجي، وهو يشمل بالإضافة إلى الملابس التي سترتديها أطقم الشراشف والمناشف والأحرمة والخدمة والاستقبال وما إلى هنالك من أمور قد تحتاج اليها في حياتها الجديدة! وأذكر في صغري أن العادات كانت تقتضي أن تعرض الفتاة الجهاز في منزل أهلها في يوم معيّن ويقوم رتلٌ من الأقارب بواجب الزيارة وذلك للتفرّج عليه!

أمّا فستان العرس فكانت له مكانة خاصة لدى ميشا وكانت تريده بالشكل الذي كانت رسمته في ذهنها، لذا أصرّت على أن يحمل التصميم والتفاصيل التي ارادتها! وقد حملته بيديها ضمن علبة كرتونيّة بيضاء خاصة على متن الرحلة التي استقلّتها ولم اتمكّن من رؤيته الّا نهار العرس!

قبل حوالي أسبوعين من تاريخ الزفاف توجهنا بالطائرة نحو بيروت. أقامت ميشا مع والديها في منزل العائلة في بلدة عين علق في المتن بينما أقمت في منزل والديّ في بلدة وادي الزينة التي تقع على طريق صيدا القديمة.

مساء الأحد الذي كان يسبق بأسبوع موعد الزفاف، دعوت ميشا الى العشاء في مطعم “وأي نات” في مدينة برمّانا المتنيّة. كانت قد صففت شعرها لدى مصفف شعرٍ نسائي، ما لم يكن متوفّراً في الرياض كما ارتدت فستاناً بيجيّاً قصير الأكمام  وله فتحة من الخلف تقفلها أزرار كبيرة وقد كان بين ما تسوقته في باريس. وكانت قد وضعت حول عينيها كحلة سوداء وألّقت شفتيها بحمرة مميّزة زادت من جمالها.

وصلنا إلى المطعم في حدود الساعة الثامنة والنصف مساءً. نزلنا على الدرج المبنيّ من الحجر حتى وصلنا إلى باحة المطعم. كان المطعم مبنيّا من عقدين حجريّين يجتمعان في الوسط غارقٍين تحت الأرض وكان أحد الأركان يستعمل كباحة للرقص تحتلّ إحدى زواياه غرفة زجاجيّة يجلس فيها “الدي جي” للتحكّم بالموسيقى وانتقاء الأغاني. أمّا باقي الأركان فكانت للطاولات الخشبيّة والمقاعد المغطّاة بطراريح صوفيّة ملوّنة.

وإذ لم نجد أحداً من الزبائن قد وصل بعد، سألنا المسؤول عن السبب، فأجاب أنهم يبدأون بالوصول بعد ساعة من ذاك الوقت. طلبنا ان نحجز طاولتنا إذ لم يكن متوفّراً في ذاك الزمن الحجز بواسطة الهاتف ولم يكن قد وصل بعد الهاتف الخليوي.

كلّما اشرنا إلى طاولة من الأماميّات كان المسؤول يجيبنا أنها محجوزة! بالأخير اضطررنا إلى الموافقة على حجز طاولة في الأماكن الخلفية للمطعم! وإذ كان المكان لم يعج بعد بالزبائن قلنا له اننا سنعود بعد زهاء ساعة من الزمن!

خرجنا إلى الشارع الرئيسي حيث تنزّهنا على الجانب الغربي من الطريق وكانت المطاعم تعجّ بالزبائن الذين يتألّقون بالملابس الزاهية التي يرتدونها! دخلنا أحد المقاهي وطلبنا مقبلات بانتظار ان يحين وقت عودتنا إلى المطعم.

وصلنا إلى “الواي نات” في حدود الساعة العاشرة مساءً. كان المكان لا يزال خالياً من أيٍّ منّ الزبائن وكان “الدي جي” مسترسلاً بالحركات مع الأغاني التي يختارها وقد وضع السماعات الكبيرة فوق أذنيه! سألنا المسؤول عن سبب تخلّف الزبائن عن الحضور فأجاب مؤكداً أنهم سيصلون بعد حين!

