My Greetings for this year

صورة

أنا وأخي صلاح (٥): أبو يوسف

ولا تجعلنَّ السوءَ الذي جَنَيتموهُ من خيرٍ قُمتُم بتقديمهِ يُثنيكم عن معاودةِ فِعْلِهِ، إنَّ الامتناعَ عن تقديمِ العونِ لَمِنْ ألعَنِ الشّرور

كانت شخصيّة أبو يوسف تتميّز بقامته المعتدلة، المربوعة الشكل والبدينة الجسد. رأسه المائل الى الضخامة علاهُ شعرٌ كثيفٌ يتموّج بين الأبيض والأسود وقد  بدأ يخفّ في أعلاه مُعطياً شكلَ مُسطّح ! أمّا وجهه الأبيض السُّحنة والممتلئ عند الوجنتين فكان يُلفت النظر بالحاجبين الأفقيّين اللذين يتموّجان مع كلّ كلمة ينطق بها!

رزَقهُ الله سبعة أولاد، بينهم ابنة واحدة، ولم يألُ أيّ جهدٍ للسّعي لتوفير العيش الكريم لهم ولزوجته. وقد أرسل أولاده إلى مدارس محترمة ومعروفة كي يُحصّلوا العلمَ من أجل إعدادهم لمستقبلٍ باهر. منهم من حصّل شهاداتٍ وعمل لدى شركات معروفة، ومنهم من هاجر الى بلادٍ بعيدة سعياً لحياة فضلى.

في البدء كان يعمل كطاهٍ في أحد مطاعم المدينة بيروت. كان يستقلّ بوسطة “الصّاوي زنتوت” ذهاباً وإياباً. أما العودة في المساء الى المنزل، فكانت أصعب من مغادرته، مع ان المسافة التي تفصلُ بيته عن الطريق العام تناهز الكيلومترين . رغم التعب الذي كان يُرهقهُ في عمله طوال النهار، كان عليه، بعد النزول من البوسطة، المشي نحو بيته في الضيعة. ذاك المشي يُعدّ بمثابة تسلّق إذ كانت البلدة مبنية على مرتفع. وبالرغم من ان نصف المسافة مستقيمة، إلّا انها كانت مُتعِبة ومُمِلّة!

أذكر أنه زارنا، ذات صباح، في منزلنا في بيروت. كنت في الثانية عشرة من عمري وقد التزمت الفراش نظراً لإصابتي بوعكةٍ صحيّة مع ارتفاع لحرارة جسمي وإصابتي برشحٍ قوي. جلس على كرسيّ خيزرانيّ بالقرب منّي وسألني عن عوارض مرضي. بعد ان أعلمته بما أصابني، تكا رأسه قليلاً نحو اليسار وسند ذقنه بيده اليسرى وأرمقني بنظرة حادقة، ثمّ قال لي بصفة الأمر وهو يُحرّكُ حاجبيه: “هذا “كريب”، أتنملوش!” (بما معناه: لا تلزم الفراش من أجل ذاك المرض)

مرّت الأيام وانتقلنا الى السكن في منزل بناه والدي، على مفرق البلدة. كان أخي صلاح يمارس مهنة المحاماة في مكتبه آنذاك في مدينة صيدا. أما صاحبنا، الذي كبر في السنّ، فقد انتقل عمله الى مطعم بالجوار، على نحو كيلومترات، ولم يعد يعمل في العاصمة نظراً للظروف الأمنيّة. ذهاباً وإياباً ، من المفرق ونحو المفرق، كان يستقلّ إحدى سيارات الأجرة.

لدى العودة، كان ينظر يميناً وشمالًا، علّه يجد أحد أبناء الضيعة، ممّن يتنقلون بسياراتهم، يحمله معه كي يُقصّر الطريق ويُخفّف عن جسمه مشقّة تسلّق الهضبة…

إلّا أن أبناء الضيعة، كانوا ما أن يمرّوا على مقربة منه، لسبب ولآخر، يُديرون رأسهم نحو الناحية الأخرى، تجنباً لإركابه في سياراتهم، مع أنهم يسكنون على مقربة من منزله…

وإذ كان صلاح يعود من عمله في نفس الوقت تقريباً، ومع ان منزلنا كان في أوّل الطريق، كان يشفقُ على أبي يوسف ويُقلّه معه، ويسلك الطريق طلوعاً لإيصاله الى منزله، ثم يعود الى بيتنا!

وإذ أصبحت عمليّة النقل تتوالى يوماً بعد يوم، تعوّد أبو يوسف على الاستفادة من طيبة قلب ناقله. إلّا أنه في أحد الأيام، صدف أن صلاح تأخّر على موعدٍ هام ولم يكن باستطاعته إقلال صاحبنا. في الوقت الذي مرّت سيارة أخي بالقرب منه ولم تتوقّف، صرخ أبو يوسف متذمراً ورافعاً يديه من الغضب!

وفي نفس الليلة أخذ أبو يوسف يطلق الإشاعات أن صلاحاً متكبّر وغير خدوم وغير مؤدب وإلى ما هنالك من أوصاف، وكلّ ذلك على الرغم من أنه لم يشْكُ يوماً من الذين تجاهلوه على الدوام ولم يتوقفوا يوماً لمساعدته!

