دروس في أمور الحياة لن أنساها وبوسطة عين الرمانة

IMG_1992

كلُّ امرئٍ يعبر تجارب خلال فترة نشأته تجعله أكثر تحضّراً وتأهلاً لمواجهة الحياة المستقبليّة التي تنتظره بدروبها الملتوي
عندما وصلت في دراستي التكميلية الى صف “البريفيه”، وكان ذلك في منتصف الستيناتمن القرن الماضي، قام والدي بتسجيلي وأخي صلاح في تكميليّة عين الرُمَّانة الرسميّة والتي كان يديرها الأستاذ مخايل داغر المتحدّر من بلدة مجدلونا في إقليم الخرّوب والذي كان يسعى جاهداً لجعل مستوى مدرسته يوازي ما كانت تتميّز به المدارس الخاصة. وأذكر ممن قاموا بتعليمي الأستاذ “بركات” للّغة الفرنسية، أما بالنسبة للرياضيات والعلوم فقد كان للاستاذ “حنّا يونس” فضل كبيرفي دفعي للتفوّق في هاتين المادّتين رغم انه كان يلدغُ بحرفين او أكثر كلّما تكلّم
ولا يمكنني أن أعود لتلك الحقبة دون أن أتذكّر واقعةً صغيرة علّمتني ألّا أستعجل في الكلام. فبعد ان تصادقت وأحد تلاميذ صفّي وكان يدعى أنطوان، كنت برفقته في الملعب خلال فرصة الساعة العاشرة. وما كنت استطلع ما كان حولي حتى وقعت عيناي على شاب كان يلعب مع رفاقه في احدى زوايا الملعب. كان نحيل الجسم، مقوّص الظهر، شعره الأشقر مكرب المظهر بعد ان معكته الوسادة التي كان قد نام عليها. أمّا عيناه الزرقاوان فكانتا تبدوان أكبر من حجمهما الطبيعي وراء العدستين السميكتين المركبتين على إطارٍ بُنّي. اما بشرة وجهه البيضاء فكادت تختفي بين حبيبات الصِّبا الحمراء وشعيرات الوجه المبعثرة. أما شفتاه المشقّقتان فكانتا تُفرجان عندما يبتسم عن أسنان كبيرة غير متناسقة وفيها بعض من الإصفرار! نظرت الى صديقي بجانبي وقلت له: “ما أبشع هذا الشاب!” أجابني وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة تراوحت بين الانزعاج والإستسلام للواقع ثم قال لي:”هذا أخي!”. صُعقت بما قال وما زلت حتى اليوم لا أسامح نفسي عمّا تفوّه به لساني في تلك اللّحظة
وإذ كنّا نسكن وسط مدينة بيروت كان علينا االمجيء من البلد الى المدرسة في الصباح والعودة في آخر النهار. في تلك الأيام كان ترام بيروت الشهير قد أُحيل على التقاعد ليحلّ مكانه أوتوبيس الدولة وكانت كلفة الرحلة ١٥قرشاً إلا أنه لم يكن يصل الى جوار المدرسة. والخيار الثاني كان استعمال سيارات الأجرة (تاكسي مشترك) وكانت كلها سيارات من نوع مرسيدس ١٨٠ والتي كان لها الفضل الأكبر في رفع اسم تلك الشركة في السنين التي تلت من ناحية جودتها ومتانة صناعتها. وكانت كلفة نقل الراكب الواحد ٢٥ قرشاً
اما الخيار الثالث الذي انتقيناه فكان “بوسطة عين الرمانة” وهي لا علاقة لها بالبوسطة التي حملت نفس الإسم خلال الفاجعة التي وقعت في نيسان ١٩٧٥ وكانت الشرارة التي أشعلت الحرب الأهلية في لبنان. كانت تكلفة الراكب ١٠ قروش وكان موقف الإنطلاق يبعد مئات الأمتار عن البناية التي كنّا نسكنها. والأهم من ذلك ان خطّ مسارها كان يُعرّج من امام المدرسة التي كنّا نؤمُّها
كما اسلفت في مقال سابق كنّا نسكن في شارع المستشفى الفرنسي الذي تمّ بتره بعد ثورة ١٩٥٨ بإنشاء جادة فؤاد شهاب والتي سُمِّيت فيما بعد “بالرنغ”. علماً ان أخي صلاح يصغرني بثلاث سنوات وعدة أشهر  كنّا نترافق يومياً الى ومن المدرسة. كان والدي يعطيني خمس ليرات كل أسبوع لتغطية كلفة تنقّلنا وبعض مما كنّا نستحلي شراءه من وقت لآخر ككوب ليموناضة او قرن بوظة لكلٍّ منا من عند الدكّنجي القريب من المدرسة والذي كان زحلاوي الأصل
في مدخل البناية التي كنّا نسكنها كان سمكري اسمه محمّد لطيفاً جداً ويرتدي كل يوم لباس عمل لونه كحلي. كان يحتلّ نصف المدخل وكان يُصنِّع من ألواح التنك أشياء مختلفة بمهارة عالية وكانت تتنوّع من أباريق لسقي الزرع، الى إناءات تستعمل لنقع الغسيل أوغسله الى ما هنالك من أشياء يحتاجها كل منزل. وكان يعرض منتجاته على الطريق عن يمين ويسار المدخل
ما كنا نخرج من البناية حتى كنّا نتوجه نحو جادة فؤاد شهاب عبر ٧ او ٨ درجات تأخذ عرض شارعنا. من هناك كنّا نمشي بموازاة الجادة مسافة حوالي مئتي متر لنصل الى موقف البوسطة والذي كان يقع بالقرب من سينما “الغومون بالاس”
أما البوسطة فكانت من نوع “دودج” وكانت تتّسع لنحو ١٦ راكباً. كان لونها أحمر تتخلله طبقات أفقيّة بيضاء. أما المقاعد فكانت مغلّفة بالبلاستيك الأحمر والأبيض. أما باب الصعود والنزول فكان في الامام عن يمين السائق ويظل مفتوحاً في اغلب الأحيان. كانت البوسطة تنتظر زهاء الربع ساعة لتنطلق بمن فيها وتفسح المجال لبوسطة أخرى تأتي مكانها. وكانت تنطلق صعوداً في شارع بشارة الخوري ثم تنعطف يساراً لتأخذ خط الشام الذي يصبح خط فرن الشبّاك حتى تفرق على اليمين لتدخل عين الرمانة لتسلك مساراً لولبياً مروراً من امام الصنوبرة الشهيرة
في الطريق كان السائق ينحرف بالباص نحو اليمين ليتوقف ويصعد كل من يشير له او لينزل أي راكب أينما أراد. لم تكن توجد مواقف ثابتة للباصات وكان الركاب يستغلّون هذه الحرية لإيقاف البوسطة حيثما يشاؤون
وكان مشهد حركة ذراعي السائق من المناظر التي لا تُفوّت. فبين الإمساك بالمقود وإدارته المستمرة من اليمين إلى اليسار وتغيير السرعة المتتابع بواسطة عصا إختيار السرعة الحديدي والذي كان ملتوي الرأس عند قبضة اليد الكرويّة، الى استحصال التعرفة من كل من ينزل، كان منظره وكأنه بهلواني في خضمّ عرضه على المسرح
في اليوم الأول لصعودي في البوسطة فوجئت بوجود احد رفاقي الذي كان في صف الدراسة معي مذ كنت اتعلَّم في “الليسيه الفرنسي”. كان ذلك قبل اربع سنوات خلت. كان اسمه “إدوار” وكان يمتّ بقرابة للأستاذ الذي كان يعلمنا الدروس باللغة الفرنسية والذي لم أكن المّ له التقدير الذي أكنه لغيره من الأساتذة
جلست بجانب إدوار وأخذنا نتحدّث. علمت انه كان يتعلم في مدرسة “السانت فاميّ” في عين الرمانة والتي كانت قريبة من مدرستي. وإذ كانت مواعيد الدراسة متطابقة في الصباح لمدرستينا قلت له بسرور: حسناً سنترافق كل يوم
وإذ هممت بالنزول مع أخي من البوسطة أمام مدخل مدرستنا قمت بدفع تعرفة إدوار أيضاً فأومأت له بأن الحساب “واصل” فأجابني متشكراً بحركة من يده اليمنى. وكانت العادة ان الكثيرين من الركاب يتداورون بين بعضهم في تسديد قيمة التعرفة. وكان بإمكان صاحبي النزول معي إلا أنه كان يفضّل المكوث في مقعده المسافة المتبقّية لمحطّته وكانت لا تزيد عن ثلاثين متراً إضافيّة! وهذا كان مثالاً للتنبلة اللبنانية
في اليوم التالي التقيت رفيقي في الباص وكان لحظة الوصول يمكث دون حراك في مكانه بينما كنت أسدد التعرفة عند نزولي! وهذا ما حدث خلال ما تلا من أيام
بدأت أتساءل: عشرة قروش ليست بالكثير! ويبدو انه من عائلة كريمة ويتلقى تعليمه في مدارس خاصة! هل يعقل ان ليس بإمكانه ان يوفّر ما دفعته عنه بالأمس ليسدّد عني في اليوم التالي
قلت سأدفع المزيد من جيبي لأتعلم شيئاً في هذه الحياة وأرى اليوم الذي يقوم فيه صاحبي بتسديد الأجرة. إلا ان ذاك اليوم لم يأتِ! بعد أشهر من الإستمرار في تسديد تعرفته، وإذ كنت جالساً بجانبه، تطلع نحوي وقال:” إسمع يا بشير. من اليوم وصاعداً، حتى لا نتخانق، كل واحد يدفع عن نفسه!”
وإذ أروي هذه الواقعة وانا لا أدري ان كان درسي قد أفادني فعلاً في مجرى حياتي، أذكر ما كان قد قصّه لي والدي، رحمه الله، عن واقعةٍ حدثت خلال بناء خط السكة الحديدي على الشاطئ اللبناني. كان مراقبان، واحد إنكليزي وآخر لبناني يترافقان لتفقّد العمل الجاري على الخط. كان الإنكليزي يرتدي لباساً أوروبياً بينما كان اللبناني يرتدي شروالاً تقليدياً أسود تزنِّره شملة حريرية سوداء كانت العادة ان يخفي فيها نقوده
كان المراقبان يستقلاّن مركبة يجرها الخيل. وما ان يصلا الى آخر المسافة حتى يأتي وقت تأدية الحساب، كان اللبناني يبدأ بفك شملته الطويلة ليصل الى النقود. الا ان الإنكليزي لم تكن تستغرق منه لحظة حتى يكون قد سحب الفلوس من جيبه وسدّد الحساب
استمر الوضع على هذه الحال حتى سئم الإنكليزي من الوضع فراح وأوصى لنفسه شملة تفوق بطولها تلك التي يتزنّر بها اللبناني. وعند الوصول أخذ كلٌ من المراقبين يفكُّ شملته وهكذا تمكّن الإنكليزي من ان يأخذ بثأره بعد ان قام اللبناني بدفع الأجرة اخيراً

قياسي

How a man is bound to lose to his wife!