قمنا بالتمركز على الطاولة التي أرادوها لنا. حضر النادل الموكلُ بالقيام بخدمتنا. كان يرتدي سترة رسمية نبيذية اللون فوق قميص أبيض وعقدة حريريّة سوداء على شكل فراشة. أودع بين يديّ لائحة بالمشروبات التي يعرضها المطعم. بدأت بالتمعن بالقراءة واخترت نوعاً من أفضل ما يبدو على تلك اللائحة، وذلك بالأخصّ لأن ذاك العشاء كان الأول الذي أدعو فيه ميشا إليه في لبنان! غاب النادل بضع دقائق ثمّ عاد ليعلمنا أن ذاك الصنف لم يكن متوفّراً ذاك المساء! أعاد لي اللائحة وطلب مني اختيار نوع آخر. أخترتُ ما تلا ذاك النوع فتوجّه نحو المطبخ ليعود ويخبرني أن ذاك النوع قد نفذ. أمّا النوع الثالث فلم يكن متوفّراً أيضاً. توجّهت نحوه بامتعاض وقلت له: “لماذا تُخيّرني بما ليس لديك، أعطني ما هو متوفر ذاك المساء!”

أحضر زجاجة مما أوجده وفتح الفلّينة بتقنيّة عالية وسكب لي مقداراً قليلا لتذوّقها. وافقت على المشروب فقام بملء كأس ميشا ثمّ أكمل سكب كأسي.

وبينما كنت اشتفُّ الكأس بجانب ميشا كانت نقطة ماء تتساقط بين الحين والآخر من السقف الحجري وتقع على رقبتي داخل قبّة قميصي. كنت مستاءً من ذاك المقعد ولم يكن بإمكاني ان أغيّره لأن باقي الأماكن محجوزة (حسب زعمهم).

أحضر لي لائحة الطعام فبعد ان استشرت ميشا طلبت صحن “شاتوبريان” المُعد لشخصين! صعقتُ مجدّداً  عندما عاد بعد دقائق ليعلمنا ان تلك الوجبة لم تكن متوفرة ذاك المساء. طلبت منه ان يعلمني بما كان متوفراً وهكذا كان!

بعد ان تناولنا الوجبة الرئيسية طلبت من ميشا ان ترافقني برقصة إلا انها لم ترغب كوننا كنا الوحيدين الموجودين في ذاك المطعم برفقة “الدي جي!”

ما ان أحضر النادل صحنَي الكيك المتوفرين لدى المطعم كانت ميشا قد غفت على كتفي. قمتُ بدفع الحساب ثمّ أيقظتها من سباتها وعدنا أدراجنا إلى منزلها، ولم نعد مرة ثانية إلى ذاك المكان!

أمّا فيما حصل بعد ذلك فبانتظار الجزء السابع من الذكريات …

قياسي

من ذكريات عقد قراني (الجزء الخامس)

من ذكريات عقد قراني (الجزء الخامس)

في إحدى الأمسيات التي كنّا نتسامر فيها، كنّا نجلسُ مواربةً، كلّ على ناحية من تلك المقاعد التي تشابه المجالس العربيّة.حنتْ ميشا رأسها قليلاً نحو اليسار وحدّقت مليّاً في وجهي وابتسمت متسائلة: “ما الذي يُعجبك في تكاوين وجهي؟” أجبتها: “عيناكِ” إذ تذكّرت تلك العينين الجميلتين اللتين كانتا تلاحقاني كلّما التقينا في مجالس الأصدقاء! إلّا أنّي فوجئت بردّها إذ قالت لي: “انت أوّل شاب يقول أنه أعجبَ بعينيَّ، إذ إن الشبّان يدّعون أن شفتايَ هما محطّ إعجابهم!” فطِنتُ إلى أنها متى ابتسمت بتلك الشفاه المرسومة بشكلٍ لم أرَ مثيلاً له، وأفرجت عن ثغرٍ يزيّنه طاقمٌ لؤلئيٌّ ولا أجمل من ناحية التناسق والجمال، لكنت أرى الابتسامة تشعُّ من عينيها الجميلتين ومن خدّيها الورديَّن ومن معالم وجهها كافةً! قلت لنفسي: محظوظ ذاك الذي يستفيقُ كل صباح على رؤية تلك الابتسامة الرائعة الجمال!