قياسي

حكاية عروس

حكاية عروس (أنا وأخي صلاح ٤)

كنت قد طلبت من صلاح أن يكتب هذه القصّة لسببين: أوّلهما أنه عاشها بحذافيرها ولم أعرف تفاصيلها إلّا من خلال ما قصّه عليّ، وثانيهما لأنّي تعدّيت على “المصلحة” عندما بدأت الكتابة بهذه اللغة، نظراً لأنه عُرف بفصاحته منذ صِغر سنّه، في الوقت الذي كنت فيه منكبّاً على إتقان العلوم والرياضيات والتي كانت وما زالت بعيدة عن مجالات الأدب!

وإذ تبدأ القصّة لدى أحداث تاريخية وقعت منذ أقلّ من أربعة عقود، بدأت اسأل نفسي: “من كتب التاريخ؟ وهل كُتِبت أحداثه بشكل مُحقّ وعادل؟”

للحقيقة بدأت أشكّ في كل ما رُويَ، وما كتَبَ التاريخَ إلّا من انتصر، وصوَّر نفسه أنه الفريق الذي خلّص العالم من خطر أناسٍ شرّيرين كانوا سيفتكون بالشعوب ويقضون على الديموقراطية! أطلب السماح من الذين يقرأوني لأنّي بدأت أشكّ في كلّ ما أقرأه، وقد يكون المنتصرُ أشرَّ فتكًا ممن خلّصنا منهم، وكم من شاةٍ افترسها ذئبٌ لأنها عكّرت صفوَ مياه النهر الجارية باتجاهها من نحوه وذلك على الرغم من توسّلها واعتذاراتها!

قبل بزوغ فجر ذاك الصباح في منتصف شهر نيسان من سنة ١٩٨٥، وعلى صوت زمّور سيارة لا يتوقّف، استفاق صلاح ووالداي من رقادهم العميق في منزلنا العائليّ الواقع على مفرق بلدة جدرا في إقليم الخرّوب. ما ان فتحوا الشبّاك الزجاجي لمعرفة مصدر الصوت حتى صاح ملحم، وهو ابن عمّتي، صارخاً بأعلى صوته: “اهربوا! وُصلوا! سقطت المنطقة!”. وكانت أصوات الرصاص المنهمر باتجاههم تدلّ على ان المهاجمين أصبحوا على مقربة منهم!

هرعوا بالهرب في سيارة أخي الصغيرة والتي كانت من نوع تويوتا. حملوا معهم أوراقهم الشخصية وألبوم صور العائلة وأحرمة والقليل من الملابس. والغريب أن والدتي ارتأت أن تحمل معها لأخي بدلة “التوكسيدو”، وحتى الساعة لا نفهم لماذا؟ عند خروجهم من البيت رمت الوالدة المفاتيح امام باب المدخل الخشبي الضخم المصنوع من الماهوغاني وذلك حتى لا يقوم الغازون بخلعه. تركوا في الحديقة كلبي الحراسة وأقفلوا باب السور الحديدي وراءهم. علمنا فيما بعد ان الكلبين تمّ قتلهما!

سلكوا الطريق الساحلي باتجاه صيدا وانعطفوا نحو بلدة جون وهناك انحرفوا عبر طريق عسكري ظنوا أنه يوصلهم الى طريق جزّين، إلّا أنهم وصلوا الى طريق مسدود حيث تجمّعت سيّارات الهاربين والتي تمّ تركها. مشوا زهاء الساعة حتى وصلوا الى طريق جزين. وإذ لم تتوقف أية سيارة لنجدتهم، عاد أخي ادراجه الى سيارته وأستقلّها تحت الرصاص وسلك طريقا محفوفاً بالأخطار حتى تمكّن من نجدة والديه!

لن أطيل الشرح على القرّاء عمّا حدث في ما بعد، إلّا ان آخرة المطاف كانت بأن استقلوا الطائرة نحو الولايات المتحدة ولم يكن أي منهم يحسن التكلّم بالإنجليزية! كان أخي الصغير حميد يسكن مدينة توليدو في ولاية أوهايو. ومن ثمّ انتقلت العائلة الى ولاية فلوريدا !

كانت تربط والديّ صداقة بعائلة ثرية من ولاية ماساتشوستس. كان للوالدين أربع بنات ربينَ على تكديس الثروات واقتناص الأموال. كنّ جميلات المنظر إلّا ان ولعهنّ بالمال كان لا يُضاهى.

تمّ العزم بين العائلتين على تزويج صلاح الى البنت البكر، ماريّا، وكانت تمْتَهنُ المحاماة. وإذ كان أخي قد فقد كلّ ما يمتلكه إضافة الى مهنته كمحام في وطنه الأم، لم يكن لديه من خيار إلّا الترحيب بالفكرة، وبالأخص لأنه كان لا يتقن اللغة بالإضافة الى كونه بدون أوراق رسمية أوإذن عمل في البلاد الجديدة وليس لديه مهنة يستطيع ممارستها!

لبّى أخي الدعوة وسافر للمكوث بضعة أيام لدى العائلة. وإذ كان المنزل مؤلفاً من طابقين، مكث في الطابق السفلي “البيسمنت”. بدأ يشعر بالامتعاض خصوصًا بعد ان وجد أنه مراقب بشكل غير اعتيادي. ما ان يتلقى اتصالا هاتفيا حتى يشعر ان كل السماعات الموجودة في المنزل تصغي جميعها الى محادثته. كانت الفتيات تشكّلنَ فريقًا متعاضداً اشبه بالعصابة. فوجئ مرة بسؤال ماريا: “إذا كنتُ أغرقُ في البحر وكانت والدتك تغرقُ معي في نفس الوقت، من تُنقذ في الأوّل؟” صُعقتْ عندما أجابها “والدتي” مبرّراً ذلك بأنه يستطيع الإتيان بزوجة أخرى إلّا انه لا يستطيع الإتيان بأم جديدة!