IMG_5120

A friend of mine, Joe, narrated to me his married life experience wondering if all men do live the same reality in marriage and eventually derive the conclusion that:” A man, any man in marital life, is ultimately bound to lose to his wife!” He said and I quote:

 

In the first years of my marriage it was normal that I was learning to cope with the new situation. I had to discover on my own the complexity of deciding to share my life with an unknown person (actually falling in love with another person and sharing moments or days together for a certain period of time is not like living together!)

I am not going to discuss all kinds of obstacles that any individual would encounter in his new life but I am going to concentrate on some of the bedroom issues like which side of the bed should I take, at which time should I go to bed, at which time should I get up, should I expect to go to bed at the same time of my wife and should I expect her to snooze for an hour or two after I wake up…

In theory, everything looks simple. But in reality things are more complicated! It is not like a piece of furniture that you buy from IKEA and that comes with instructions! Here, there are no instructions and there is no sequence to follow!

After resolving the issue of which side of the bed is mine, each person could go to bed whenever he feels like, wake up independently etc…there was a tiny problem that took me a while to solve:

Against all the recommendations of the specialists, I like before falling asleep to take a little time in bed to watch TV, or listen to some music (I wouldn’t mind to put the radio on the “sleep “ mode so it shuts off in 30min or so) or read a book or… That helps me rewind in order to forget about the stress of the day and get ready to close my eyes.

On the opposite when my new bride (at the time) slips into bed it is to go to sleep right away. She shuts the light off and she pulls up the blanket to cover her head completely! I was getting worried that she gets herself suffocated. But 🙂 she is able to survive the lack of oxygen!

As for me I cannot rest unless my head is completely uncovered! So desperately needing my 30 minutes or so, I tried all the following, one at a time:

o TV
I put the TV on. She complained that she cannot sleep. I lowered the volume. Still too much sound. I chose a subtitled program and put the noise off. Still she was deranged by the fluctuation of the light of the screen that was getting reflected on the walls then reaching under the bed cover!

o Radio
As you may have guessed, it was not an option to put the radio on! So l thought about a bright idea that would solve my problem: use an earphone to listen to the radio. So I inserted the earpiece into my ear with a smile on my face thinking “Eureka “. It didn’t take long seconds before she complained that she was irritated by the little noise coming out of my ear!

o Reading a book
As it was my last recourse, I bought an interesting book put it by my bed and was ready to enjoy my first night! It didn’t take long before she protested that she was not able to sleep because of the light of the side lamp!

o The “Itty Bitty Light”
After getting desperate about my situation (and Google didn’t exist yet to help me out) I discovered the “Itty Bitty Light”. It is a smartly designed light with no glare that clips into the book and enlightens the spot you are reading without disturbing your bedmate! Thinking that finally I found the solution I started reading the first page. It didn’t take long before she was awakened by the sound of turning the page!

 

قياسي

بيتزا “سوربرايز” في بغداد

 

في سنة ١٩٧٧ ، وخلال السنة الأولى لتواجدي في العراق بداعي العمل، كنت كلّما زرت بغداد أستعلم من أصدقائي الذين كانوا يعملون معي في نفس الشركة حول تجاربهم من ريادة مطاعم المدينة. وكانت تلك العاصمة تتميّز عن الكثير من مثيلاتها في الوطن العربي بتوفّر عدد لا يُستهان به من الأماكن التي لا يخشى المرء الأكل فيها من ناحية النظافة أوالخدمة. وكان التنوّع يبدأ من مطاعم الوجبات السريعة كال”كص” وهو ما يوازي الشاورما عندنا وغيره، وانتهاءً بالسمك “المسكوف” الذي كنّا نجده في شارع أبو النوّاس مروراً بالمطاعم العاديّة المُوَزّعة في أنحاء مختلفة من المدينة وأجملها ما كان منها في وسط حديقة على ضِفاف نهر دِجلة، واذكر منها “قصر الشوق” الذي كان يقع في منطقة “عرصات الهنديّة”. كان هذا المطعم يتميّز “بشيش قصر الشوق” الذي كانت تُستحضر فيه قطع اللحم المشوي مغروسةً بسيف مستقيم يُحمل بشكل عمودي بينما لهيب النار يُكمل الطهي مرتفعاً فوق قبضة اليد

اما في ذلك العهد المتمثّل بالنظام الاشتراكي لم تكن كل البضائع متوفرة في الكثير من الأوقات! حتى المشروبات الكحولية المصنعة وطنيّاً كالعرق المستخلص من البلح وبيرة “فريدة” الفريدة في مذاقها كان عليها الكثير من التقنين. أما كلّ ما كان يُستورد فكان المستهلك يجده حيناً ويفتقده أحياناً. وكان سيّد مراكز التحوّج للبضائع المستوردة ما كان يعرف “بالأورزدي” وذلك تيمّناً بالمؤسس “أوروزدي باك” والذي كانت له محلات في عدة مدن منها في وسط بيروت وذلك على شارع الجمارك. وكانت ما ان تصل بضاعة ما مستوردة ومرغوبة حتى تجد الراغبين بالشراء يصطفّون في طابور طويل بانتظار دورهم. وكان بعض المارة يلزمون الصف قبل ان يعرفوا ما هم بصدد شرائه خوفاً من ان يضيّعوا أفضليتهم! وكانت “الأستكنات” وهي كاسات الشاي الزجاجية المزخرفة من أكثر ما كان يثير رغبة المتحوّجين

وعودة الى المطاعم تبيّن لنا ان مطعماً جديداً كان قد تمّ افتتاحه منذ أشهر تحت اسم “الينابيع”. لا أذكر موقعه بالظبط الاّ أن ميزته الأساسية كانت عمل “البيتزا” بالإضافة الى استحضار بعض الأطباق الإيطالية. والبيتزا لم تكن قد انتشرت بعد في بغداد على الرغم من تعدد الأفران التي كانت منكبّة على انتاج خبز “الصَمّون” الذي كان مرغوباً لدى العائلات. كان هذا الخبز شبيهاً بالخبز الإفرنجي إنما إنتفاخه أقل بينما شكله “لوزنجي” أشبه بشكل السنيورة الصيداوية إنما طبعا بحجم اكبر

وصلت الى المطعم برفقة زميلين لي. كانت الواجهة الخارجيّة مغلّفة بحجر صخري متموّج الألوان وغير منتظم المقاسات إنما تمّ بناؤه بإتقان. اما الشبابيك وباب المدخل فكانت خشبية من نوع “الماهوجوني” البنّي المائل للقليل من الإحمرار وكان الزجاج مقطّعاً بمربّعات خشبيّة ناعمة على الطراز الإفرنجي بينما تمّ زرع بعض الزهور الملوّنة في احواض تحت عتبات الشبابيك

ما ان دخلنا حتى أحسسنا وكأننا انتقلنا الى حي “تراستيفيري” في روما حيث ان الديكور الداخلي تم تصميمه بعناء وذوق. من سيراميك الأرض، الى تلييس الجدران والقناطر على طراز بداية القرن العشرين، الى الديكورات الخشبية في الجدران والسقف، الى الإنارة المنسّقة، الى اللوحات المعروضة على الجدران، الى الطاولات الخشبية والتي وضعت عليها شراشف من قماش يحمل مربعات خضراء وبيضاء، الى الكراسي الخشبية ذات القوائم المربّعة وعارضات الظهر المسطّحة والملوية لاحتواء الظهر، الى طرّاحات الجلوس المنسّقة مع الشراشف وفُوَط السفرة، الى المزهريات التي كانت مزيّنة ببعضٍ من زهور القرنفل، الى الفرن الذي كان يتصدّر بواجهته الحجرية زاوية قريبة من المطبخ والذي كان يستعمل لخبز البيتزا والخبز اللبناني الصغير… كل ذلك جعلنا نشعر وكأن بساط الريح حملنا الى مدينة اوروبّية

علمنا ان الذي قام بافتتاح المطعم إنما هو مهندس معماري لبناني ترك بلاده بسبب الأحداث وقرر الانتقال الى بغداد للابتعاد عن الأجواء المشحونة

ما ان أجلسنا النادل (الشخص المسؤول عن خدمة الزبا ئن) على احدى الطاولات حتى أودع كلاً منا لائحة الأطعمة التي تقدم في المطعم وكانت مطبوعة بشكل مرتّب ضمن دفّتين سميكتين مغلفتين بالجلد الناعم الأسود. بينما اخذنا نتأمّل أنواع البيتزا التي اتينا من اجلها، اختفى خادمنا ليعود ويقدم لنا ثلاثة أرغفة ساخنة طازجة ومنفوحة كالبالونات مع صحن صغير من الزيتون

كلّما اخترت صنفاً من أصناف البيتزا، كان يجيبني النادل انه ليس بمقدورهم تقديمه في الوقت الحاضر نظراً لعدم توفّر المواد في الأسواق كجبنة الموتزاريلا، او الجونبون، او البيبيروني، او السوسيس الإيطالية، او البارموزانو الى ما هنالك… الى ان وصلت الى نوع اسمه: بيتزا سوربرايز “Surprise” أي “المفاجأة”

