
رسالة إعتذار
زوجتي الحبيبة…
ها إن السنين قد ولّت وقد انقضى منها أربعة عقودٍ ونصف مذ أن التزم كلّ منّا بالآخر! عزمنا يومَ زفافنا على أن نمضيَ معاً من العمرِ ما تسمح لنا به الحياة، وأن يجمعنا فراش واحد كلّ ليلة، وفي كلّ صباح نرتشف فنجان قهوة نتسامر حوله، ونتقاسم لقمة العيش التي نقتاتُ بها. تمنّينا ان يزداد مع الزمن تعلّقُ كلّ منّا بالآخر، وأن ننشئ عائلة تحمل المُثُلَ والقيم والأخلاق التي تربينا عليها والتي صنعت منا ما نحن عليه اليوم!
أذكر ان يومَ زفافنا جاء عقب يوم عصيب، شنّت فيه إسرائيل غارات على أبنية تحيط ببيروت، فاستشهد العشرات من الأبرياء، فيما دمّرت الطائرات المغيرة خمسة جسور كانت تربط الجنوب اللبناني بالعاصمة!
لم يكن من السهل أن تنتقل العروس من بلدة عين علق في المتن الشمالي وهي في كامل زينتها، لتعبر من المنطقة الشرقية إلى المنطقة الغربية وصولاً إلى كنيسة الرميلة حيث أقيمت مراسم الزفاف! وكانت الورود والأزهار مقطوعة من الأسواق بسبب ما جرى في اليوم السابق، فاضطرّ المحتفون إلى إخفاء ما أحضروه من منزل العروس، داخل صناديق سياراتهم خشية أن يثير منظرها مشاعرالذين كانوا يودّعون أحبّاءهم.
وصلت العروس إلى الكنيسة في الرميلة وأقيمت مراسم الزفاف بحضور الأهل والأصدقاء ثمّ انتقل الجميع إلى منزل الوالدين في وادي الزينة حيث جرت مراسم الاستقبال وتقبّل التهاني وأقيم كوكتيل إحتفالي قدّمت خلاله كؤوس الشمبانيا المبرّدة!
في نهاية المطاف توجّهتُ برفقة العروس في سيارة أخي صلاح باتجاه بيروت حيث كانت قد حُجزت لنا غرفة في فندق السمرلاند!
وفي الطريق وعند مرورنا بمنطقة السعديات، وبينما كانت السيارة تجتاز حفرة عميقة خلّفها القصف، قطعت على نفسي عهداً بأن أبذل ما أستطيع طوال حياتي لأجعل من تلك الفتاة التي اقترنت بي أسعد إنسانة في الكون!
غير ان الإنسان يخطّط والحياة تمضي بما لا تشتهي السفن.
واليوم ، وبعد خمسة وأربعين عاماً من تلك اللحظة، أقف أمامك لأقول بكل صدق: لقد حاولت ما استطعت، وأصبت أحياناً وأخطأت كثيراً وإن كنت قد قصّرت في حقك، أو عجزت عن أن أحقق لك كل ما حلمت به ووعدت به نفسي يومَ زفافنا، فإني أتقدم منك باعتذار صادق من أعماق قلبي.
أعتذرعن كل لحظة خذلتك فيها، وعن كل كلمة كان يمكن أن تكون أرقّ. وكل موقف كان يمكن أن أكون فيه أكثر قرباً واحتواءً. وأشكرك لأنك كنت شريكة العمر، ورفيقة الطريق، وأمّاً لأبنتنا، وسنداً في أيام الفرح والشدة!
فإن كان لي من رجاء في هذه المرحلة من العمر، فهو ان تتقبلي اعتذاري كما تقبلت معي أفراح الحياة وأتراحها، وأن يبقى ما يجمعنا من مودة ورحمة أكبرمن كل تقصيروأبقى من كل عثرة.
لك مني كل المحبة والامتنان، والدعاء بأن يبارك الله ما تبقّى من أعمارنا، وأن يجعل أيامنا المقبلة أكثر هدوءاً وسكينة، وان يديم علينا نعمة الصحبة التي بدأت ومنذ خمسة وأربعين عاماً، وما زالت أغلى ما أملك.
أطيب تمنياتي مجدداً
بشير
١٨ تمّوز ٢٠٢٦