كانت الابنة الثالثة “جمانا” مخطوبة لشاب وكانوا يعدّون لحفل الزفاف الذي كان مقرراً بعد أيام من وصول أخي. كانت التجهيزات جارية على قدم وساق وتمت دعوة المئات للحفل.

وعند درج الكنيسة كانت المفاجاة. كلكم سمعتم عن عروس تهرب نهار عرسها، إلّا ان الجميع تفاجأوا بهروب العريس الذي تردّد في آخر لحظة خوفاً من علقة لا تُحمد عقباها!

سأل والد العروس أخي: “رغم كلّ ما حدث، أما ترى أن الحفل كان ناجحاً وعلى أكمل وجه؟”

ثم سأله: “بما اننا اشترينا مسبقاً تذاكر السفر للعريسين وتكلفة الإقامة في أفخم الفنادق في روما، ما رأيك ان تسافر مع العروس، بدل العريس، لقضاء فترة شهر العسل؟”

طبعاً، رفض صلاح العرض، ثم سعى بكل ما بوسعه للفرار بدوره من وقعة لا تُحمد عقباها وتذرع بمرض الوالدة للسفر لمدة قصيرة أبعدته عن تلك العائلة لمدى الحياة! 

قياسي

لغتي واللّيرة

هل من الممكن أن يكون الإنسان غنياً وفقيراً في نفس الوقت؟

بعد ان وردتني مجموعة من التعليقات والمداخلات وبعد نشري لمقالي الأخير والذي كتبته تحت عنوان “أنا ولُغتي”، سأحاول الاستطراد بإضافة بعض الأفكار والمعلومات…

بعد الكارثة الاقتصادية التي حلّت في بعضٍ من بلادنا المشرقيّة، وجدنا ان الكثيرين من أثرياء أوطاننا الذين كانوا يودعون أموالهم في مصارف تلك الأوطان، واضعين كلّ ثقتهم في نظام مصرفيّ حافظ على كيانه طوال عقود مضت، قد أصبحوا في مأزق قد لا يتمكّنون من الخروج منه دون تسجيل خسائر فادحة! ففي الوقت الذي تُظهر الأرقام أنهم يمتلكون الملايين من الدولارات المودعة في تلك البنوك ، نجدهم لا يستطيعون صرف إلّا ما قلّ من تلك الأموال، وممّا قد لا يكفي لتغطية احتياجاتهم المعيشية ، ولا يتمكّنون من سحب أموالهم إلّا من خلال سحوبات قليلة محدودة، وذلك بالليرة المحليّة التي انخفض سعرها إلى الحضيض! وهكذا أصبحت الملايين لا تساوي شيئاً وأصبحت المصارف لا تعطي أهمّيّة إلّا لما يُسمى “بالفرِشْ ماني  Fresh money ” وهي العملة بالدولار أو اليورو والداخلة بشكل طازج من الخارج! أمّا العملات التي تم إيداعها في السابق ومن نفس العملات، فليس لديها أية قيمة ملموسة!

وهذا ما ينطبق على حالنا مع لغتنا العربيّة! لغتنا غنيّة بملايين الكلمات التي تستوعبها، إلّا أنها فقيرة في أننا قلّما نجد بين كلماتها ما يفي بالحاجة لوصف أدوات ومستجدات عالمنا الحديث ولا نستطيع التعبير بشكل سهل عمّا نريد وصفه إلّا إذا أدخلنا كلمات أعجميّة ضمن النص “Fresh words”

ونستخلص انه لا يكفي أننا لم نخترع شيئاً مهمّاً ضمن معظم ما تمّ استحداثه خلال القرون الماضية، إلّا اننا تكاسلنا لدرجة أننا لم نجهد  بابتكار تسمياتٍ جديدة عربية لكلّ تلك المعطيات! وما يجب ألّا ننساه أن لغتنا تمّ طمرُها طوال قرون طويلة ماضية لم يتم خلالها إصدار أيّ عمل أدبي، وما استعادت الحياة إلّا بفضل بضعة أدباء قاموا بإحيائها بعد أن كانت ترقد تحت الأنقاض!

قياسي

أنا ولغتي

فليسامحني كلّ من سيقرأ كلماتي ويطّلع على ما سأدلي به!

عُرفتُ منذ زمن،  بأنّي أمشي منفرداً وبخطىً ثابتة في طريقي، ولا ألتحق بالقطيع الذي يزحف باتجاهٍ مغايرٍ خلف كرّاز يتبع سيّده، ولا نعلم إن كان ذاك القطيع يتّجه نحو المراعي الخصبة أو الأراضي القاحلة!

ضقتُ ذرعاً بالتغنّي بأن لغتنا العربيّة هي من أغنى لغات العالم بعدد الكلمات التي تحويها! وإن عدد تلك الكلمات يتجاوز ١٢ مليونًا وهو عشرون ضعفًا لعدد الكلمات التي تحويها اللغة الإنجليزية وثمانون ضعفاً لما تحويه اللغة الفرنسية!