توافقنا على ان نبدأ مشوارنا معاً في هذه الحياة آملين أن يكون ارتباطنا طويل الأمد وان لا نفترق ما حيينا وأن ننشئ عائلة بالقدر الذي يُرزقنا به الخالق! لذا توجهتُ بالطائرة إلى لبنان لإعلام والديّ بالقرار الذي عزمت عليه!

ما ان وصلتُ إلى المنزل في لبنان حتى استقبلتني والدتي وتملّك بي إحساس بأنها على يقين بالقرار الذي كنت قد اتخذته. دعت لي بالتوفيق في حياتي المستقبلية واردفت قائلة: إن الجماعة الذين ترتبط بهم هم من أفضل الناس “ولهم سمعة كتير طيبة.” أمّا والدي فكان من نفس الرأي ودعا لي بأطيب الادعية.

بعد يوم من الراحة قصدتُ بيروت برفقة والديَّ حيث التقينا بابنة عمّي دنيا التي رافقتنا للتسوّق في محلات المجوهرات لشراء ما يقتضي تقديمه للعروس ليلة الاحتفال بالخطوبة. قمنا بالتزوّد بما راق لنا وعدنا في المساء الى المنزل.

بعد بضعة أيام من ذلك كانت عودتي الى الرياض بعد ان امضيت عيد الميلاد من تلك السنة بجوار والديّ وأخي صلاح والاقارب ! زوّدني والدي برسالة خطّها بيده معنونة باسم والد ميشا يطلب بها يد ابنته لي! وددتُ لو بقيتْ بحوزتي تلك الرسالة كون أسلوب الوالد امتاز بأسلوبه الذي لا يُقلّد!

كان موعد الخطبة مساء أول يوم من سنة ١٩٨١. كانت الأمسية في منزل والديّ ميشا في منطقة الملز. أعدّت والدة ميشا العديد من المأكولات المنوّعة وقد تمّ تقديمها على الطاولة في الرواق الذي كان في وسط المنزل. وقد دعوت الكثير من الأصدقاء الذين كنت أعرفهم في تلك المدينة. كان الاحتفال في الصالون الذي كانت تحيط به مقاعد شبه عربية وكان يتسع لعدد كبير من المدعوين. قام ابن عمّي بطلب يد ميشا لي مفدّما الرسالة التي كتبها والدي لوالد ميشا! قرأها والدها ورحّب بالطلب وصافحني وصافح ابنته وقام بالتمني لنا بالتوفيق!

قمت بتقديم المجوهرات لميشا بعد ان ألبستها خاتم الخطوبة! قام الجميع بتهنئتنا وأخذ الصور التذكارية!

وهكذا انتهى هذا الفصل من الذكريات والى الجزء السادس قريباً!

قياسي

اللغة العربيّة الفصحى والدين

اللّغة العربيّة الفصحى والدِّين

كثيرون يمزجون بين الدين واللغة ويعتبرون أنّ من شروط الإلمام باللغة العربيّة الفصحى استظهارَ المصحف الشريف من الغلاف إلى الغلاف وحفظ الآيات كلها عن ظهر قلب!

قد تتميّز اللغة العربيّة الفصحى عن غيرها من لغات العالم بأنها الوحيدة التي ما زالت مستعملة والتي أُنزلت بها ديانة سماويّة، لذا وجبَ إتقانُ تلك اللغة للتمعّن بمحتويات النصوص وفهمِ مضمونها!

