عادة تقبيل اليد

عادة تقبيل اليد

خلال متابعتي للمسلسلات التركية على مدى السنوات الماضية، عادت إلى ذاكرتي مشاهد من الماضي، تتوزّع على قسمين:

• القسم الأول يتعلّق بطريقة السلام على السيدات الأجنبيات القادمات من الغرب:
فقد كان الرجل، عندما يبادر إلى السلام على امرأة، ينحني أمامها، ويمسك بيدها ويقبّلها، تعبيراً عن الاحترام والتقدير.

• أما القسم الثاني، فيتعلّق بطريقة السلام المتّبعة لدينا نحن المشرقيين:
إذ كان الأصغر سناً والأقل مكانةً يقوم بتقبيل يد من يفوقه سناً أو مكانةً وقدراً. وكنا نردّد في هذا السياق المثل القائل: «اليد اللي ما فيك ليها، قبّلها وادعِ لها بالكسر».

وحين عادت بي الذكريات إلى بدايات مرحلة المراهقة، تذكّرت أنني، بوصفي أكبر إخوتي سناً، كنت أكنّ لوالديّ بالغ التقدير والاحترام، وأدرك حجم الجهود التي كانا يبذلانها، من دون كلل أو تذمّر، من أجل تنشئتنا على أفضل القيم والمبادئ.

ومن هنا، تولّدت لديّ قناعة بأن من واجبي أن أعبّر لهما عن هذا التقدير بتقبيل يد كلّ منهما كلما التقيت بهما، تبجيلاً واحتراماً واعترافاً بفضلهما.

غير أن والديّ كانا يرفضان هذه المبادرة، إذ إن المجتمع الذي كنا نعيش فيه لم يكن يألف مثل هذه الممارسة. لكن إصراري على تقبيل يد والدي ووالدتي جعلهما، مع مرور الوقت، يرضخان لرغبتي على مضض!

وهكذا، اقتدى بي أخواي، وأصبحت هذه العادة جزءاً من تقاليدنا العائلية، وظللنا نمارسها حتى آخر أيام حياة كلّ من والدينا.

إلا أن ما فاجأني، قبل فترة، كان تصرّفاً عفوياً صدر عن حفيدة لي ولزوجتي، وهي باكورة أحفادنا التي رزقنا الله بها، ولا يتجاوز عمرها السنتين والنصف!

فقد حال القدر دون أن تتعرّف إلى والديّ، اللذين غادرا هذه الحياة قبل أن ترى النور. وعلى الرغم من أنها تقيم في منزل قريب من منزلنا، فإننا نحرص يومياً على التواصل معها عبر «الفيس تايم»، وهي تفرح كثيراً بكل مكالمة نتبادلها معها.

وفي مكالمتنا الأخيرة، وقبل أن تودّعنا، استدارت نحو والدتها وقبّلت يدها، ثم التفتت نحو والدها وقبّلت يده أيضاً!

لقد فوجئت بهذه المبادرة العفوية، وتساءلت في نفسي: من أين أتت بهذه العادة؟

فهي لم ترني يوماً أمارس هذا الأسلوب في التعبير عن الاحترام، كما أنها لم تشاهد أياً من أصدقائها أو رفاقها الذين يعيشون في هذا البلد الغربي يقوم بتقبيل يد أحد والديه.

فهل هي مجرّد مصادفة بريئة؟ أم أن بعض العادات والقيم الجميلة تجد طريقها إلى الأجيال الجديدة، حتى من دون أن نعلّمها إياها؟ لقد أعادتني حفيدتي، من خلال حركة صغيرة لا تتجاوز ثواني معدودة، إلى ذكريات عزيزة على قلبي، وربما أكّدت لي أن احترام الوالدين وتقدير فضلهما ليسا مجرد عادة اجتماعية، بل قيمة إنسانية قد تتوارثها الأجيال بطرق لا نعرف لها تفسيراً

قياسي

اترك تعليقًا