قصص قَص شعر

IMG_3078

خلال ايام طفولتي كنت أقصد دكّان الحلاق بانتظام وكانت المدة التي تفصل بين قصّتي شعر لا تزيد على أسبوعين. ونظراً لصغر سني وقامتي الصغيرة في ذاك الوقت، كان الحلاق يجلسني على لوحةٍ خشبيّة يُركّزها على ذراعي المقعد. وبعد ان يلف فوطة الحلاقة البيضاء حول عنقي كان راسي يصبح بالارتفاع المطلوب. كلفة قصة الشعر كانت ليرة واحدة في بيروت بينما نصف ليرة عند “ابن الأعمى” في بلدة الدامور والذي لم يكن محلّه يبعد كثيراً عن منزل جدّتي!

أما الكبار فكانوا يدفعون للحلّاق مبلغاً شهرياً يغطّي كلفة قَص الشعر للشهر كله كما وحلاقة الذقن التي تستعمل فيها الأدوات التقليدية من فرشاة مصنوعة من وبر حيواني وطاسة من الالمنيوم لرغي الصابون وموسى حادة يتمّ سنّها على سير جلدي بحركة فنية بحيث يشدّ الحلاق طرف القشاط بيده اليسرى بينما يمسّد الشفرة على الجلد من ناحية ثم من أخرى. اما اذا ما شطب بشرة احد الزبائن بالخطأ وسال القليل من الدم فكان يوقف السيلان باستعمال قلم شبّة! اما في أيامنا هذه فقد اختفت كل هذه الأدوات وامتنع الحلاقون عن حلاقة الذقون خوفاً من الملاحقات القانونية!

كان جميع الصبيان يجزّون شعرهم بنفس الموديل. كان الحلّاق يترك الشعر طويلاً بعض الشيء بحيث كنا نرفعه فوق رأسنا بشكل نسميه “شينيون” ونستعمل مساحيق لتجميده تحت اسم “بريانتين”. وفِي احدى المرات بعد ان كانت والدتي قد سئمت من قَص الشعر المتواصل، طلبت مني ان اطلب من الحلاق ان يقصه بشكل “آ لا بروس” (A la brosse) وقالت لي انها “أحلى قصّة”! عندما طلبت ذلك من الحلاق، وكان أخي صلاح يرافقني، سألني بنظرة تعجّب: “أكيد؟” أجبته: “نعم!” وإذ به يعدّل شفرة الألة الميكانيكية ويبدأ بالحلاقة والتي كانت أشبه بالحلاطة! ما ان اجرى اول خط لم يعد بالإمكان ايقافه قبل اتمام العمل. وهذا ما جعل صحابي في المدرسة يضحكون على منظر “قرعتي”!

مرت الأيام وكبرت وكنت احيانا اقصد احد الحلاقين في مدينة صيدا خلال ايام الصيف. كان حانوته على مقربة من ساحة النجمة. وإذ كنت أنتظر دوري سمعته يتكلم مع أحد الزبائن عن قَص الشعر “على الشمعة”. بعد سؤاله عن الموضوع أجابني لتلك القصة فائدة في تقوية بصيلات الشعر. طلبت منه ان يقوم بقص شعري بتلك الطريقة.

أخذ “مفك براغي” من النوع الذي يستعمله الميكانيكيون ولفّ على رأسه الحديدي قطنة ثم غرسها في قنينة “سبيرتو زرقاء” ثم أشعلها بالكبريت. بينما كان يحمل “المشعل” بيده اليمنى أخذ يرفع شعري بواسطة المشط ليحرق طرفه بالنار. أخذ الجوّ يعبق بالدخان وتتصاعد رائحة اللحم المشوي كلما حرق خصلة من شعري. وكدت اموت رعباً حينما تقترب النار من أذنيّ. المهم اني انهيت التجربة دون حروق ولم أَحصل فيما بعد على أية فائدة لبصيلات شعري.

مرت السنون واذ كنت في زيارة رسمية للبنان دعاني مع نخبة مميزة من الرجال صديقي الحاج زهير الى حفل عشاء والحاج هو من أعيان الجالية اللبنانية في مونتريال. كانت الدعوة في مطعم فخم في منطقة المنارة من بيروت وخلال العشاء أخذ يحدثني عن رقابة صاحب المطعم لنوعية الطعام. قال انه يراقب كل طبق قبل ان يقدم وإذا لم يحز على رضائه فإنه يرجع الى المطبخ كل الاطباق الموجودة على الصينية.

وما ان انتهينا من اكل المشاوي حتى تذكرت حادثة قَص شعر حدثت لي في بداية الأحداث المؤلمة سنة ١٩٧٥ . كانت قد درجت موضة الشعر الطويل والسوالف العريضة واستعمال “السشوار” (مجفف الشعر الكهربائي) واستعمال “الفيكساتور” اي المركّز للشعر! وكنت قد واظبت على ارتياد محل للحلاقة في منطقة قريبة من جنينة الصنائع تسمى “الوِتوات”.

أخذت أروي للموجيدين وقائع آخر مرة ترددت فيها على المكان. كانت قد بدأت الأحداث وكانت تهدأ الأوضاع من وقتٍ الى آخر. وإذ وصلت الى جوار المحل وجدت عدداً كبيراً من السيارات المتوقفة من جانبي الطريق على غير عادة. حاولت ان انعطف نحو اليمين من الشارع الذي وصلت اليه فوجدت صعوبة بالانعطاف. كانت سيارة أمريكية سوداء من نوع بونتياك ذات مؤخّرة عريضة موديل تلك السنة متوقفة على ذاك المنعطف. واذ بي احاول المرور والسيارات ورائي تزمّر حتى التطمت بالسيارة. نزلت من وراء المقود لاتفقد الضرر الذي احدثته فالتقيت بسائقي سيارتي تاكسي متوقفتين امام السيّارة التي لطمتها. قال احد السائقين:”ضربت السيّارة!” قلت له: “اعرف ذلك! من صاحب السيّارة؟” قال لي: الريّس زكٌور”. قلت له: “نادِه لو سمحت”. قال : ” لا! انت تذهب له بنفسك! هو نائم! هذا ريّس زكّور!”