إلّا ان الأغلبية الساحقة من “العربان” يُخَيَّل إليهم أنهم إذا حفظوا القرآن الكريم فسيُتقنون اللغة العربية الفصحى ويصبحون قادرين على التخاطب بها وكتابتها دون اقتراف أخطاء لغوية أو تشكيليّة! إلّا ان الواقع هو غير ذلك، فاللغة العربية، على الرغم من الجمال الذي نجده فيها، ما تزال تُعتبر من أصعب لغات العالم قاطبة، وأذكر على سبيل المثال، ان صيغ الجمع قائمة على عدّة مستويات : المثنّى (تتفرّد اللغة العربيّة به)، وجمْعُ القلّة وجمع التكسير، وجمع المؤنث السالم، وجمع المذكر السالم، وجمع الجمع …في حين ان غيرها من اللغات له صيغة واحدة للجمع عندما يتعدّى الرقم “واحد”!

هل أُنزلَ القرآن الكريم لتعليم اللغة العربيّة أمْ بالأحرى لنشر ديانة سماويّة؟ فالنصوص جاءت بشكلٍ إعجازي لا يسهلُ لآدميّ بأن يقاربَ نصّه مهما بلغت قدراته الأدبيّة!

ويؤلمني كثيراً سماعُ رجلِ دين، يخطئ في كلمة يُلقيها، على الرغم من أنه لا يخطئ مطلقاً في ترداد أيِّ من الآياتِ المُنزلة!

واللغة العربيّة الفصحى، على الرغم من احتوائها على الملايين من المفردات، إلّا أنها قد تكون في طريقها إلى الزوال، وذلك للأسباب التالية :

•       انتفاء وجود كلماتٍ تواكبُ العصرَ التقني الذي نعيشُهُ، لذا يُضطرُّ من يستعملها إلى اللجوء إلى استعمال كلمات أجنبيّة للدلالة على ما يُريد قوله! فكلمة “دكتور” مثلاً لم يتمكّن أحدٌ من إيجاد مرادفٍ عربيّ لها، فنقول مثلاً هذا “دكتور في اللغة العربيّة”!

•       لا فائدة من تواجدِ ملايين المفردات العربيّة وقد انقرض استعمال معظمها مع الزمن، ولا نجد تفسيراً للكثير من تلك الكلمات حتى في المعاجم العربيّة!

•       نسبةُ الكلمات الأعجميّة التي نستعملها في نصوصنا تفوق النِسب التي نجدها لدى باقي اللغات المستعملة!

•       صعوبةُ القواعد وتعدّدها والتي تُنظّم كتابة اللغة العربية الفصحى! وقد لا نجد سوى قلّة قليلة مِمّنْ يُتقنون هذه اللغة، حتى بين المثقفين !

•       تعلّمُ اللغة العربيّة الفصحى هو بمثابة تعلّم لغتين: الأولى مكتوبة والثانية مقروءة، وقد نجد كثيرين يُتقنون كتابة النصوص، إلّا أنّهم يخفقون في قراءة ما يكتبونه بشكلٍ صحيح!

•       مع مرور الزمن، قد تصبح الفصحى مقتصرة على المُلتزمين بالدين الإسلامي كونهم بحاجة لها لقراءة القرآن الكريم، بينما يُقلّلون من استعمالها في مراسلاتهم وكتاباتهم غير الدينية، علماً أنّ لغة الضاد موجودة في نجد والحجاز واليمن ومناطق أخرى قبل الدعوة الإسلامية!

•       نجد معظم الأجيال الناشئة ، للأسف، تكتبُ مراسلاتها في لغة أجنبية، كالإنجليزيّة بالإجمال، لأن تلك اللغة تطوّرت مع الزمن واستوعبت المرادفات الحديثة كافة، وذلك بعكس لغتنا العربيّة التي تفتقر للكثير من الكلمات التي نحتاج اليها للتعبير عمّا نريد وصفهُ!

•       على الرغم من أن تعداد كلمات اللغة العربية يتجاوز الملايين، إلّا ان ذلك قد لا يكون مصدر غنى، لأن الكلمات التي نستعملها أقل بكثير من الكلمات الموجودة والتي أصبحت نسياً منسيّاً!

والله أعلم!