وهذا ما يجعلني أتساءل: هل نجد بشرياً واحداً مرّ عبر التاريخ وقد تمكّن من استيعاب كلّ هذا الكم من الكلمات ؟ حتى المعاجم تعجزُ عن احتوائها…

وما الفارق بين كلمةٍ نجهل معناها ، أكانت في العربية أو أيّة لغة أخرى؟

ومع توافر كل هذه الكلمات العربية، نجد ضعفاً لدى مجمل المتعلّمين في كتابتها دون أخطاء، في الوقت الذي نجد صعوبة في وصف أيّ من الأمور التي تحدث معنا خلال النهار، ونفاجأ بأن أكثرية النشء الطالع يلجأون الى لغة أجنبيّة للتخاطب اليومي عبر ما يتداولونه من رسائل! ألا يعود ذلك إلى أن معظم مخزوننا من الكلمات العربية انقرض أو بَطُلَ استعماله بينما نفتقر إلى إيجاد مفردات حديثة لوصف أشياء وأدواتٍ ومواقف نصادفها يومياً ولا نجد في لغتنا الغنيّة ما يُغني عن اللجوء إلى كلمة أجنبيّة تفي بالحاجة!

لدى لقائي منذ أكثر من سنتين بمجموعة من الأصدقاء الذين يهوون كتابة الشعر وإلقاءه، وإذ وجدوا لديّ بعض الإلمام في اكتشاف أخطاء لُغويّة يقترفونها ، طلب منّي أحدهم أن أقوم بتصحيح نصٍ قام بكتابته. وإذ كنت أقرأ نصّه وقعت على كلمة “الهزبر” فسألته عن معناها. انتفض وصاح بي وهو يسحب من أمامي ورقته: “أنت تُصحح لي ما كتبتُهُ ولا تعرف معنى الهزبر؟ إنه الأسد!” أجبته أني قد نسيت معنى تلك الكلمة التي لم أصدفها منذ طفولتي ولم أستسغ استعمالها في نصّ أدبي!

وهنا أتساءل: ما الفائدة من معرفة المئات أوالألوف من المرادفات للسيف والحصان والأسد وغير ذلك بينما لا نلجأ إلى استعمال تلك الكلمات في كتاباتنا إلّا فيما ندر؟

وبالنهاية أستخلص ما يلي:

  • أمّا أن يعرف المرء المزيد من المرادفات فهذا شأن يعنيه وحده مباشرة ويدلّ على اتساع ثقافته وكثرة مطالعاته.
  • أمّا عندما يكتب الانسان نصاً ، فهذا أمر يعني قرّاءه، وإذا احتاج هؤلاء القرّاء للاستنجاد بالمعجم لاستيعاب كلماته فهذا يُعدّ أنه قد أخفق في كتاباته إذ لم يتمكن من إفهام قارئيه دون أن يطلبوا المساعدة!

أما بالنسبة لي، فقد لا أتقن أكثر من ألف كلمة من أصل ال١٢ مليون كلمة الموجودة في لغتي، وأستعمل ما أعرفه في مجمل كتاباتي وأشك بأن أحداً ممن قرأوا نصوصي لجأ للمنجد لفهم ما قمت بكتابته…  

قياسي

هل الحظ حقيقة أم خيال؟

هل الحظ هو واقع أم خيال؟

نشأنا وكبرنا ونحن لا نجد الجواب الشافي لهذا التساؤل! تارةً نؤمن بأن الحظ السعيد يرافق أناساً دون غيرهم وطوراً نخلص الى نكران وجوده ونعلن أن الوقائع التي تحصل ما هي إلا نتيجة مصادفة لا علاقة لها بأية معادلة!

عند التمنّي لولدها بمستقبل باهر، نجد كلّ أمٍّ تدعو لابنها: “الله يطعمك حظ مليح!” ومع أن غالب الأديان تعزو النجاح إلى بركةٍ ورضى من الله، إلّا أنه لم يثبت حتى الآن أن تأدية صلاةٍ معيّنة أو القيام بعملٍ خيري، يؤدّي أيّ منهما إلى نتيجة مرجوّة!

لذا، سأحاول في ما يلي أن أقسّم المعطيات:

  • جمال المعالم

خلافاً للمعضلات الرياضية التي نستخلص فيها الى حلٍّ واحدٍ صحيح ، نجد أن مسألة جمال معالم الإنسان تتعدّد بتنوّعها ومهما حاولنا وضع أطرٍ لها نجد نماذج مختلفة لا تعدّ ولا تُحصى! ففي ما يخص الوجه نتوقف عند شكل العينين، وطول الرموش، ورسم الحاجبين، وسحر النظرات التي تفوق بقوتها تأثير الكلام، وجمال الأنف، وروعة انسكاب الشفتين اللتين تفرجان عن ثغرٍ تزيّنه أسنان متناسقة بيضاء، إلى جانب تورّد الوجنتين ، ولون البشرة ونضارتها والشعر الأخّاذ… أضف إلى ذلك شكل الجسم وطوله وتناسق أعضائه وجمال نتوءاته…كلّها معطيات تأتي مع الولادة وهي تلعب دوراً في نجاح الإنسان في مضمار حياته العملية والاجتماعية!

  • الابتسامة

الابتسامة لها سحرها وقد ينجح حاملها بتبوّء مراكز أو الحصول على وظائف قد لا يصل إليها ذوو الوجوه العابسة! والوجه البشوش عطيّة تأتي مع الانسان مذ نعومة أظافره وهو يساعد على إشعاع البهجة على من حوله!