ما ان ذكرت اسم الريّس حتى لمعت عينا مستضيفي الكبيرتان وأفرجت شفتاه عن ابتسامة صغيرة تحت شاربيه الكثيفين وأظهر شغفاً في الاستماع للمزيد من القصة!

اكملت حديثي: كنت واثقاً انه لم يكن بإمكاني مغادرة المكان دون ملاقاة الريّس زكور. بدا لي آنذاك ان الجميع يخشى غضبه وبالأخص في تلك الحقبة من الزمن. أشار لي السائق الى البناية الجديدة التي كانت وراءنا وقال لي: “إصعد على الدرج حتى تصل الى الطابق الثاني فالكهرباء مقطوعة. ثم تنحرف على اليمين حتى تصل الى آخره وهناك تواجه باب الريّس.”

ما ان صعدت بضع درجات حتى كان كل شيء مظلماً. فاخذت أتحسس الدرجات والجدران حتى وصلت الى الطابق وأنا أناشد نفسي:”شو هالوقعة!” بقيت أتحسس طريقي حتى وصلت الى الباب بعد عبور الرواق. قرعت مرة ثم مرة ثانية ثم ثالثة. اخيراً سمعت صوتاً خشناً من الدخل: “من؟”. أجبت: “انا بشير”

فتح الباب. تراءى لي جسم رجل مربوع متوسّط القامة. كان بصيص من النور يدخل من احدى النوافذ ليظهر لي ان شعر رأسه مزعتر بلون فاتح وكان جسمه عارياً تماماً . تمالكت نفسي وشرحت له وضعي. سألني: “هل الضربة كبيرة؟” أجبته بالنفي فقال لي:”روح! (بمعنى إذهب)” فتركت وانا اتطلع للوارء!

ما ان انتهيت من سرد قصّتي حتى قال لي الحاج: “هل تعرف ان الريس زكور هو صاحب هذا المطعم الذي حدّثتك عنه؟” ثم صرخ للنادل: “اطلب من الريس زكور ان يأتي الى هنا!” بدأ قلبي يدقّ خوفاً من ان يتذكر الريس الحادثة ويكون قد استخلص ان الضربة اكبر مما كنت قد شرحته له! المهم انه كان قد غادر المطعم ولم أحظَ بلقياه بكامل هدومه!

قياسي

6 آراء حول “قصص قَص شعر

  1. Lulwa ABURAMADAN كتب:

    ما أجملها من ذكريات 🙂 أحببت وصفك الدقيق وغير الممل والذي يوحي للقارىء بأصالة هذه الأيام وتمكنها في عقلك وقلبك 🙂 وقدرتك على دمج الماضي بالحاضر بطريقة فكاهية تسعد القارىء والمتابع على حد السواء ،ونحن بإنتظار
    ، شكراالمزيد والمزيد

    • أشكرك يا عزيزتي لولوة على هذا التعليق الجميل الذي يشجّعني كثيراً وأتمنى ان أبقى عند حسن ظنك في المقالات القادمة!

  2. Muhammad Jumaa كتب:

    أكثر من رائع… جعلت دولاب الزمن يعود بِنَا الى هناك لنعيش تلك الأيام

    بين ابتسامة و حنين جعلتنا ندرك ان ذاك الزمن بكل ما يحمله من بساطة و كد يبقى له طعم مختلف لا ننساه بخلاف أيامنا الان

    أستاذ بشير شكرًا جزيلا

    • سقى الله على ايام مضت وكادت تختفي من الذاكرة! شكراً لتقديركم على أمل ان استمر في نقل تلك الصور الجميلة من الماضي الذي عشناه!

  3. Samir Abou Saab كتب:

    صديقي بشير،
    كعادتك أحسنتَ بسرد الوقائع وذكرتَ العديد من التفاصيل كنتُ قد نسيتُها مثل الشبّي والبريانتين.
    لكنني ومع قراءة هذه الذّكريات، خطر ببالي مادة كنّا نستعملها لتلميع الشّعر وهي ال بريلكريم .
    تذكّرتُ ايضاً أن كل من كان يتبع موضة الشّعر الطويل والسّوالف العريضة، كانوا يلقّبونه بالخنفوس.
    إليك هذه الواقعة : رجعت يوماً من عند حلّاق الحي في الدّامور وأنا اردّد: هبّت هبّت فسألتي والدي لماذا اردّد هذه العبارة وما معناها فاقترفت الخطأ المميت وأخبرته بأن هذا إسم جريدة سبق الخيل الّلتي كانت توزّع عند الحلّاق فما كان منه إلّا أن منعني من زيارة هذا الحلّاق لأنّه لا يليق بنا وما في حدا عنّا بالعيلة بيلعب سّبق. رزقالله على تلك الأيام. شكراً بشير بإنتظار المزيد من الذّكريات الشّيّقة
    سمير أبو صعب

    • شكراً لك يا صديقي سمير على مبادرتك وبالأخص لانها تضيف رونقاً على القصة وتذكرنا بالدور المهم الذي كان يلعبه آباؤنا في تنشئتنا وإبعادنا عن كل ما قد يؤثر على مستقبلنا!

اترك تعليقًا على Muhammad Jumaa إلغاء الرد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s