سألت النادل: ماذا تحوي هذه البيتزا؟
أجابني: لا يمكنني الإفصاح عن المحتويات لانها يجب ان تكون “سوربرايز” أي مفاجأة

طلبت لنفسبي هذه البيتزا بينما عدل رفيقاي وطلبا طعاماً مختلفاً

عندما وصل صحني فوجئت ان البيتزا لم تكن مفتوحة بل كانت مطوية على شكل فطيرة او شكل “كالزون” إيطالي. سألت من كان يخدمنا: لماذا هذا الشكل؟ أجاب : هذه بيتزا سوربرايز وعليك ان تفتحها بنفسك لتكتشف ما في داخلها

وما ان أخذت شوكتي وسكينتي وقطعت وسطها حتى كانت المفاجأة! الذي كان في داخلها ما كان إلا بيضة على طريقة برشت! قلت في نفسي: جئت لآكل بيتزا وانتهيت بأكل خبز وبيض

بعد الانتهاء من الاكل طلبت فنجان قهوة وقطعة كيك إيطالية. اقتطعت بالشوكة قطعة صغيرة وأكلتها ثم أدرت الصحن لأفاجأ بوجود ذبابة مغروسة بالكريمة. صرخت مجدداً لمن كان يخدمنا فحضر على الفور الى جانبي. ما ان أريته الذبابة حتى أخذ شوكة واقتطع حواليها ثم قال: يمكنك اكل ما تبقى من القطعة

كانت هذه اول وآخر مرة أقصد فيها ذاك المطعم

قياسي

وقعة غير منتظرة مع المطاوعة

IMG_1955

وإن أخذ المرءُ كلّ حيطة لتجنّب ارتكاب أي مشاب في تصرفاته إلاّ ان تجده يقع أحياناً فريسةً سهلة لمن كان يرصد غيره! فعلى سبيل المثال نجد ان الكثير ممن يتلقّون مخالفة سرعة إنما هم أناسٌ منضبطون يحترمون قانون السير ولا يخالفونه عمداً.

كنت اصطحب زوجتي خلال الأشهر الاولى لزواجنا للتسوّق وتكملة حاجات المطبخ من أوانٍ وادوات خاصة بالطهي. وكانت طنجرة الضغط من العناصر المهمة التي يحتاجها كل منزل. وبعد ان جُبنا مدينة الرياض من الشمال الى الجنوب ومن الشرق الى الغرب بحثاً عن إناءٍ من ذاك النوع وبالحجم الذي يرضي رغبة زوجتي توصَّلْنا الى إيجاد طنجرة لها سعة ١٢ ليتراً قمنا بشرائها بعد ان قبلت بها على مضض لانها كانت تُفتّش عن حجمٍ أكبر.

أما في الشقة التي كنّا نسكنها فكان التصميم الإيطالي المودرن يغلب على مطبخها الصغير المنمّق. كانت الخزائن مبنيّة من ألواح ملساء لونها أخضر فاتح بينما مساحات العمل الأفقيّة كانت من لون بُنّي فيه تعريقات خشبية. أمّا الجدران فكانت مغطاة بالسيراميك الأخضر يحمل بعضٌ من قطعه رسومات تزيينيّة. وعند وضع الطنجرة فوق الموقد، كان غطاؤها يكاد يطال مروحة الشفط المركّزة فوقه، إضافة إلى أن ضغط البخار لم يكن كافياً لإشغال الصفّارة نظراً لصغر حجم الطبخة المُعدّة لشخصين. أما جرن المجلى فكان بالكاد يتّسع لاستيعابها لتنظيفها.

قصدنا سوبر ماركت الخزامى القريب لشراء طنجرة ضغط بحجمٍ أصغر من التي كنّا قد استحصلنا عليها سابقاً. كانت زوجتي ترتدي عباءةً حريرية سوداء فوق هدومها وذلك للتحشّم كما جرت العادة في تلك البلاد وتلك الأيام.

داخل السوبر ماركت أخذ كلٌّ منّا جناحاً للتفتيش عن الطنجرة. وما هي الاّ دقائق حتى عادت زوجتي لملاقاتي وهي تحمل بيديها إناءً من النوع الذي كنّا نبحث عنه. ما ان اقتربت مني وبادرت بالتكلم معي حتى ربّت أحدهم على كتفي. التفتّ الى الوراء وإذ بي أرى رَجُلين طويلي القامة يرتدي كلٌّ منهما على رأسه كفيّةً من اللون الأحمر الوطني إنَّما بدون عقال. كانت ذقن كلّ واحد منهما قد ربت بدون عناية ولا تنسيق. وكان احدهما يرتدي دشداشة بيضاء بينما كان لون دشداشة الثاني صحراوياً. وكان كل منهما يحمل بيده اليمنى خيزرانة رفيعة تكاد تصل الى كتفه.

سألني الرجل الذي كان الأقرب لي: “هل هذه الحرمة حقّك؟”. أجبته:”نعم”. قال آمراً: “أعطني إقامتك”. سألته: ” لماذا؟” وأنا أنظر الى زوجتي ولا أرى شائباً في منظرها. أجاب متوعّداً وهو يهزّ بخيزرانته: “لا تفتح تمّك بولا كلمة وإلا تسمع شيء ما يرضيك وتشوف شيء ما يعجبك!” أعطيته بطاقة إقامتي ومن ثم أودعني ورقة معدّة مسبقاً عليها عنوان قائلاً: ” إذهب بعد يومين بعد صلاة المغرب الى جمعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهناك يمكنك إعادة استلامها.”

سألت فيما بعد عن هذا التصرّف فأجابني أحدهم ان السبب يعود الى ان العباءة لم تحسن زوجتي العناية بها بكيّها بانتظام لذا انكمش قماشها وارتفع أسفلها الى ما فوق الكاحلين.

قصدت المركز في الموعد المحدد وكان يتواجد خلف احد الجوامع. بعد أن خلعت حذائي الى جانب الأحذية المصفوفة في المدخل، سحبت محبس زواجي الذهبي وساعة معصمي التي كان عليها بعض من الطلاء الأصفر وأخفيتهما في جيبي على أساس انه لا يجوز للرجل ان يتزيّن بهكذا معدن. دخلت رواقاً طويلاً أدّى الى غرفة بابها مفتوح كان يجلس فيها وراء مكتب خشبي أحد المسؤولين في المركز بينما كان يجلس في مواجهته على المقاعد الجلدية أحد الموقوفين مثلي الذي عرفت عنه لاحقاً انه لبناني.

كان الجالس وراء المكتب من ناحية اللباس والذقن يشابه كثيراً غيره في الجمعية بالإضافة الى انه كان يرتدي نظارات بنّية الإطار. ما ان عرّفت بنفسي حتى سحب دفتر إقامتي من درجه. كان بإمكانه التمييز من لون دفتر الإقامة، بين اللون البني وبين اللون الأبيض، بين المسلم وغير المسلم.

أخذ يُسائلني ويُوَبّخني في آنٍ معاً وكأن زوجتي تقترف الآثام وانا أُغفِل نظري. قال لي: هذه المرأة “حلالك” يجب ان تحافظ عليها. يجب ان لا تتركها تظهر بهذا المظهر! ثم استطرد سائلاً:”ليش ما تصير مسلم؟” أجبته: “ان شالله بنصير”.

ثم خطّ لي على ورقة تعهّداً طلب مني توقيعه:” نعم انا (….) ضُبطتُ وزوجتي متبرّجة وأتعهد بالمحافظة عليها وبردعها عن التبرّج (…) وذلك تحت طائلة التسفير من البلاد (…)

بعد ان وقّعت على التعهّد أعطاني كتاباً عن “التبرّج” وآخر عن “التدخين”. ثم طلب منّي الجلوس على الكنبة بجانب الشخص الذي كان جالساً في الغرفة قبلي لدى دخولي. فهمت ان حالته اصعب بكثير من حالتي. كان مسلماً اسمه “علي” وقد ضُبط برفقة زوجته التي لم تكن تلبس عباءة في متجرٍ يبيع الثياب النسائية وهو يعمل فيه.

وحيث ان البتّ بأمر “علي” كان يتجاوز صلاحياته فتح لنا باباً وطلب منا الدخول الى مجلس خاص بالجمعية. أجلسنا كلّاً على كرسي بالقرب من الباب الذي أغلقه في مواجهة رئيس المجلس الذي كان يجلس وراء مكتب خشبي كبير بينما بقية الأعضاء وكان عددهم يتجاوز العشرة يجلسون من اليمين واليسار على كنبات بنّية جلديّة. كان بعضهم يعبث بيده بأصابع الرجل التي رفعها الى جانبه وكأنه يمشّط خِصل شعر. أما رئيس المجلس فبدا أنه كان فاقد الرؤية في إحدى عينيه.

تطلُّع نحو “علي” وخاطبه: زوجتك تبيع في المحل؟
أجابه علي: لا، إنما جاءت لزيارتي في موقع عملي.
سأله: كيف تيجي بدون عباية؟
أجابه: جاءت لعندي لأشتري لها عباية.
سأله: وكيف وصلت لعندك؟ (على أساس أن المرأة لا يجوز أن تأتي لوحدها)
أجابه: أوصلها أخوها.
سأله: عندكم في المحل صور موديلات.
أجابه: مُذ قلتم أن ذاك ممنوع نزعناها.
سأله: عندكم موسيقى في المحل.
أجابه: لا، أوقفنا الموسيقى مُذ علمنا بأنها ممنوعة.
سأله: عندكم مرايا.
أجابه: مذ علمنا بأن ذلك مرفوض خلعناها.
سأله: عندكم غرفة لقياس الملابس!
أجابه: لا، هذا حمام.
سأله: وكيف فيه مراية؟
أجابه: قلتم لنا المراية ممنوعة في المحل فأخفيناها في الحمّام.
عندئذٍ انتفض رئيس المجلس وسأل “علي”: فين عقد النكاح حقك؟
قام “علي” وَسَلَّمه صورة عن عقد زواجه. ما ان تفقّد نصّها حتى بدأ يسأل “علي” مجدداً ليتأكّد من أنه لم يحضر عقداً ملفّقاً: ما اسم زوجتك؟ ما اسم عائلتها؟
عندما أعطاه اسم عائلتها انتفض الشيخ مجدداً وفتح أحد أدراج مكتبه وأخذ يبحث داخله الى ان سحب بطاقة إقامة وبادر بالسؤال: هل تعرف فلان من نفس العائلة؟
أجابه: هذا أخو زوجتي.
قال: هذا ضبطناه من ثلاثة شهور بمخالفة ولم يأتِ بعد الى المركز. هل هذا هو الأخ الذي أوصلها إليك!
قال: لا، هذا الأخ الثاني وهو خارج البلاد من ثلاثة شهور.