  • الذكاء

مع ان الذكاء هو من عطايا الخالق، إلّا أنه يجب تقسيمه الى أقسام:

  • الذكاء الصافي

وهو الذي يحمله الانسان مذ ولادته والذي يساعده على التفوق على غيره في عدة ميادين كالتحصيل العلمي والاكاديمي وحل المعضلات وغير ذلك. ونرى أصحاب هذا الذكاء ينجحون في العمل الذي يقومون فيه، وقد يكون رؤساؤهم أقل ذكاءً منهم!

  • الذكاء مع قوّة التركيز 

قوة التركيز تساعد كثيراً على النجاح عندما تصاحب الذكاء. وهي تلعب دور العدسة المكبّرة في مضاعفة قوة ذاك الذكاء في اتجاه معيّن. ولذا نجد أصحاب هذه الميّزة ينجحون في النطاق الذي يعملون فيه!

  • الذكاء الاحتيالي 

هذا هو الذكاء الذي ساعد بني آدم على أن يصبحوا ملوك هذه البسيطة ومن ثمّ بدأوا يتناحرون فتغلّب أشرّهم على أطْيبهم. وهذا النوع من الذكاء يأتي بعضٌ منه “بالجينات” المتوارثة بينما ينمو القسم الآخر بالتربية ولذا قلّما نجد مجتمعاً شرّيراً لا يُنبتُ أشراراً!

  • قوّة الكلمة والتعبير

الذين يحسنون فنّ الخطابة والكلام يستطيعون إحكام رأيهم ويتغلّبون على من دونهم مهارة وذلك بطلاقة لسانهم، ولذا نراهم ينجحون في ميادين متعددة كالسياسة والتجارة وغير ذلك. وهذه المهارة يكتسب معظمها الناشئ في البيئة التي يترعرع فيها.

  • القوة الجسديّة

كان للقوة الجسدية دور كبير في الماضي إلّا أنه ضعف مع انتشار الآليات والأسلحة الفتاكة. إلّا أنه يجب ألّا ننسى أن إصابة البعض بأمراض صحية قد يعود إلى “جينات” وُلد معها!

  • المثابرة

قد يتفوّق المرء في عملٍ ما ولفترة معيّنة إلّا أنه من دون مثابرة سيخفق في ما يقوم به وسيحلّ الفشل مكان النجاح!

  • التوقيت

يلعب التوقيت دوراً مهماً في نجاح او فشل أي عمل وقد يتسبب في النجاة أو القضاء على حياة شخص أو مجموعة ما إذا وجدوا في لحظة معيّنة في مكان ما!

  • اتخاذ القرار

كل شخص تمرّ أمامه خلال حياته فرصة أو أكثر للقيام بعمل ما. قراره بالقيام بذاك العمل قد يقوده الى النجاح او الفشل. وقد لا يتذكّر تلك المناسبة إلّا بعد حين!

  • الصدفة

قد تلعب الصدفة دوراً في نجاح بعض المراهنات إلّا ان ذلك يظلّ ضمن النسبيّات الضئيلة للنجاح.

خلاصة:

ما يُنسب الى الحظ يعزى الكثير منه الى العناصر التي تأتي مع الولادة بينما يعود البعض الآخر الى التنشئة، بينما أقلّه يرجع الى الصدفة، وقد تكون هناك أسباب أخرى أهملت ذكرها!

قياسي

هل تقديرنا للغرب في محله؟

منذ صغرنا، نشأنا على ان نضع على كرسي عاجيّ كلّ ما يصلنا من بلاد الغرب، أكان يتعلّق بالتكنولوجيا أم الطب أم الحقوق أم الفلسفة أم العلوم أم حتى المأكل، فبتنا نشعر وكأننا شعب ناقص لا يرقى الى مستوى تلك الشعوب التي سبقتنا في الكثير من المجالات! فهل نبصم بشكل أعمى على كل ما يردنا من تلك البلاد ؟

كان كلّ تقدم تكنولوجي ننعم به في أيامنا هذه مردّه الى الغرب كالكهرباء وجرّ المياه والمنازل الحديثة والطرقات والجسور المعبّدة ووسائل النقل كالسيارات والطائرات والقطارات والبواخر والهواتف الذكيّة وأجهزة التلفزة والكمبيوتر وإلى ما هنالك من اختراعات وقوانين وأنظمة، لم يكن لنا دورٌ في ابتكاره إلّا أقل من القليل! إلّا أنه يجب ألّا ننسى أن الغرب أيضاً كان وراء كل الابتكارات المدمّرة كأسلحة فتّاكة وقاتلة وقنابل ومواد متفجّرة، وما جائزة “نوبل” للسلام إلّا لتخفي أن الذي سُمّيت باسمه تلك الجائزة “ألفرد نوبل” ما هو إلّا من ابتكر الديناميت الذي تسبب بزهق أرواح الملايين من الناس الأبرياء!

معشرنا، نحن العرب، لم يخترع شيئاً! جلّ ما فعلناه أننا استفدنا من ابتكارات غيرنا وأغدقنا ثرواتنا على شراء الأسلحة لنتقاتل ونشرّد أطفالنا ونقضي على خيرة شبابنا، ونشوّه الكثيرين من مواطنينا ونرمّل العديد من نسائنا، ونُيتّم أبناءنا ونقضي على أملٍ في مستقبلٍ زاخر!

