ما حدث لي في مستشفى “سيتيه دو لا سانتيه”

بعد أشهر من الإنتظار جاء موعد التفحص بواسطة الموجات الصوتيّة لقلبي والذي كان قد طلب إجراءه طبيب القلب الدكتور بطرس. صباح ذاك اليوم قصدت باكراً مستشفى “سيتيه دو لا سانتيه” في مدينة لاڤال القريبة وأوقفت سيارتي في المرآب المخصّص للزوار.

دخلت المستشفى من الباب الرئيسي وانحرفت نحو اليمين ومن ثمّ وبعد مسافة قصيرة نحو اليسار باتجاه جناح الأشعّة. دخلت القسم وتوجهت نحو المسؤولة عن الاستقبال التي تجلس وراء مكتب صغير ويفصلها عن الناس زجاج سميك يذكّر بما نجده في المصارف. كانت شقراء الشعر، مستديرة الوجه، بيضاء البشرة، نحيفة الجسم . مددت لها من الفجوة المفتوحة في الزجاج الاستمارة التي كان قد كتبها الطبيب وأرفقت معها البطاقة البلاستيكية الخاصة بالمستشفى. تأكّدتْ من أوراقي وطلبت مني التوجه نحو مقاعد الانتظار.

وبينما كنت انتظر دوري تذكّرت ما أوصتني به زوجتي بألّا أُغفل عيني عن الحقيبة التي كنت أحملها والتي تحوي محفظتي وهاتفي وأوراقي إذ انها مرّت سابقاً بتجربة في نفس المستشفى كادت تفقد فيها محفظة نقودها وما فيها.

ما هي إلّا دقائق معدودة حتى صرخ أحدهم باسمي فتوجهت نحوه. كان وجهه ابيض مستدير الشكل وذا جبهة عريضة تتسع في وسط شعر رأسه الأسود، مربوع الجسم يرتدي مريولاً ابيض وقد بدت شعرات صدره من فوق فتحة مريوله. أرشدني إلى غرفة الملابس وطلب مني ان اخلع قميصي وان أضع سترة المستشفى ذات اللون الذي يغلب فيه اللون الأزرق.

دخلت غرفة الملابس وكانت مقسومة إلى قسمين تحجب ستارة كلاً منهما. خلعت قميصي الأسود والذي كان من نوع “التي شرت” وعلّقته في احدى التعاليق المخصصة لذلك وأخذت إحدى سترات المستشفى وأخذت أفكّر وأنا أحاول ربطها من الخلف بأن كلّ شيء تقدّم في الطب فيما عدا تلك السترة التي بقيت على تصميمها الأساسي.

بعد ان انتظرت دقائق معدودة على كرسي في رواق الانتظار نادتني المتخصّصة بإجراء التفحّص وأدخلتني إلى غرفة الفحص وطلبت مني التمدّد على سرير قليل العرض وان أميل جسمي نحو اليسار وان ارفع يدي اليسرى فوق رأسي. ثم قبل البدء أخذتْ حقيبتي ووضعتها بجانب رجليّ وهكذا اطمأننت على حاجتي وان لا أحد سيمسّ بها! وفي الحديث معها وبعد ان لا حظت ان وجهها بتكاوينه يبدو مألوفاً لديّ علمت انها كانت قد أجرت لي فحصاً مماثلاً قبل بضع سنوات.

بعد قرابة النصف ساعة انتهيت من الفحص واتجهت نحو غرفة الملابس لخلع السترة وارتداء القميص. الّا ان المفاجأة كانت بأن القميص اختفى من المكان الذي وضعته فيه! أعدت النظر والتفتيش دون ان أجد شيئاً!

قصدت إحدى الممرضات العاملات في القسم ورويت لها قصّتي! حاولت التفتيش معي دون جدوى ! رافقتها نحو مسؤول المناداة الذي قال ان رجلاً مسناً يتنقل على كرسي للمعاقين ادعى ان القميص له وقد ارتداه وذهب!

هنا بدأَت عملية التفتيش عن الرجل الذي قالوا انه ذهب لإجراء فحص دم. نادوه عدة مرات بواسطة مكبرات الصوت تحت اسم “مستر أندرسون” دون ان يحظوا به. اخبروني انهم اتصلوا بزوجته وأخبروها بالأمر. وبعد قرابة النصف ساعة وجدتهم قد أحضروه على الكرسي الذي كان يجلس عليه. يبدو انه كان قد خرج من باب المستشفى للتدخين في ذلك الجو الحار!

طلبوا منه خلع القميص فخلعه وكأن شيئاً لم يكن. الّا ان القميص كان يفحّ بروائح العرق الممزوج بالدخان. قالت لي الممرّضة: “لا يمكنك ارتداء القميص بهذه الروائح! عد إلى منزلك بسترة المستشفى بعد ادخالها تحت السروال!” طلبتُ منها ان ترافقني حتى المدخل كي لا يظن المسؤول عن الأمن أني سرقت السترة. وهكذا كان!