عندئذٍ طلب رئيس المجلس من “علي” التوقيع على تعهد بإحضار الأخ المسافر الى المركز فور عودته الى البلاد وذلك تحت طائلة المسؤولية.

وهنا انتهت تجربتي وعدت الي بيتي راجياً ان لا تتكرّر…

 

قياسي

ذكرى صلاة لا أنساها

IMG_7289.JPG

ذات يوم أحدٍ من شهر آذار منذ حوالي ثلاث سنوات، قصدتُ كنيسة دير مار مطانيوس الكبير في “أوترمون” في مدينة مونتريال وذلك للمشاركة بجنّاز الأربعين لوفاة والدة أحد أصدقائي. بعد ان أوقفت سيارتي بجانب رصيف أحد الشوارع المحيطة بالدير، أخذت أمشي نحو الكنيسة. زرقة السماء كانت صافية بينما أَشِعَّة الشمس الذهبية كانت تجد لنفسها أروقةً تسمح لها بالتسرب عبر الأبنية لتطال بعضاً من أغصان الشجر المتعرّي ومساحات من الطرقات والأزقًّة والأرصفة. رغم ذلك كان بردٌ قارسٌ لم يمنعه معطفي الأسود من اختراقه للوصول الى صلب جسمي.

بعد ان صعدت الدرج الرئيسي فتحت الباب الخشبي الخارجي ومن ثمّ عبرت الرواق للوصول الى الباب الداخلي. دخلت قاعة الكنيسة التي كانت في ماضٍ خلا كنيساً لليهود وقد تم ترميمه في بداية الثمانينات بعد ان انتزعت كل النجوم المسدّسة الزوايا. بهو الكنيسة ينقسم الى أربعة أقسام: الوسط وهو يأخذ القسم الأكبر من المساحة وهو مزنّر بجناحين واحد من اليمين والآخر من اليسار يعتلي كلٌّ منهما المنطقة الوسطى بنحو ثلاث درجات. أما القسم الرابع في صدر القاعة فما هو إلا المذبح المرمري الجميل الذي يزيده رونقاً الحائط المزيّن برسومات فسيفسائيّة والمتواجد خلفه.

بينما كانت الجموع تتوافد لحضور القداس، دخلت من الممر الأيمن للصالة وجلست على طرف أحد المقاعد الطويلة المصنوعة من خشب السنديان الصلب والمطلية بفارنيش خاص لوقايتها. ورحت أفكّر بزوجتي الموجودة خارج البلاد في زيارة لابنتنا في دبي وإذ بعائلة من ثلاثة أشخاص طلب مني احد أفرادها الغوص داخل المقعد لإفساح مجال لهم بالجلوس.

أزحت نفسي نحو اليسار حتى وصلت الى جوار سيدة في العقد الثامن من العمر كانت قد دخلت من الممر الأوسط وكان يجلس عن يسارها رجل يأخذ المكان الأقرب من الممر الأوسطي. كانت المسافة التي تفصلني عنها بمثابة ما كان يأخذه معطفها الذي طوته على المقعد عن يمينها والحقيبة الجلدية السوداء التي وضعتها فوقه. كانت ترتدي على رأسها منديلاً ابيض عليه رسومات سوداء يغطي معظم شعر رأسها وقد تمكنت بصعوبة من ربطه بعقدتين تحت ذقنها. أعادني منظهرها الى ايام طفولتي حيث كانت النساء يرتدين مناديل على رؤوسهن عندما يدخلن الكنائس! كان لها بعض البدانة في جسمها وكانت ترتدي فستاناً قماشه معرّق بألوان مائلة للأزرق وسترة كحليّة. اما أنفها فكان بحجمه يعطيها نوعاً من الوقار وبالأخص بالتالولة البارزة على جانبه الأيمن. أما عيناها فكانتا كبيرتين يكلّلهما حاجبان لم يعبث بهما ملقط شعر منذ زمنٍ بعيد!

وما مرّ وقت قصير لجلوسي حتى عطست السيدة عطسة دوت الصالة بصوتها وكانت قد تلقتها بسرعة البرق بكفّيها كليهما. بعد دقائق تلت العطسة الأولى عطسة ثانية ثم ثالثة الى ما هنالك. وكانت مواظبة على تلقف العطسات بكفيها كاملة ما خلا القليل من الرذاذ الذي كان يفلت من بين أصابعها!

لم يكن بإمكاني الهروب من موقعي لا من ناحية اليمين ولا من ناحية اليسار. جعلت انتظر الفرج او نهاية القداس وكان عمودي الفقري يزداد تقويساً نحو اليمين مع كل عطسة!

وما زاد “الطين بلّة” أن كان وصول “البركة”. وللذين لا يعرفون بالتفصيل كيفيّة إيصال البركة لدى الموارنة الى جميع المصلّين سأحاول ان اشرحها باختصار. يُعطي الكاهن البركة الى عدد من الأطفال الذين يلبسون اثواباً بيضاء. يتوزع الأطفال الصالة أقساماً بحيث يذهب كلٌّ منهم لإعطاء البركة للجالس على طرف كل صف وذلك بلمس يده. عندئذٍ على كل من تصله البركة ان يوصلها الى الجالس بجنبه. وطريقة الإيصال تتم بأن المستلم يضم كفيه ليتمكن العاطي من ان يطبق بكفيه فوق يديه، ثم المستلم يفتح يديه ليعطي بدوره البركة لجاره بنفس الطريقة…

ذعرت لمّا جاء دوري. لا مجال للفرار. أطبقتُ كفيّ وادرت يديّ نحوها وأغمضت عينيّ. المسألة لا تستغرق أكثر من جزء من الثانية! …بعد اكثر من ثانية كنت مازلت أشعر بيديّ عالقتين بين كفّيها كما كنت أشعر بنوع من الرطوبة اللاصقة تغطي ما لمست من بشرتي. فتحت عينيّ لأجدها تبتسم لي وهي تميل رأسها من اليمين الى اليسار!

انتظرت بفارغ الصبر وقت المناولة لأتمكن من مبارحة مكاني. كنت اشعر طوال ذلك الوقت بأن الجراثيم تجهد لاختراق جلدي. ذهبت بأسرع ما يمكن الى الحمام لأغسل يديّ مراراً عديدة. وبعد ان انتهيت لم أعد الى مكاني!

 

 

 

قياسي

كيف دخلت السجن بسبب مخالفة سير

img_1945

تعودت منذ حداثة سني ان احترم قوانين اي بلد أزوره قدر ما كنت على علم بتلك القوانين.

كنت قد امضيت زهاء سنتين في مدينة الرياض عندما حدثت لي تلك الواقعة. مُذ عقد قراني قبل أشهر كنت اسكن مع زوجتي شقةً في منطقة العليّا تقع في الطابق السابع من مبنى ابيض كان يُعرف ببناية البنك الأمريكي نظراً لتواجد الفرع الرئيسي في طابقه الأرضي. وكانت واجهات العمارة تتميّز بشبابيكها ونتوءاتها المعمارية لتذكر الرائي بكرتونة البيض. ولم يكن من الصعب الدلالة عليها.

في ذلك الزمن كانت المدينة في خِضمِّ نشأتها وكانت الشوارع الجديدة تُعبّد بسرعة لا تسمح بالبحث عن اسماء لها. فكانت تسمّى مثلاً “بشارع الستّين” او “شارع الأربعين” او “الثلاثين” وذلك تكنّياً بالأمتار التي كان عرض الشارع يأخذها !

ذات يومٍ وفِي حوالي الساعة الواحدة بعد الظهر، كنت في طريقي الى مسكني حيث كانت زوجتي تعد الدقائق في انتظاري لتناول وجبة الغذاء. كنت أخالها وقد أعدّت المائدة على طاولة السفرة المستديرة بينما الوجبة الرئيسيّة ما زالت في الطنجرة تُطهى على نار هادئة.

وإذ كنت في الميل الأخير لرحلتي كان عليَّ ان انعطف من شارع الثلاثين نحو اليسار على إشارة ضوئية ثلاثية الإتجاهات. إلا انه لدى وصولي للتقاطع، فوجئت، كما فوجئ غيري، بشرطي يشير لنا باتِّباع الطريق ويمنعنا من الإتجاه نحو اليسار. اكملت الطريق باتجاه منطقة السليمانية الى ان وصلت بعد نحو كلم الى إشارة ضوئية ثلاثية الإتجاهات أيضاً إنما بشكل معاكس للأولى. وكانت السيارات التي لم تفلح مثلي في أخذ المفرق السابق تنتظر دورها للإنعطاف نحو اليسار والعودة بالإتجاه المعاكس. وكانت السيارات تأخذ منحاها بالإلتفاف بأرتال مكونة من نحو من عشر سيارات او أكثر كلما أستضاءت الإشارة بالنور الأخضر.

ما ان جاء دوري وانعطفت بالسيارة وإذ بي أفاجأ بحاجز شرطة مؤلف من شرطييْن اثنين يشيران الى السيارات بالإتجاه نحو فسحة ترابية كبيرة غير منتظمة على يمين الطريق بينما كان أفراد آخرون من الشرطة يطلبون من السائقين إيقاف سياراتهم: “برِّك السيارة هِنا واصعد في الباص”.