أضيف الى ذلك أننا أصبحنا نقلّد أهل الغرب في ملبسهم ونفضّل ما يأكلون ويشربون حسب القول العاميّ: “كل شي فرنجي، برنجي”.

  • تركنا الشروال وارتدينا السروال الضيّق لنكتشف بعد عقود أن السروال يؤثّر سلباً  على الحيوانات المنويّة.
  • احتذت معظم النساء الأحذية النسائية ذوات الكعوب العالية ممّا أضرّ بأرجلهنّ وسيقانهن وظهورهنّ، وكثيرات اضطررن الى إجراء عمليات جراحية! ناهيك عن صعوبة وخطورة التنقل او الجري بهكذا أحذية!
  • اعتمدنا في الماضي شرب المشروبات الغازية من ابتكار الغرب وفضّلناها على شرابات التوت والجلّاب وغيرها وأصبحنا نواظب على استهلاكها مع الطعام لنكتشف بعد ذلك أنها مضرّة لصحّة الإمعاء عند الإكثار منها!
  • o     وصلتنا السجائر المصنوعة في الغرب والمعلّبة بأشكال أنيقة وجذابة ومزيّنة بالأحمر والأبيض وغير ذلك من ألوان، إلى جانب فيديوهات الإعلانات الملونة والتي تُظهر راعي البقر وهو يعتلي حصاناً جميلاً يمتطيه وسط الغابات الخضراء… استهلكنا تلك السجائر بكميات كبيرة قبل أن نكتشف أنها أضرّ ما يكون للصحة وقد جلبت أمراض السرطان للملايين ولم يتمّ الإقرار بمضارها إلّا منذ فترات وجيزة، وتبين أن محتوى تبغها يتضمّن العشرات من المواد المضافة التي نجد بينها ما يحفّز المستهلك على الإدمان!
  • كان انطباعنا في الماضي ان الأميركيين لا يحسنون الطهي، وإذ بنا نتعلّق بسلاسل المطاعم التي افتتحوها في شتى أنحاء العالم والمشهورة “بالهامبرغر” المرفقة بشرائح البطاطس المقلية والكولا الغازيّة، ضمن ما يسمّى “بالتريّو” (أي ما يسمّى بالطلب المؤلّف من مجموعة من ثلاثة) وظننّا أن هذا هو الأكل الصحّي… لنفاجأ بعد سنين أنها أكلات غير صحيّة وقد يكون سندويش الشاورما أو الفلافل أفضل منها بكثير!
  • هل نتكلم عن قطع الدجاج المقليّة والتي حملت اسم وصورة من ابتكرها وكأنه اكتشف البارود؟ أهذه القطع المشبعة بزيت القلي تستحق ان تعدّ من الوجبات الصحية؟
  • أمّا عن تلك النقانق الطويلة والتي تسمّى “بالهوت دوغ” (لحم الكلاب الساخن) وهو برأيي أبشع اسم لوجبة نتناولها، كيف ظننا أنها أفضل من وجباتنا المحليّة؟
  • عندما سافرت في بداية شبابي الى بلاد الاغتراب كنت على قناعة بأن هذه البلاد لا تحسن صنع القهوة لأن قهوتهم كانت أشبه بزوم الزيتون! كان عليّ أن أضيف إليها السكّر والحليب حتى أتمكّن من ابتلاعها، وانا الذي ربيت على رؤية المِحمص الذي تفوح منه رائحة البن عند تحميصه، وبعد ذلك يتم طحنه في تلك المطحنة اليدوية النحاسية الطويلة والنحيفة، ومن ثمّ يتم وضع البن في الركوة التي تحوي الماء المغليّ…وترتفع القشوة على الوجه الأعلى…

كيف أصبحنا في عالم يصطفّ فيه العشرات أمام أحد سلاسل محلات القهوة لشراء كوب قهوة يدفعون ثمنه غالياً ويحملونه وكأنّه كأسٌ مقدّس يسيرون وراءه وكأنهم يمارسون طقساً دينيّاً؟

عالمٌ غريب نعيش فيه، فقدنا فيه الكثير من حسنات ما ربينا عليه، لنتّبع ما ليس أفضل منه!

لن أضيف على ما ذكرت وسأترك للقرّاء إضافة ما يرتأونه في خانة التعليقات، وذلك لأني لم أذكر إلّا القليل من الكثير مما نتحسّر عليه!

قياسي

Décisions maladroites de la ville


Dans les combats de lutte libre auxquels j’assistais à la télé dans le temps, j’étais toujours surpris quand les lutteurs suscitaient la haine des spectateurs plutôt que leur être sympathique afin de gagner leur appui!   

Je n’aurais jamais imaginé que cette même approche pouvait s’appliquer sur la scène municipale! 

La mairesse et son équipe se comportent comme des conquérants de la ville et non comme des élus. Sous leur règne, la démocratie ne joue plus aucun rôle et l’agenda prescrit par la minorité est repoussé nonobstant l’avis des  citoyens qui ont voté pour cette même équipe et qui s’attendaient à ce que leurs voix soient entendues et prises en considération!

Ainsi les décisions maladroites se succèdent l’une plus maladroite que l’autre! 