بشير القزّي

قياسي

كلمة في رحيل هنري، ابن الشاعر هنري زغيب

أخي الكريم هنري،

آلمني جداً خبر وفاة ابنكم هنري وهو الذي لم أعرف عنه الكثير قبل رحيله! أصعب ما في هذه الحياة أن نخالف سنّتها والتي بُنيت على ان يرافق الإبن والده حتى مثواه الأخير لا أن يحصل عكس ذلك، فيودّع الأبُ إبنه وهو الذي سهر على تنشئته مذ فتح عينيه على الدنيا!

إن الإبن الذي ربا في كنفكم لا بدّ انه تحلّى بالكثير من القيم والأخلاق التي أخذها عنكم فيصحُّ فيه القول: “لا بدّ أنّ ذاك الشبل من ذاك الأسدِ”، وسيترك فقدانه جرحاً عميقاً قد لا يلتئم مطلقاً مهما طال الزمن!

وصلتني فائضٌ من رسائل التعزية الموجهة لكم، كون ان الكثيرين يعتبرونني من الأصدقاء المقربين لكم ، وأنا في حيرة بين أن أرسلها لكم اليوم أو أتريّث في اتخاذ هكذا قرار!

بالنيابة عن كلّ الذين عرفوا أدبكم وشعركم وأرسلوا لكم عبري رسائل المواساة وبالأصالة عن نفسي وعائلتي، أتوجّه منكم ومن أفراد العائلة كافة ًبالعزاء النابع من الصميم ونضرع إلى الله ان يرأف بولدكم في الدنيا التي هو راحلٌ اليها!

بشير القزي

مونتريال ٢٣ تشرين الأول ٢٠٢٤

قياسي

في وداع ابن عمّي هاني…

في وداع ابن عمّي هاني…

في خضمّ الرياح التي تعصفُ في بلادنا الأم وصلني خبر رحيلكَ، يا ابن عمّي هاني! كنتَ أوّل تربٍ رافقني مذ فتحتُ عينيّ على هذه الدنيا الفانية والتي عايشنا فيها الأمرّين خلال سنيّ عمرنا!

عادت بي الذكريات إلى أيامٍ مضت وكأنّي أحضر فلماً وثائقياً عن سنيّ حياتنا! كنّا طفلين ننظر الى الدنيا بشغف، وكأننا سنمتلكها، إلّا أنّ الواقع كان عكس ما تمنّينا!

أذكرُ الشقّة التي كنتم تسكنونها في منطقة راس النبع في بيروت كما أذكر تفاصيل كل غرفة من الغرف!

منذ ثلاثة أسابيع وردتني رسالة من صديق قديم، اسمه حسن خليل، كان يدرس معنا في الليسّيه الفرنسي، وقد سألني عنك! أخبرته أن صحّتك ليست على ما يرام، إلّا أنّي لم أتخيّل ان ساعة الوداع قد حان أوانها!

هل تذكر الثلاثة أسابيع التي أمضيناها في التدريب العسكري في بيت الدين؟ كانت أوّل مرّة نبتعد فيها عن شاطئنا! كانت المسافة التي تفصلنا عن منزلينا، في الرميلة ووادي الزينة، لا تزيد عن عشرين كيلومتراً ! كان الهواء أقل رطوبة عمّا تعوّدنا عليه!

أذكر أن الرقيب، في ليلة ما، لم يجدك في الخيمة عندما أجرى دورته الليلية! لذا حكم بأن يحلط شعرك المجعّد كقصاص لك! وكان ذلك قبل يومين من انتهاء التدريب!

صباح الرحيل لم ننتظر الباصات للعودة! حمل كلّ منا حقيبته ومشينا في الوادي حتى وصلنا إلى طريق دير القمر! استقللنا إحدى سيّارات الأجرة الذاهبة باتجاه الدامور! إلّا أننا ما ان وصلنا إلى “ملقى النهرين” ، الذي كان على مقربة من بلدة الدامور، حتى اشتممنا رائحة رطوبة البحر، فانهمرت دموعنا وأخذنا نبكي ولم نتمكن من تمالك أحاسيسنا!

أحببنا منطقتنا وبلادنا حبّاً لا يوصف! كم من الليالي أمضناها سوياً على الأسطح خوفاً من أن يغدر بنا أحد!