كانت ثلاث حافلات كبيرة تنتظر جموع الموقوفين. تم إعلامنا ان مخالفة الإلتفاف الى اليسار عقابها ثلاثة ايّام حبس. وكانت إشارة مرور مبرشة اللون موجودة على التقاطع تشير الى عدم السماح بالإلتفاف. صعدت الى احدى الحافلات واخذت احدّق بمن تواجد. كانوا جميعاً من غير المحلّيّين. أما ابن البلد الذي كان يعرف من لباسه الأبيض وكفيّته وعقاله فكان لا يكف عن مجادلة الشرطي بانفعال وهو ينفض يده اليمنى المفتوحة من أعلى الى أسفل حتى يخرجه الشرطي من الحافلة ويتوارى عن انظارنا.

انطلقت الحافلات نحو السجن. بعد نحو نصف ساعة وصلنا الى باحته. توقفت الباصات. صعد الى حافلتنا مذيع تلفزيوني مع ميكروفونه ومرافقه الذي كان يصور بكاميرته تحقيقاً للأخبار المحلية. أخذ يسأل الموقوفين عن شعورهم وعواطفهم تجاه تطبيق قوانين السير! أخذت انظر جانباً محاولاً ان اختبئ عن أنظاره. ماذا أجيبه لو سألني؟

وقفنا في صفٍّ طويل امام كشك حارس المدخل. كان كل منا يسلم حذاءه وسير الخصر وأي قلم حبر كان يحمله. كان كل قلم يرمى في علبة كرتونية قديمة للأحذية فيما الأحذية والأحزمة كانت توضع على ارف خشبية باخ لونها من كثرة الاستعمال. في زمن لم تكن قد تواجدت فيه بعد الخلويات، سألت عن كيفية الاتصال بعائلتي لاعلامها عن مكان وجودي وكنت أفكر بزوجتي القابعة في انتظاري. أجابني الحارس بوجود هاتف داخل السجن. سألني عن اسمي الاول ودوّنه على دفتر عادي كالذي كنت استعمله في المدرسة ايّام زمان.

دخلت وراء الواجهة ذات القضبان الحديدية عبر باب من نفس التصميم. كان الداخل عبارة عن صالة كبيرة غير منتظمة الجوانب بحيث انه، من ناحية اليمين الأمامية، كان يتواجد ممر بعرض نحو من مترين ونصف وطول خمسة أمتار يؤدي الى باب حديدي مغلق على الدوام تختفي وراءه حجرة الموقوفين الخطرين. اما من ناحية اليسار الخلفية فكان يتواجد ممرّ يؤدي الى غرفة صغيرة يستعملها بائع الشاي داخل السجن.

أسرعت نحو الهاتف المعلق على الحائط وكان قد رُكِّز على مستوى عالٍ. تساءلت : ماذا يفعل قصيرو القامة ؟ وبدا لي ان الجهاز كان قد عانى الأمرّين في ما مضى وقد تغيّر لونه مع الزمن إذ خلت انه كان في الأصل ابيض اللون. كانت الأرقام من النوع الذي تضغط بإصبعك على كل رقم تطلبه. حاولت طلب رقم المنزل ولم أفلح لأن احد الأرقام لم يكن ليعمل!

رجعت نحو الواجهة الحديدية وإذ بي أرى في الخارج عشرات الأشخاص مصطفّين ينظرون إلينا. يبدو أنهم جاؤوا لتفقد أناس يعرفونهم وقد تم سجنهم. وبينما كنت أحدّق في الوجوه وجدت بينهم شخصاً أعرفه. صرخت له وطلبت منه الإتصال بزوجتي لإخبارها بوضعي وبإرسال طعام لي وغطاء للنوم (كانت الوسادات ممنوعة داخل السجن).

بعد ان اطمأننت ان زوجتي ستعلم بما حصل لي أخذت أفتّش عن مكان أقبع فيه. تربعت قرب الحائط الخارجي في الممر القريب من ركن السجناء المتهمين بذنوب أكثر خطورة. أخذت أحدّق بما حولي. كانت الارض مغطاة بسجادة بنيّة اللون من نوع الموكيت الرخيص الذي برِش تحت الارجل في الوسط بينما ملأت البقع المختلفة والمتنوعة الحجم بقيّة المساحات. بعد ان حيّاني جلس بجانبي احد الموقوفين وأخذنا نتحدّث. أعلمني ان بعض “النزلاء” لهم أكثر من أسبوع لأن كفلاءهم لم يحضروا لإخراجهم!

كان تعداد الموقوفين يزداد مع الوقت وكلّما وصلت حافلات جديدة. وقد استرعى انتباهي وصول عاملين من أصل يمني يبدو أنهما كانا يعملان على معدات ثقب الصخور. كان الغبار الأبيض يغطّي جسميهما كافةً من شعر الرأس مروراً بالحواجب والرموش انتهاء بكعب ارجلهما.

زاد امتلاء القاعة بالمساجين لدرجة ان التنقل بين ناحية واُخرى اصبح بصعوبة بمكان. افترشت مكاناً لجسدي على الأرض بالغطاءين اللذين كانت قد أرسلتهما لي زوجتي غير عابئ بما كان تحتي من بقع! ولإفساح المجال للآخرين اضطررنا للنوم رأساً وعقباً!

لا يمكنني ان أنسى تلك الليلة التي تميزت بتنويع من الروائح النتنة وسمفونيات شخير نابعة من أجسام مرهقة!

لم أمكث ثلاثة ايّام في ذلك السجن لان الإتصالات ساعدتني للخروج منه بعد ظهر اليوم الثاني. وعندما خرجت لم أتمالك نفسي من ذرف الدموع…

قياسي

The worldwide Casino we live in

img_6064

Over the last three decades, the world has evolved at an unprecedented pace.
In a non-distant past, it was feasible for a hard working middle class individual to achieve his dreams and aspire to lead a better life. This no longer possible as it was before.

Government shortsightedness, legislations, rules and regulations helped greedy individuals, corporations and associations succeed at the expense of the middle class.

Small investors aiming to make a living out of their investment were bound to lose their capital in the attempt to build a small business. Below are some examples on the options available to a family with a couple hundred thousand dollars to invest?

Bank deposit
At current interest rates, the yearly bank deposit returns on this amount would barely compensate for the inflation rate!

Real Estate investment
Such a small investment is insufficient for a substantial acquisition that will generate a revenue allowing for a family to make a living!

Open a restaurant
Opening a new restaurant or buying an existing one will not permit a family to survive off of it in the actual market. Government regulations, taxes, advertisements, rental and services costs, competition make it tough to leave enough profits to make a living.

A restaurant franchise makes the franchisee feel like he is paying to get employed if not enslaved by the franchisor. The family is literally left with a fraction of the benefits and can hardly make a decent living in spite of the hard work!

Open a retail store
This is becoming the fastest way to lose your money. Competition is insurmountable and is dominated by two kinds of corporations:

• The multinational retailing corporations
1. Their rental costs are fraction of what a small retailers would pay.
2. Their buying power allows them way bigger discounts.
3. Their overheads are huge but their percentage ratio is lower.
4. They are less likely to be harassed by government agencies.
• The behemoth internet outlets
1. Could be located anywhere in the world.
2. Do not pay prime locations rents.
3. Do not have to pay municipal taxes and may be spared other taxes.
4. Do not need to hire well dressed sales personnel.
Adventuring in a Manufacturing workshop
“Free Trade agreement’’ fails to provide hope for such businesses; Items manufactured abroad by cheap labor, flood markets and leave no survival room for artisans. “Globalization’’ as called by politicians, has proved to be nothing more than an empty shell.

Invest in the stock market
The last resort for investors. Large corporations through brokers tell people: invest with us, sit back and watch us do the work for you. The big dilemma however is that no expert can really predict the path of an investment growth. But all are good to explain the reasons behind the fall of a stock only after it happens.

We have witnessed crashes in the stock markets over the last couple of decades. These crashes led to the melting of the savings of tens of millions of people who took decades to accumulate! It is said in chemistry “Nothing is lost, nothing is created…” It remains that we have to wonder who benefits from these losses at the end.

Conclusion
We are living in a worldwide Casino! The middle class is being wiped away by entities greed whose rapacity is limitless.

Urgent alterations in legislations are needed to reverse this cycle and protect small to mid size enterprises. Otherwise, we will end up living in a society that looks like an ocean contains big sharks and tiny fishes with no place for other middle size species!

قياسي

كيف تجنبت زواجاً قسرياً في العراق؟

img_1899

كنت في نهاية الشهر الاول من عملي الجديد في مشروع إنشاء مصنع الإطارات في الديوانيّة، والتي كانت تقع على نحوٍ من مئتي كلم جنوب بغداد عندما حدثت تغييرات مفاجئة في مكتب الورشة. كان المكتب عبارة عن مبنى مؤقت مستطيل الشكل مبني من جدران رفعت من بلوكات إسمنتية فوق بلاطة خرسانية. كان للمبنى مدخل واحد يؤدّي الى رواق يتفرّع نحو اليمين ونحو اليسار. أما القسم الأيمن فكان في أقصاه يحوي من ناحية مكتب مدير عام المشروع ويقابله من الناحية الثانية مكتب مدير المشروع وكان كلاهما ألمانيين يحسنان التخاطب والمراسلة بالإنكليزية. الى جانب مكتب مدير المشروع كان يتواجد مكتب المهندس التقني للمشروع وكان هندي الأصل بينما كانت تجلس مقابله زوجته التي كانت تعمل برتبة سكرتيرة للمراسلات باللغة الإنكليزية. من الناحية الثانية كان مكتب مخططات المشروع وكنت أشارك رسّامين هندسيّين إشغاله. اما القسم الأيسر من المبنى فكان يحوي مكاتب المحاسبة ومكتب نقابة العمال ومكتب السكرتيرة للمراسلات العربية والتي كانت عراقية جميلة المظهر وتحمل اسم ياسمين.

