مطعمان وباقة فجل

مطعمان وباقة فجل

منذ سنوات معدودة، وقبل جائحة الكورونا اللعينة، كنّا شلّة من الأصدقاء الذين اتفقوا على تناول وجبة الغداء كلّ يوم ثلاثاء في مطعم يتمّ اختياره في بداية الأسبوع بين الأمكنة العديدة المتوفّرة في مدينة مونتريال. قلّما كان عددنا يتجاوز الستّة أشخاص، وكان معظم الأصدقاء يتحدّرون من مدينة “زحلة.”

انتقينا في أحد اللقاءات مطعماً يقع على ناصية “مارسيل لوران”، وقد اشتهر بتنوّع صحون المقبّلات التقليديّة واللحوم المشوية والشيش طاووق. كان أصحاب المطعم ممّن توافدوا على مونتريال في أزمنة حديثة بعد أن تركوا البلد الذي نشأوا في ربوعه على إثر الأحداث المؤلمة التي ألمّت به! وكان من الطبيعي أن يلجأوا الى المهن الحرّة، كون الوظائف لم تكن متوفّرة كثيراً لحديثي العهد في هذه البلاد! 

كانت قلّة خبرة النادل واضحة، إذ ما أن طلبنا أكواب ماء للشرب حتى وزّع على كلٍّ منّا زجاجة بلاستيكية تحمل اسم المصنع الذي تم تعبئتها فيه.  ما ان طالبنا بكؤوس زجاجيّة حتى صاح مستغرباً: “بدكم كاسات؟”

طلب أحد الموجودين بيننا طبقاً من السمك. أجابه النادل أن ذاك غير متوفّر في المطعم، إنما لديهم طبق من المشاوي “بتَتْبيلة” السمك. طلب صاحبنا الطبق ليُفاجأ بأن الصحن لا يحوي سمكاً بل قطعاً من اللحوم المشوية وعليها بعض البهارات المنوّعة!

أمّا بالنسبة لي فقد طلبتُ صحناً من الفول المدمّس، كما طلب ذلك اثنان من الأصدقاء.  طلبتُ أيضاً طبقاً من “المحمّرة” لأفاجأ بأنهم لا يعرفون ما هي! قلت أننا كنا نخال ان هذه الأكلة أتت من بلادكم! قال: “سأحضر لك معجون المحمّرة”، وهكذا وضع أمامي صحناً من ذاك المعجون، الذي كان طعمه قريبا من طعم المحمّرة باستثناء نكهتها المميّزة!

لما تمّ استحضار أطباق الفول، فوجئت بعدم وجود الفجل في صحن الخضار الذي لم يكن يحوي إلّا على بعض قصاصات الخس، وثلاث قطع صغيرة من البصل الأخضر! أما عن الفجل الذي قلّما اتناوله إلا مع الفول، كان جواب النادل أنهم لا يتناولونه مع الفول!

في الأسبوع التالي قصدنا مطعماً آخر في نفس المنطقة، أصحابه يتحدرون من نفس البلد الذي يتحدّر منه أصحاب المطعم الأول. كان الديكور جميلاً ويتميّز عن الأوّل بوجود الخشبيّات على الجدران مع رفوف تحمل قطعاً مزخرفة صُنعت في بلادنا. عندما تمّ تزويدنا بلائحة الطعام ، لم أردْ أن أردّد طلب صحن الفول، فسألتُ النادل: “هل لديكم بَليلة؟” أجابني متسائلاً: “ما هي البَليلة؟” قلتُ بتعجّب: “لا تعرف البَليلة وكنت أظنّ أنكم من أدخلها الى بلادنا!” ثمّ استطرد قائلاً: “أهذا هو الطبق الذي يتم تحضيرة بالحمّص والصنوبر وزيت الزيتون…” قلتُ له: “نعم.” قال “لا بأس، سأحضّره لك! هذا صحن مشهور في عاصمة بلدنا، ونحن لا نعرفه كثيراً”. سألته: “هل تريد الاستعانة بغوغل؟” قال: “لا، سأتدبّر أمري!” وقبل ان يغادر الطاولة سألته: “هل لديكم فجل؟” أجاب بالنفي! قلت له اني ساذهب آلى السوبرماركت لاستحضار باقة وأعود قبل ان ينتهي من إعداد الطبق!

قصدتُ “سوبر سي” وما ان دخلتُ حتى وجدت كوماً من باقات الفجل. أخذت باقةً منه وبينما توجّهت نحو الصندوق لتسديد ثمنه، اتصلتْ بي زوجتي تسألني: “ماذا تفعل؟” أجبتها: “هل تُصدّقين أنّي بصدد استحضار باقة فجل للمطعم؟” ضحِكتْ دون ان تُصدقني!

وهكذا عدتُ الى المطعم مع باقتي، وكانت أكلة بليلة لن أنساها طوال حياتي!    

الإعلان
قياسي

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s