حبّنا لمنطقتنا لم يكفِ للحفاظ عليها! كانت النتيجة أن شُرّد جميع السكّان ولم يبقَ منهم مُخبّر! هرب الجميع أكانوا أطفالاً أو شبّاناً أو كهولاً أم شيوخاً! ولم يعد منهم أحد ما لم يكن ضمن صندوق خشبيّ ليوارى الثرى في مقبرة العائلة!

استودعك الله يا ابن عمّي!

بالنيابة عن زوجتي ميشا وابنتي دانه وعائلتها وبالأصالة عن نفسي، أتقدم بالعزاء النابع من القلب من زوجتك جاكلين ومن إبنيك رياض ورشاد وابنتك نايلا واختك دنيا وعائلاتهم وعائلات أخويك المتوفّين وليد ومكرم وأبناء وبنات أعمامك وعائلاتهم وكل الأقارب، وسيبقى ذكرك الطيّب في قلوب الجميع!

ابن عمك

بشير

مونتريال ١٥ تشرين الأول ٢٠٢٤

قياسي

حيفي على أممٍ…

حيفي على أممٍ…

حيفي على أممٍ ثكلت أخلاقها وأضحى الشرّ يحكم مسارها فتسبّبت بموت كلّ من عاداها وخلّفت المآسي حول كلّ من جاراها!

ألمي ليس على الذين رحلوا عن دنيانا بل على مئات الآلاف من الشهداء الأحياء والذين سيعيشون بعاهاتهم كلّ ما تبقّى لهم من السنين التي سيحيون بها وهم يعانون ممّا أصيبوا به! كم من الذين أصيبوا بُترت أطرافهم أو بُقرَت أعينهم اوسُحقت عظامهم أو غير ذلك! سيذكرون بمرارة تلك الساعات الأليمة التي مرّوا بها وستدوم آلامهم حتى مماتهم!

أسفي ليس على المعابد التي هُدمت بالقدر الذي أجده لدى الذين زُهقت أرواحهم أو أُصيبوا في القصف! إنّ ما بناه الإنسان يعيدُ بناءه الإنسان أما ما نفخ فيه الرب فلا يعيده أحد!

إن القذائف التي تزن أطناناً “مطنّنة” والتي يجري رميها ليلاً لتظهرَ لهيبها في السماء الداكنة ليست ألعاباً ناريّة يُصفِّق لها المشاهدون، بل هي أسوأ ما توصّل له العلم في القضاء على كلّ من تواجد على مقربة منها!

أهلْ نسامحُ  الذين يلعبون بالنار ويحرقون الأخضر واليابس ويتسبّبون بالقضاء على الآلاف من أولئك الذين لا ناقة لهم ولا جمل؟ بأيّ دين يؤمنون إذا كان إيمانهم يسمح لهم بهكذا إجرام؟

أمّا الدول التي تزوّدهم بقنابلها في الوقت الذي تدّعي فيه سعيها إلى السلم، فهل هي براء من أن يكونوا شركاء بالجرم؟   

وكان الله في عون البائسين…

قياسي

انقلاب ثقافي

إنقلاب ثقافي

نشأ كلٌّ منا وهو يسمعُ، بين الحين والآخر، عن انقلاباتٍ في الميادين السياسية في بلداننا، أو البلدان المجاورة لها، وقد أدٌت تلك الانقلابات إلى سفك الكثير من الدماء البريئة في معظم الأحيان، كما نتج ظهور زعماء جدد كانوا أحياناً أسوأ من الذين قامَ زعماء الإنقلاب بالتخلّص منهم!