اما المفاجأة فكانت فصل المهندس الهندي وزوجته وترحليلهما بيوم واحد وما زلت لا أعلم لغاية اليوم السبب الرئيسيّ لذلك. صدر أمر من المكتب الرئيسي في لندن بتسليمي مهامه إنما لم يكن بالسهل إيجاد بديل عن زوجته. فالعراقيون والعراقيات في ذلك الزمن كان إلمامهم ضعيفاً باللغة الأجنبية. أما إستحضار اجنبي أو أجنبية لملء الفراغ فكان من شبه المستحيلات نظراً للوقت الذي كانت تستغرقه إجراءات التأشيرات! حتى الطابعات الآلية الكهربائية كانت مرفوضة خوفاً من أن تستعمل لأغراض سياسية. أما كل من كان يُرخّص له بالعمل على تلك الآلات الغير كهربائية فكان يتوجب عليه إجراء أختبار يتم خلاله أخذ بصمات طباعته ليتم التعرف عليه في حال نشر اي نصٍّ يتعرّض للنظام الحاكم.

وإذ كان عقد بناء المشروع يتطلب المراسلة باللغة الإنكليزية، كنّا نرسل كلّ خطاباتنا بتلك اللغة موجّهة للمهندس المقيم الذي كان يمثّل الدولة وكان له هو الآخرمكتب في الورشة يبعد نحو مئة مترٍ عن مكتبنا. وإذ كان النظام إشتراكياً بامتياز كان علينا تحرير طلبات الإستيراد مسبقاً وأخذ موافقة المهندس المقيم لتكملة المعاملات اللازمة وكان هذَا الأخير يجيبنا بالعربية وكنت أتولى مهمة الترجمة لمدرائي الألمان.

ذات يوم خميس بعد نحو شهرين من مهمتي الجديدة كنّا في صدد إنتظار ردٍ بالموافقة على طلب استيراد مواد للمشروع لإرساله مع مندوبنا الى بغداد. طلب مني مديري مراجعة المهندس المقيم لاستعجال الامر. لما قابلته اعلمني انه قد وقعه وما كان عليّ الاّ مراجعة السكرتيرات. كان لهنّ مدخل خاص من الخارج في طرف مبنى مكتبه.

كنت أرتدي قميصاً ابيض بأكمام قصيرة فوق سروالٍ كاكي قصير. قرعت الباب ودخلت لأفاجأ بوجود اربع سكرتيرات بدل الواحدة. كنّ يجلسن كل واحدة وراء مكتبها اثنتان في الصدر وواحدة من اليمين بينما الأخيرة من اليسار. ولم يكنَّ يرتدينَ العباءة السوداء اثناء عملهنَّ. كنَّ حسناوات الشكل والقوام ولم يكن بمقدوري ان أتفقد مظهر كل واحدة على حدة خوفاً من مغبّة تصرّف يتعدى الأصول!

عرّفت بنفسي وطلبت ما جئت من أجله لأفاجأ بأنهنّ ينظرن إليّ بعيونٍ تبرق ورموشٍ ترفرف وشفاهٍ تُغري اي امرئٍ بحركاتها. ظننت نفسي وكأني نجمٌ سينمائي حلّ عليهن فجأة ولا يصدقن أنهنّ وُجدنَ منه على هذا القرب! خجلت من نظراتهن مع ان هرمونات شبابي كانت في أوجها وأخذت انظر الأرض امامي خوفاً من ان تتشابك عيناي مع أعينهن! تسلّمت الموافقة الموقعة وعدت الى مكتبي.

وما مكثتُ الا دقائق واذ كنتُ أحدّق بالمكتب الفارغ في مواجهتي حتى رأيت احدى الفتيات الأربع تدخل الى غرفتي وقد غطّت العباءة السوداء جسمها ورأسها فيما عدا وجهها الذي كان بياضه يسطع وسط القماش القاتم. وقفت مرعوشاً وانا اتطلع الى تكاوين الوجه الذي لم تعبث به المساحيق والبشرة الناصعة التي لا يعكّر نعومتها الا آثار جرح قديم وصغير في أسفل خدها الأيسر… اما عيناها السوداوان فكانتا لا تخفيان انجذابها وكأنها وقعت في الغرام من أول نظرة!

قلت لها انه ليس بإمكاني استقبالها في مكتبي لأننا من جهة في ورشة بناء ومن ناحية اخرى لانها تعمل بمنصب أمينة أسرار المهندس المقيم. فيما كنت أكلمها كانت هي تنظر الي بعينين دبلانتين مسحورتين وكأنها لا تسمع ما اتفوه به فيما كانت ابتسامة صغيرة تزيّن شفتيها. وكنت اسمع خلال ذاك الوقت أحاديث رجال في الخارج الى ان ناداها مسؤول نقابة العمال فخرجت ولم تعد.

بعد حوالي نصف ساعة دخلت الى مكتبي ياسمين السكرتيرة وقالت: “ماذا فعلت بالبنات؟ لقد “تخبّلن” مُذ رأينك.” وعلمت منها ان التي زارتني اسمها “رحاب” بينما جاءت اثنتان أخريان، كلّ على حدة، وسألتاها عني.

بعد يومين أرسلت لي رحاب قالب كاتوه صنعته بنفسها إنما يبدو انها لم تنجح في طهيه لان قلبه كان لا يزال عجيناً. وبعد أسبوع أودع لي مرسل ظرف رسالة من النوع الذي كان يرسل جواً لأن محيطه كان مخططاً بأقلام عريضة زرقاء وحمراء مائلة. قبل ان أرى ما في داخله لاحظت ان طرفه ممزوق وقد أعيد إغلاقه بواسطة دبّوس إبرة. سحبت الدبوس وأخرجت الورقة الموجودة في الداخل لأجد رسالة خطّتها رحاب بيدها وبدأتها بالبسملة ثم كتبت: “حبيبي بشير. منذ ان وقعت عيناي عليك لم أعد أستطيع النوم. لا يمكنني تصور العيش من دونك ولو ليوم واحد…” لم أكمل القراءة ثم أخفيت الرسالة وتجاهلت انها وصلتني.

في عطلة نهاية الأسبوع واذ كنت اشتف القهوة مع رفيقي برفقة زوجة أحدهما في المنزل التابع للمجمع السكني الذي كانت الشركة تستأجره وإذ بالباب يُطرق. فتح احدهما الباب لنفاجأ بأن رحاب جاءت لزيارتي. دخلت الصالون وجلست وهي تبتسم. عندئذٍ انسحب الرفاق وخرجوا وكأنهم أرادوا إخلاء الساحة لي رغم إصراري على بقائهم. ارتبكت وأخذت أفتح ستائر واجهات المنزل الزجاجية ليرى من يراقب ان لا شيء مريب يحدث داخل المنزل. قلت لها أني مضطر لمغادرة المنزل ولا يمكنني إصعادها معي في السيارة. وعند استغرابها أعلمتها انه لا يجوز ان تقوم أية علاقة بين اي موظف من شركتنا مع أية فتاة تعمل لدى المهندس المقيم خوفاً من ان تتسرب الأسرار من فريق لآخر.

بعد أيام دخلت ياسمين الى مكتبي لتخبرني ان الإشاعات قد ملأت الأجواء عن علاقتي برحاب. قلت لها انه لا توجد أية علاقة ، أجابت كيف تقول هذا وهي قد أخبرت صديقاتها أنها سافرت معك الى كربلاء حيت مكثتما سوياً ثلاثة أيام وسافرت معك أيضاً الى بغداد حيث امضيتما يومين. أجبتها ان الخبرعارٍ من الصحة!

وكانت المفاجاة عندما قالت لي: “عندنا في العراق، إذا حصلت أية علاقة حميمة بين فتاة وشاب، فما على الفتاة إلا أن تختار اي رجل يعجبها وتعلن انه هو المسؤول. فإما ان يتزوجها وتنتهي المشكلة او تقوم عائلتها بقتله. فانتبه عَلى نفسك! الا تعرف قصة أحمد الذي يعمل مراقباً والذي اجبر على الزواج؟ “. عندئذٍ بدأت أتخيل نفسي في مطار بيروت وانا انزل سلم الطائرة وعلى يميني رحاب وهي ترتدي زيها المعروف!

صُعقت للخبر ودخلت مكتب المدير العام لأقص عليه الواقعة، وكان يدعى “سرج مِلر”. لم يكن بالسهل إفهام ألماني ما يمكن أن يحدث من علاقة بين شاب وفتاة في بلاد الشرق. بعد ذلك رافقني لمكتب المهندس المقيم لأنه كان لا يوجد مجال لإضاعة الوقت.

ما ان فتحنا الموضوع حتى رأيناه يضحك تارة ويقهقه طوراً ثم يعود ليبتسم اذ كان خبر علاقتي برحاب حديث الساعة وكان على كل شفة ولسان. لم يصدق نفيي للإشاعات وكان مقتنعاً أني رافقتها الى كربلاء وبغداد. وأعلمني أيضاً انه كان قد قرأ محتوى الرسالة التي كانت رحاب قد أرسلتها لي. وأخبرني انه كان يرسل أناساً لتتبعي حيث اذهب، الا أني كنت أفلت في كل مرة من ملاحقتهم (كنت اسلك طرقات فرعية لتجنب زحمة السير). بعد أخذ ورد طلب من الفتاة ان تحضر الى مكتبه. فلما حضرت أمامه سألتها: هل صعدتِ معي في السيارة؟ هل لمست بشرتك في اي مرة؟ هل وعدتك بشيء؟ هل…؟ هل…؟ وكانت الإجابة بالنفي.

عدت الى مكتبي مقتنعاً ان الموضوع قد طوي الى الأبد. بعد أسبوعين علمت ان الفتاة تم تسريحها من العمل. أسفت للخبر لأني لم أكن اريد ان أسبّب لها اي سوء.

بعد نحوٍ من شهر دخلت ياسمين الى مكتبي مجدداً لتخبرني أن ثمة إشاعات قد انتشرت بأن أهل رحاب يريدون قتلي لأني تسببت بإساءة سمعتها. وطلبت مني ان أكون حذراً في تنقلاتي.

بعد ذلك لم أعد أخرج الا للضرورة وبرفقة صحاب لي وداومت على ذلك حتى انتهاء مهمتي بعد شهرين من ذلك.

بعد تلك اللحظات التي عشتها في مكتب السكرتيرات لم أحظَ بفرصة ثانية تجعلني اشعر فيها بالتقدير الذي يحظى به النجوم!