La piste cyclable sur Gouin Est fut démantelée si vite : https://www.journaldemontreal.com/2020/08/18/montreal-nord-demantelera-une-piste-pandemie

Ainsi pour le réaménagement du boul. Nôtre-Dame ouest :

Réaménagement de la rue Notre-Dame: l’arrondissement fait volte-face

Ceci sans oublier la bordure en béton qui fut construite sur la rue Clark et qui a coûté des centaines de milliers de dollars  (voir photo de LaPresse ci-jointe) :

Ces exemples ne sont que pour démontrer que la ville dépense des sommes astronomiques sur des projets mal conçus!

D’autre part, tout est entrepris sous le prétexte de réduire les émissions de CO2 mais en réalité, la ville est en train d’augmenter les émissions avec ces travaux. Tous les embouteillages à n’en plus finir créés afin de consacrer des espaces vides pour les cyclistes occasionnels ne réalisent que l’effet contraire. Un engin qui prend deux fois plus de temps à parcourir le même trajet qu’il prenait avant les obstructions, va forcément émettre deux fois plus de CO2. 

En plus, éliminer des espaces de stationnement pour créer des autoroutes pour cyclistes est une démarche dangereuse car ceci va contribuer à ruiner beaucoup de commerces et va les obliger à déclarer faillite! Ces commerces doivent pouvoir poursuivre légalement la ville pour ses actions. L’autoroute pour cyclistes sur St-Denis en est un des exemples!

Et «la cerise sur le Sunday » n’est autre que ce qui se passe sur le boul. Gouin O. entre le  boul. Albert-Prévost et la rue Joseph-Saucier où une piste cyclable fonctionnelle existait dans le secteur depuis des dizaines d’années.  Sur cette portion étroite du boul. Gouin, la ville a décidé d’insérer à tout prix et de toutes pièces une piste cyclable protégée. Elle devra dépenser des dizaines de millions pour réaliser une continuité rectiligne de la piste cyclable malgré les compromis et les inconvénients :

  • La trajectoire des piétons ne sera plus rectiligne. Un usager du transport en commun doit marcher jusqu’à 700 mètres de plus pour prendre l’autobus en sécurité.
  • Pas de trottoir du côté sud, ce qui rend dangereux de payer une visite à des voisins qui se trouvent sur le même côté du boulevard.
  • Le bruit et les vibrations des poids lourds va s’approcher davantage des chambres à coucher des habitants du sud du boulevard.
  • Quand l’arrondissement a vu le refus de la population pour son projet, il a fait une rencontre virtuelle en date du 18 août pour proposer une autre solution controversée qui a pour but de faire avorter l’opposition à la première solution en proposant d’éliminer tous les stationnements sur les rues qui sont des pistes cyclables!
  • La ville met en danger la sécurité des personnes âgées et leurs déplacements pour accéder au transport en commun.

En résumé 

Je m’adresse aux responsables de la ville :

  • Ne nous faites pas haïr les cyclistes. Il y a des limites à toutes vos décisions; il ne faudrait pas les dépasser.
  • Le trajet rectiligne pour les piétons et les utilisateurs du transport en commun devrait être une priorité sur la modification rectiligne du parcours en faveur des cyclistes.
  • Il y a d’innombrables projets essentiels pour une large métropole. Ne vous attardez pas sur les projets des pistes cyclables.
  • Une bonne partie de la population utilise les voitures comme outils de travail dans leurs transports. Ne leur faites pas perdre leur source de revenu.
  • Nous sommes prêts à vous aider dans toutes les démarches qui contribuent à la prospérité de la ville, toutefois nous avons l’impression que vous nous prêtez la sourde oreille.
  • Le nombre des cyclistes va stagner malgré tous les efforts que vous déploierez. Montréal est une grande ville, habitée par une population vieillissante et des familles avec enfants ainsi que bien d’autres personnes qui ne désirent pas utiliser leurs bicyclettes dans un climat comme le nôtre.
قياسي

إكرهوا بعضكم بعضاً كما أحببتكم

إكرهوا بعضكم بعضاً كما أحببتكم أنا…

لدى شعوبنا، لا تنفع الدعوة لأن نحبّ بعضنا بعضاً!  ندّعي أننا نتبع ديانات سماويّة بينما الحقيقة والواقع يدلّان على أن هذه الديانات منّا براء…

لا، ليس بمقدورنا أن نحب بعضنا بعضاً لأننا ربينا على الكراهية وهي متأصّلة في عروقنا منذ فتّحنا أعيننا على الدنيا…

نمونا على زرع النميمة ولم نتغاضَ عن الحث على البغيضة ونشرِ الشرّ بشتّى أشكاله!

لِمَ ندعو إلى الحب ونتظاهر به بينما نجد الكثيرين يتحيّنون الفرصة للغدر بجيرانهم وطعنهم في ظهورهم؟

إذا كانت الأديان السماوية تدعو إلى التوافق فلِمَ التناحر؟

وإذا كانت تعلّم التحابب فلِمَ التباغض؟

وإذا كانت تُبشّر بالعيش المشترك فلِمَ هذا التعادي؟

نحن أحقر شعبٍ وُجِد على أطيب أرض!

لا توجد لدينا جماعة إلّا ولها ارتباط خارجي تلجأ اليه وتشتكي له وتطلب نجدته ومساعدته!

لا خيرَ في أمةٍ يتربّص فيها المواطن بأخيه!

عندما مُقِتُّ من موطني توسّمت ان ينتفض جيراني لنجدتي إلّا ان أحداً لم يحرّك ساكناً وطِفْتُ العالم بحثاً عمّن يأويني!