إلّا انه في الميدان الثقافي لست على علمٍ  بأيّ انقلاب حدث في الماضي القريب أو البعيد، لتغيير رئيس مجموعة نظراً لاختلاف بالرأي بينه وبين أعضاء من مجلسِ المجموعة! وهذا مع لفتِ النظر أن من يصبح عضواً في تجمّع ثقافي لا يعني أبدا أن ذاك الشخص أصبح يُعدُّ مثقفاً مهما مكث في مركزه! المعضلة في مجتمعاتنا أننا نتباهى أكثر ممّا نستحق ونجعل من الكراهية سبيلاً لإفشال مشاريع غيرنا دون ان يكون لدى الانقلابيين أيّ فكرة جديدة! خلال السنوات الأخيرة عجز أيٌّ من أعضاء المجلس عن تقديم فكرة واحدة تؤدّي إلى عمل ثقافي جديد! أمّا إذا قرأنا نصاً كتبه أحدهم فنتساءل: هل غيّروا اسم المنتدى من ثقافي إلى غير ثقافي؟

“ولا تَظُنَّنَ الذين احتلّوا مراكزَ قد أصبحوا أهلاً لها

فكم من السفُنِ التي استوليَ عليها غرقت بخاطفيها”

وهنا لا بدّ من طرح بضعة أسئلة:

·     هل يجوز تجاهل رأي الأعضاء لدى إجراء تغييرات في المجلس الإداري؟

·     هل من الجائز تنحية رئيس المنتدى  دون توجيه تهمة له؟ وهل يجوز إصدار حكم عليه دون السماح له بالدفاع عن نفسه؟

·     هل يجوز تغيير رئيس المجلس دون دعوة الرئيس الى جمعية عمومية أو حتى اجتماع للمجلس الإداري؟

·     استناداً إلى أي قانون يجوز لبعض أعضاء المجلس الإداري التنقّل خٍفية  والذهاب ألى “مسجّل الشركات “لإجراء تعديلات في المراكز وتغيير الرئيس دون إعلام الرئيس نفسه؟

·     هل من المقبول اعتبار الأعضاء مجرّد ارقام لا يوجد لهم أي حق في الإعلان عمّا يرغبون به؟ 

وتعود بي الذاكرة إلى واقعةٍ حدثت منذ قرابة العقدين. صاحب هذه الواقعة هو صديق كريم تربطني به علاقة مميزة تعود إلى سنين طويلة!

كنت وقئذٍ نائباً لرئيس إحدى الجمعيات الكبيرة والهامة في مونتريل. تمّ الإعداد لسهرة عشاء هامة في وسط المدينة وكانت بطاقة الحضور تصل إلى قرابة الثلاثمائة دولاراً. أمّا عدد الحضور فكان يفيض على الستمائة شخص! وكان الكثير من المدعوين من الشخصيات البارزة في البلاد وبينهم وزراء ونواب وغير ذلك!

كنت أجلس على طاولة قريبة مما يسمى بطاولة الشرف. وكان بين الذين كانوا على تلك الطاولة شخصٌ يمثّل الجهة التي ينتمي إليها على الصعيد الكندي، بينما تمّ إجلاس من يمثّل تلك الجهة على صعيد كيبيك على طاولة قريبة جلس عليها عدد من النواب!

بعد ان جرى الترحيب بالشخصيات الرسمية، انسحب صديقي من طاولته وترك الاحتفال!

ما ان جاء نهار الاثنين حتى وصلني اتصال من مكتب صديقي. ما ان أخذت المكالمة حتى انهال عليّ بكلامٍ قاسٍ لم أسمعه من قبل! قال لي: “تمّ إعلامي أنك كنت المسؤول عن إجلاس المعازيم!” أجبته بالنفي وبأنني لم أتدخّل بالأمر إلّا أنني على علم أنهم استشاروا البروتوكول! قام بلعن البروتوكول وقال:” ليتكلم معي مسؤول البروتوكول ويشرح لي موقفه!” وإذ وجدت أني أمام حاجز لا أستطيع تجاوزه، توجهت نحو صديقي قائلاً: “صاحب السعادة، انت من تُشرّف الطاولة، وليست الطاولة التي تُشرفك! ” ثمّ استطردتُ قائلاً بعد ان توقّف عن الحديث: “والطاولة التي تجلس عليها تصبح طاولة شرف أينما كانت!”

أجابني أنه لا يريد أجوبة دبلوماسية،  إنما تمكنت من تجاوز المحنة وانتهى النقاش!

قياسي