قياسي

قصّة علاقتي بأحلام في بغداد

img_1887

وصلت مساء الخامس من كانون الثاني سنة ١٩٧٧ الى بغداد على متن احدى طائرات طيران الشرق الأوسط. اضطررنا للبقاء داخل الطائرة اكثر من ساعة حتى صعد على متنها احد أفراد المخابرات للتأكد من هويّة كلٍّ من المسافرين. كان ضخم الجثة تُغطّي رأسه قبعة سوداء من الفرو مستطيلة كراكولية الشكل من النوع الذي يُرتدى من الخلف الى الامام. اما معطفه القاتم اللون فكان من الجوخ الكثيف وكان يلفُّ شالاً بيجياً حول عنقه يكاد يخفي قبّة قميصه البيضاء وربطة عنقه. اما وجهه المكفهر فكانت معالمه لا تُخطئ في الدلالة على اصوله العراقية وبالأخص بعينيه الكبيرتين وشاربيه الكثيفين اللذين يأخذان شكل فرشاة.

وبرفقة شرطي متأهبٍ الى جانبه أخذ رجل المخابرات يتفرّس بكل جواز سفر ثم يحدِّق بعيونٍ ثاقبة لثوانٍ تكاد لا تنتهي في وجه حامله. ما ان أتى دوري حتى شعرت بنوعٍ من الامتعاض وبدأ جبيني يفرز عرقاً. أعاد لي جوازي ثم انتقل الى من تبقى من الركاب لإكمال جولته. بعد ذلك أفرج عن المسافرين فاتجه كلٌّ لأخذ حقيبته وتكملة مشواره.

في سيارة الأجرة التي كانت تقلُّني الى المنزل الذي كان بمثابة محطة لموظفي الشركة التي كنت اعمل لديها، بدأت أسترجع بذهني توصيتين اثنتين خصّني بهما احد رؤسائي: “لا تتكلّم بالسياسة وتجنب أية علاقة مع الفتيات العراقيات”.

مكثت عدة ايّام في بغداد حيث كنت انام ليلاً في المنزل الذي كان يقع في منطقة مسماة “عَرَصات هندية” بينما كنت امضي نهاري في العمل في مكتب الشركة الذي كان يقع في شارع الجمهورية. وكان مشروع بناء مصنع إطارات الديوانية الذي أوفدت للعمل فيه يتواجد على نحو ٢٠٠ كلم جنوب بغداد. اما عقد تنفيذه فكان بتعاونٍ مشترك بين شركة كتّانة اللبنانية وشركة “ديكورهوف اند ڤيدمان” الألمانية. اما عن بغداد فقد فوجئت خلال مكوثي فيها بحدائقها الجميلة ومنازلها المكسيّة بالطوب الأحمر الغامق والمبنية بتنسيق جيّد على شوارع أُحسن تفريعها. اما مطاعمها فكانت على درجة لا بأس بها خصوصاً اذا ما قورنت بباقي العواصم العربية.

وصلت الى مركز عملي في الديوانية وكان المشروع يبعد نحواً من ١٠ كلم عن المنزل الذي كنت أقطنه مع اثنين من موظفي الشركة التي كانت تحرص على إسكان كل فريق مع أهله. وكان المنزل يحوي ثلاث غرف نوم وصالوناً كبيراً وغرفة طعام ومطبخاً وحمامين وباحة خارجية محاطة بسورٍ عالٍ من ناحية الطريق تعلوه نباتات متسلّقة خضارها غامق وأزهارها حمراء. اما المدخل الخارجي للباحة فكان حديدياً دُهنَ بأسود تقلّش مع الزمن.

ما ان كنت في مسائي الثاني في المنزل حتى رنّ التلفون الوحيد الموجود في الرواق فهممت لأخذ المخابرة اذ كان كلٌّ من صاحبيّ بعيدين عن الهاتف. ما ان أجبت “آلو” حتى بادرني صوت ناعم “من أنتَ؟”. أجبت ” أنا بشير” فقالت “بشير من؟” فأجبت: ” أنا مهندس جديد وقد وصلت منذ يومين. مع من أتكلم؟”. قالت “أنا أحلام” فأجبت ” تشرفنا. بماذا يمكنني ان أساعدكِ؟”. قالت “أين آسيا؟” قلت “آسيا من؟” سألت ” أنت لبناني ولا تعرف آسيا؟” قلت “بلغت هذا العمر ولم اعرف أحداً يحمل هذا الإسم!” عندئذٍ قالت: “لا أستطيع العيش بدون آسيا ولا طعم للحياة بدونه! سأقتل نفسي، سأنتحر! ستقرأ الخبر في صحف نهار غد! انت آخر من أتكلم معه!” صعقت بالخبر واخذت احاول دون جدوى إقناعها بالعدول عمّا هي عازمة عليه الآ أني لم أفلح! بعد زهاء الساعة من الكلام أقفلت السماعة ولم تعطني اي انطباع بأنها ستحجم عن قتل نفسها!

بعد المخابرة التي خضّت مشاعري سألت رفيقيّ عن آسيا. أجابا انه كان مسؤولاً عن الكانتين التي كانت تقوم بإطعام مجمل عمال وموظفي الشركة وكان عددهم بالمئات وانه قرر الرحيل فجأة ولن يعود! وانه كان على علاقة حميمة مع احلام!

بعد يومين تلقيت مخابرة ثانية من أحلام. في البدء كنت سعيداً من انها لم تقترف ما لا تحمد عقباه الا انها ثابرت بترديد ما تنوي فعله وأنها لا تستطيع العيش بدون آسيا! ظللت أحاول ثني عزيمتها قائلاً انه لا يوجد رجل في هذا العالم يستحق ان تموت فتاة من أجله اذا فارقها… إلا أني كنت وكأني أتكلم مع جدار!

توالت المكالمات وهي تزيد من تهديدها بإنهاء حياتها الى ان قلت لها أني سأسافر في نهاية الأسبوع الى بغداد. واذ كنت شبه واثق بأني سأتمكن من إقناعها عندما القاها وجهاً لوجه بان تُحجب عمّا عزمت عليه كنت في نفس الوقت مرتعباً من ان أخفق في مهمتي وسألوم نفسي أذا هي أقدمت على الإنتحار.

كانت السيارة التي وضعت تحت تصرفي من نوع ڤولكس ڤاكن “الخنفساء” بيضاء اللون برازيلية الصنع. ومع انها لم تكن قد تجاوزت سنة من الخدمة الا ان قلة اهتمام التقنيين الألمان الذين كانوا يعملون في كراج الشركة كانت السبب الرئيسي لبعض الأعطال الميكانيكية التي كانت تحصل من وقت لآخر.

واذ كان نهار الجمعة يمثل نهار العطلة الأسبوعية استقللت السيارة نهار الخميس باتجاه بغداد وذلك بعد انتهاء اعمال النهار. واذ كنّا في فصل الشتاء والشمس تغيب باكراً، وسأضطرّ لقيادة السيارة في الظلام وإذ كانت الڤولس ڤاكن مجهزة ببطارية 6 فولت فلا أستطيع القيادة بسرعة تزيد عن ٦٠ كلم في الساعة لان سرعة السيارة كانت تتجاوز ما تنيره المصابيح الأمامية. لذا كانت تستغرق الرحلة اكثر من ثلاث ساعات! اما الطريق فكانت مستقيمة لدرجة آنه بمجرد رؤية ضوء سيارة آتية من الجهة المقابلة كنت انتظر نحواً من عشر دقائق قبل التقائها.

ما ان وصلت الى بغداد حتى اتصلت بأحلام لملاقاتي للعشاء في احد المطاعم. حضرت وكان برفقتها ابن شقيقها الذي لم يكن قد وصل الى الثامنة عشرة من العمر. قدّرت مجيئه خصوصاً لأني كنت في صدد مساعدة الفتاة.

اما هي فكانت شقراء، طويلة القامة، جسمها متوازن المقاسات تمشي وهي واثقة من أنوثتها، بيضاء البشرة ولها وجه فيه ما يكفي من الجمال ويزيد من إشراقه لون عينيها العسليتين. وكانت متمدنة في ملبسها من حذاء الكعب العالي الى التنورة الكحلية التي لا تخفي ركبتيها الى القميص الحريري الملّون برسوم أزهار والذي كانت ازراره امامية تخفي جسمها فيما عدا ما تحت رقبتها الممدودة حيث كانت تلبس أيقونة معلقة بسلسلة ذهبية.

جلست بجانبي بينما جلس ابن أخيها في المقابل. ما ان وضعنا طلبية الأكل حتى بدأت تروي لي قصة آلامها. كانت عيناها تغرورقان بالدمع طوال الحديث فاحتسينا الشورباء وهي تردد ما كانت تقوله لي في المخابرات الهاتفية بينما كنت أحاول بشكل متجدد إقناعها بان الأمور ستتحسن وان الحياة أمامها ولا داعٍ لذرف الدموع على من لا يستحقها.

ما ان حضر الطبق الرئيسي وكان “ستيك” مع البطاطا والخضار المسلوقة حتى بدأت تنفرج أساريرها وبدأت ملامح الاسى تختفي من وجهها. وما هي الا دقائق حتى رأيتها تقتطع بشوكتها وسكينها قطعة صغيرة من اللحم في صحنها وترفعها بالشوكة نحوي وهي تحرك رموش عينيها وكأنها تطلب مني ان افتح فمي. تلقمت القطعة وأخذت امضغها على مهل وانا أسائل نفسي: هل من واجبي ان أبادلها بالمثل؟ ألا يقتصر هكذا تصرف على العشاق؟ أم ان للعراقيين عادات لا توجد عند سواهم!