كلٌّ تصرّفَ وكأن الأمر لا يعنيه!

وها هي الحكاية تتجدد بشكلٍ أو بآخر؛ ومن يطلبون الرحيل هم أكثر ممن يطلبون البقاء!

نتغنّى بإعمار بلدٍ لم نتوقّف يوماً عن هدم بنيانه!

أنا أحببتكم على مساوئكم وأنتم كرهتموني على حسناتي!

هذا جزاء من لا يكون ذئباً في بلادٍ كلّها ذئابٌ ونعاج!

وإذا كانت الدعوة الى المحبة تؤدّي الى كلّ هذا الخراب، فلِمَ لا تتكارهون في العلن علَّ الكراهية تكون أقل ضررًا من التظاهر بالحب بينما الضغينة تملأ القلوب!

قياسي

من أجلك يا بيروت

ها إنّي في غربتي، ومن القوقعة التي أتمركز فيها، أسترجع ماضيَّ وتلك الحقبات الزمنيّة التي عشتها مذ فِراري مع عائلتي من الموطن الذي طالما أحببت، وذلك طلباً للعيش الآمن في أيّ بلدٍ يَتقبّلُ وجودي على أراضيه ويمنحني حق اللجوء إلى مجتمعه!

إلّا أنّي فوجئت في ماضٍ أقرب أن الكثيرين ممّن تسبّبوا في هجرتي أضحوا يجاوروني العيش في هذه البلاد الجديدة التي استنفذتُ الكثير من المشقّات حتى وصلتُ إليها!

وفي حقبةٍ لاحقة وجدت رعيلاً آخرَ ممن ساهموا في رحيل من سبقهم يحطّون رحالهم إلى جانب من تسبّبوا هم في خراب بيوتهم!

والغريب في الأمر أن المتوافدين الجدد استحضروا معهم انتماءاتهم الحزبيّة الضيقة في بلد المنشأ وهم يتزاهون برفع أزرار الأحزاب التي ينتمون إليها على صدورهم وكأنّ شيئاً لم يكن! والجميع ينشدُ: “كلّنا للوطن…” وأنا اسأل نفسي: أيّ وطنٍ ذاك الذي لم يتمكّن أبناؤه من التعايش تحت سقفه، بينما يتآخون في بلدان الغربة؟

نتغنّى بعلَمٍ تتوسّطه الأرزة وهي ترمز للخلود، واللون الأحمر لدماء الشهداء الذين ماتوا من أجل الدفاع عن حدوده، والأبيض رمزًا لصفاء القلوب! وها نحن قد اقتلعنا جذور تلك الأرزة وأيبسنا خضارها وأسَلْنا من الدماء في تناحراتنا الداخلية آلاف المرّات أكثر من تلك التي سالت من الذين ماتوا في سبيل الوطن واستبدلنا بياض القلوب بسواد الحداد!

وأمّا عنكِ يا بيروت…

بعد هذا الانفجار الذي يُعدّ الثالث من حيث القوّة في تاريخ البشرية…

قضى مئات الأبرياء نحبهم بينما يُعدّ المشوّهون بالمئات… وقد يتجاوز عددهم الآلاف…

قد لا يكون قد تبقّى من معالمك يا بيروت معلمٌ واحدٌ عايشته في صغري…

كلّها انمحت عبر عقود الحروب واختفى ما بقي منها مع هذه الكارثة الأخيرة…

وكأنّ الماضي مرّ كحلمٍ من الأحلام ولا دليلٌ حسّيٌّ على وقوعه!

لم يبقَ لي سوى مقالين دوّنتهما تحت عنوان “ذكريات بيروتيّة” وهما يحكيان تلك الأيام الجميلة التي أمضيتها في صغري!

وأما عن المستقبل… فقد أكون متفائلاً إن قلت أنّي متشائمٌ…

لا خيرَ من شعبٍ يُقولب حكامَه على شاكلته البائسة.

نحن من صنعَ الاعوجاج فيهم ومن ربّى لديهم نفسية اللامبالاة: “خربت، عمرت، طلعت، نزلت، حادت عن ظهري…بسيطة” 

كلّهم يتبوأون مناصب عالية، إلّا أننا لا نجد بينهم مسؤولًا واحداً يُقرّ بمسؤوليّته عند حدوث أي مكروه!

نحن من تعوّد على من يسبق غيره في صفّ الانتظار وان يحصل على ما يبتغيه قبل سواه وإذا أوقفنا شرطي لمخالفة ما نقول له: “بتعرف مع مين عم تحكي؟” ثمّ نتصل بالزعيم الأقرب ونطلب منه التدخل والمساعدة!

ممّا لا شكّ فيه ان أكثر حكّامنا سيّئون جداً، إنما نحن الشعب نفوقهم سوءًا! نحن من ساهم في انهيار البلاد اقتصادياً في مقامرتنا على نفسنا وعلى بلادنا من خلال الدخول في مستنقع الفوائد المرتفعة والغير مسبوقة!

نحن شعب فقد بصيرته! نعرف ما لا نريد وقد لا نعرف ماذا نريد!

ويؤلمني كثيرأ ما أراه على شاشات التلفزة من متظاهرين يكملون حرق ما لم تصل اليه نيران الانفجار! وكثيرون منهم لهم “أجندات” معينة ينادون فيها…

قياسي