لم أعد الى بغداد الا بعد ثلاثة أسابيع. لم تنقطع الإتصالات الهاتفية وكنت اواسيها في كل مرة على ما فقدت. ما ان التقينا على الغذاء في احد المطاعم حتى بادرتني بقبلة على خدي. كانت ابتسامة عريضة تزيّن وجهها. بعد ان تناولنا الطعام صعدت الى جانبي في السيارة وطلبت مني ايصالها الى منزل اختها وأخذت تدلّني على الطريق. وما ان وصلنا الى منطقة الكرادة حتى تطلعت نحوي بعينين متدبّلتين وبادرتني بصوت كله نعومة قائلةً:” لقد تكلّمت مع والدي فيما يتعلّق بعلاقتي معك”. واذ كانت قد أعلمتني ان والدها ضابط كبير في الجيش فقد سكّت ركبتاي وبدأ جسمي يفرز عرقاً.

وما أنا أفكر فيما قالته لي واسأل نفسي هل أنا في حلم أم في واقع حتى دخلنا في دوّار كبير لم أرَ مثيلاً له من قبل. كان يتّسع لخمس او ست سيارات دفعة واحدة. أبطأت سيارة امامي ففرملت. الا ان محرك سيارتي انطفأ. حاولت إشعاله مجدداً دون جدوى. فكان علي ادفع السيارة من الوراء لإعادة تشغيل المحرك. سألتها “هل تحسنين القيادة؟” أجابت “نعم”. نزلت من ناحيتها ودارت من امام السيارة لتجلس مكاني. وضعت الڤيتاس على السرعة الثانية ثم شرحت لها انه يجب عليها ان تبقي الضغط برجلها اليسارعلى دعسة الدبرياج حتى اصرخ لها فترفع رجلها فإذا دار المحرك تعود لدعس دعسة الدبرياج حتى ادخل السيارة واضع الڤيتاس على المحايد واستلم المقود. واذ كانت تجهل القيادة، حاولت دفع السيارة خمس او ست مرات الا ان المحرك كان ينطفئ مجدداً.

لم يتوقف احد لمساعدتنا. كان لا بد ان تدفع هي السيارة بينما اجلس أنا وراء المقود. نزلت احلام من السيارة وكانت ترتدي فستاناً لونه أحمر ساطع يصل الى ما فوق الركبة، ضيق على الخصر بينما يتسع في أسفله بشكل جرس. ما ان انحنت لتدفع السيارة حتى ارتفع أسفل الثوب من الوراء وظهر للقادمين من ورائنا ساقان جميلتان ببياض أخّاذ. خلال ثوانٍ دوّى صرير إطارات السيارات التي توقفت وعلا صوت الزمامير. بعد لحظات وصلت الشرطة واقتادتني مع الفتاة الى المخفر.

كان يغيظ أفراد الشرطة ان يكون اجنبي يصطحب فتاة عراقية. شرحت لهم أني كنت بصدد ايصالها الى منزلها ليس الا. افرجوا عن أحلام التي رجعت الى بيتها في سيارة أجرة بينما أطالوا التحقيق معي ثم افرجوا عني بدون السيارة التي اضطررت للمجيء بعد يومين مع أوراق إثباتية إضافية لاستعادتها.

بعد تلك الحادثة تحاشيت التواصل مع احلام ولا ادري ما حصل لها.

 

قياسي

غراميّات على شاطئ رملي

img_1865

في بداية العشرينات من عمري عندما انهيت السنة الدراسية في كلية الهندسة بعد اجراء امتحانات في غاية الصعوبة، كنت في أشد الحاجة للراحة والاستجمام. لذا قصدت الشاطئ الرملي الذي لم يكن يبعد كثيراً عن منزلي، بعد ان ارتديت لباس سباحة ازرق اللون ولبست فوقه سروالاً كاكيّاً قصيراً بينما غطّى القسم الأعلى من جسمي قميص قطنيٌّ ابيض له أزرار امامية تسمح لي بالإفراج عن الصدر بالقدر الذي يحتاجه تبعاً للحرارة الجوية. وهذا دون ان ننسى قبعة القش والمنشفة.

اما قصّتي مع البحر فبدأت مُذ فتحت عينيَّ على الحياة. كان منزلنا العائلي يعتلي هضبةً تبدو وكأنها وجدت لتراقبه. ففي كل يومٍ سماؤه زرقاء وصافية وأفقُه مرئيٌّ وواضح بينما موج البحر مائل الى الهدوء، كان قلبي ينعم بعشق الحياة وآمالي تكبر بخيرٍ آتٍ. ونشوتي للحياة كانت تعظم أيضاً حين كانت الشمس تتوارى وراء الأفق وتأخذ وقتها قبل ان تبلل نفسها وكأنها برتقالة في الامد خائفة من ان ترش كل ما كان حولها لدى ارتطامها بسفح المياه. اما في نهار جوَّه مكفهر فكان موج البحر الهائج يرتطم على الصخور ليزيد من رهبة المشهد كما نجد في الدور الذي تلعبه الموسيقى في فيلم سينمائي مرعب. اما خلال الليل فحدث ولا حرج اذ كان صوت الامواج رفيق وسادتي فتنصت أذناي الى ما لم أكن لأراه. ترعرعت على ان أحبّ البحر وأخشاه في آن معاً وحلمي ان تمكنني الأيام من ان اعود للعيش على مقربة منه.

وصلت الى الشاطئ وهو عبارة عن شبه خليج طوله حوالي الثلاثة كيلومترات وشطّه كله من رمال ناعمة فاتحة اللون يكاد من يمشي عليها يخال نفسه وكأنه يخطو في حلمه. وخوفاً من ان تحرق الرمال الساخنة اكفّ قدميّ، كنت أرتدي شبشباً بلاستيكياً كنّا نسميه “ابو إصبع”.

وما ان وصلت الى وسط الشاطئ واذ بي أصادف رتلاً من الاصحاب كانوا قد نصبوا خيمة مستطيلة مفتوحة الجوانب وذلك للوقاية من أشعة الشمس التي كانت تسطع في ذاك اليوم من أواخر شهر حزيران. دعوني للجلوس معهم فقبلت. خلعت قميصي وسروالي ووقفت أتأمل الرواد الذين كان الشاطئ يغصّ بهم…

في تلك الأيام التي سبقت الخلويات، حتى الهواتف السلكية القديمة لم تكن قد توافرت بعد في معظم البلدات. إنما اجهزة الرصد والترقب كانت موجودة على كل الشرفات والنوافذ لتنقل الأخبار بسرعة قد تضاهي ما نجده في اجهزة اليوم. فكلما زرت صديقاً ما في احدى القرى، كان الخبر يصل الى اهلي مع السؤال: بنت مَن كان يقصد؟ لذا كان عليّ توخي الحذر في تنقلاتي وكنت أظن نفسي اكثر حظاً ممن سبقني لان ذاك الجيل كان شبانه وشاباته يتخاطبون “بالعصفوري” لكي لا يفهم احد غريب ما يقصدونه. وكان ذلك بإدخال حرف الزين في وسط الكلمات.

وما أنا في تأملي الى ان دخلت الخيمة فتاة في غاية الجمال كنت قد قابلتها سابقاً. كانت ترتدي مايوهاً اسود من قطعتين يعطي جمال جسدها رونقاً خاصاً. بادرتني السلام وجلست بقربي على الرمال. كان شعرها الاسود القاتم يغطي قليلاً من كتفيها وله تموجات طبيعية تعطي الإنطباع بأنه تم تصفيفه. اما عيناها العسليتان اللتان تغرقان وسط بياض ناصع تحدّه رموش علوية وسفلية سوداء ويكللهما حاجبان طبيعيان فكانتا تشعّان دفئاً جذاباً لا يوصف. اما الشفتان فكأن الخالق قد ابدع برسمهما دون ان ينسى ان يعطيهما لوناً يُرى ولم يكن بمقدور صانعي المساحيق تقليده!

بعد ان تحادثنا بعض الوقت شعرت بتبادل انجذاب فيما بيننا فكنت ارى كثافة في رطوبة بياض عينيها الذي بدأ يأخذ القليل من الإحمرار فقررنا التواري لبعض الوقت عن العيون المترقبة التي كانت ترصدنا.

وإذ كان الشاطئ يغصّ بالزوّار واذ كان يوجد قارب مطاطي مع الفريق الذي كنّا معه، قررنا الإبتعاد به الى عمق البحر. فسحبناه على الرمال حتى المياه ومن ثم فوق المياه حتى بلغنا عمقاً يوازي الركبة فقفزنا في داخله.

تمركزت ناحية المجاذيف بينما جلست هي من الناحية المقابلة. أخذتُ اجدّف بكل قواي لأبعد عن الشاطئ بينما كانت الامواج المتلاحقة تردّ القارب باتجاه اليابسة مرةً بينما تغيّر اتجاهه مرة اخرى. وكنت اذا اتجه نحو اليسار أجدّف بيساري لاردّه نحو اليمين ثم تأتي موجة جديدة فتلطم القارب عن اليسار فتحول الاتجاه نحو اليمين ثم أعيد الكرة من اليمين لأعيده نحو الإتجاه الصحيح الى ان تأتي موجة ثالثة فتحوَّل الإتجاه كلياً نحو اليسار.

بينما كنت أتخابط مع الأمواج سألت مرافقتي: “هل أنتِ خائفة؟” أجابتني:”كيف أخاف وأنا برفقة رجل؟” عندئذٍ شعرت وكأني تناولت جرعة من “السبانخ” التي كان يتناولها “بوباي” في حلقات الصور المتحركة فانتفخ صدري وأخذت اضرب بكل ما أوتيت من قوة تارة من اليمين وطوراً من اليسار آملاً بالوصول الى الأمان في أسرع وقت!

إلا ان الأمواج بقيت تتوالى الواحدة تلو الأخرى والزورق يتجه نحو اليمين لأعيده نحو اليسار والعكس بالعكس دون هوادة الى ان ألمّ برأسي دوار البحر وأخذ يزيد وأنا غير عابئ به الى ان انهرت كلياً على القارب وأسلمت جسدي كمن يسلم الروح!

فما كان من صديقتي إلا ان قامت بمهمة التجديف للعودة الى شط الأمان! ما ان وصلنا حتى قامت بمساعدتي على التمدد على الرمال علّ الدوار يفارق رأسي إلا انه لازمني أكثر من يومين…

لم ألقَ الفتاة بعد ذلك بعد ان احسست بأني فشلت في ابسط المهمات!

 

 

 

قياسي