وبينما انا في طريق العودة إلى المنزل لارتداء قميص جديد اتصلتُ بزوجتي لأخبرها بما حدث لي في المستشفى ذاك الصباح فأخذت تقهقه وتقهقه حتى كادت تبلّل ثيابها من كثرة الضحك…

قياسي

قصص عصافير

4DC8B57F-C61D-4330-8105-A64C861DE0CD
كنت في الثانية عشرة من عمري عندما تملّكتني رغبة بتربية العصافير في المنزل إذ كنت أصدف الكثير من الشرفات وهي تتزيّن بأقفاص تصدر منها أنغام تُمجّد الخالق.

بدأت مشواري عندما قام بإهدائي أحد الأقارب حسّوناً مع قفصه. أما القفص فكان هيكله مصنوعاً من عوارض خشبية لها خروم باتجاه واحد وبأبعاد منتظمة بينها تسمح بمرور أسلاك معدنية متوازية الأبعاد وهي تشكل الحاجز الذي يمنع الطائر من الهرب من القفص عندما يكون بابه مقفلاً.

أما الحسّون فكان شكله جميلاً جداً من منقاره العاجي الذي يتوسّط وجهه الأحمر ووجنتيه البيضاوين إلى أعلى رأسه الأسود إلى جناحيه السوداويّن اللذين يتزيّنان بخطٍّ أصفر… كان متى انتصب على عارضة الوقوف يسقسق للحظات ثم يُغرّد على شكل زقزقة وهو يُحرّك رأسه من اليمين إلى الشمال وكأنّه يؤدّي وصلة غنائية في مسرح أمام جمهور ينصت اليه!

لم تدم حيازتي للحسّون طويلاً لأنّه تمكّن من الفرار يوماً من بين الأسلاك المعدنيّة التي كنت مجبراً على لمسها كلما قمت بتنظيف القفص!

وفي أحد أيام نهاية الربيع من تلك السنة وإذ كنت أمشي ضمن أحد بساتين المزرعة سمعت صوت صفير غريب يأتي من على غصن إحدى أشجار الصنوبر البرّي. تسلّقت الجذع وما ان وصلت إلى مستوى الغصن وتتطاولت بجسمي حتى اقتربت من مصدر الصوت وإذ بي أجد عشّ عصافير مبنيّ على ذاك الفرع! ما ان استرقت النظر داخله حتى وجدت فرخي عصافير يفتح كل منهما فمه على كامل مصراعيه مستنجداً طالباً الطعام. عرفت لتوّه أنه عشّ بلالبل!

كنت قد سمعت عن عصفور البلبل ان تدجينه ممكن إذا ما ربّاه صاحبه وقام بإطعامه منذ صغره. أما إذا ما كبر على هذا النحو فهو يرافق مربّيه طوال النهار في المنزل وخارجه ولا يحتاج إلى وضعه في قفص مقفل. لذا أخذت أحد الفرخين ونزلت من الشجرة وتوجهت نحو البيت وأنا أنظر ورائي خوفاً من ان ينقضّ عليّ أحد الوالدين وكنت أسمع صفيراً متعالياً يأتي من الأشجار المحيطة!

ما ان وصلت إلى المنزل حتى استحضرت قفصاً مستطيلاً كان لديّ وأسرعت إلى شجرة التين المجاورة وقطفت إحدى الثمرات وأحضرت معي عوداً اقتطعته من قصبة وأخذت أطعم فيه الفرخ من فمه وهو يصرخ مستغيثاً طلباً للقوت! ما ان مضت دقيقة أو اثنتان حتى شبع فسكت وظننت ان مهمتي انتهت لبعض الوقت إلا انه عاود الكرّة مجدداً بالاستغاثة في زمنٍ لا يتجاوز العشر دقائق! عدت لإطعامه مجدداً لأرتاح دقائق معدودة قبل ان يعاود الصراخ!

بقيت ملصقاً بقربه طوال الأيام التي تلت وكنت أظن أنه سيتمكن من الأكل لوحده بعد أيام إلا أنه كان مصراً على ان أطعمه بنفسي في فترات متقاربة لا يتجاوز طولها الربع ساعة! وكان يبدأ بالاستغاثة مذ بزوغ الشمس ولا ينتهي من طلب الأكل الا بعد غيابها! والغريب بالأمر انه كان يُخرج من معدته بنفس الغزارة التي يأكل فيها لذا كان علي تنظيف القفص عدة مرات كل يوم!

كان ريش جسمه قاتم اللون مائلاً إلى السواد وقد حاولت أخذه في نزهات خارج المنزل الا انه لم يكن قادراً على الطيران لوحده وكان يلازم الوقوف على كتفي طوال النزهة!

بعد مضي شهر كامل على حيازتي للبلبل ضقت ذرعاً بالاهتمام المتواصل به مما منعني من مغادرة المنزل ولو لساعات معدودة لأنه لم يكن قادراً على تناول الأكل لوحده! في حدود الساعة الخامسة من عصر أحد الأيام قررت الذهاب لزيارة أقارب لي لذا أقفلت الدرف الخشبية للنوافذ ليظن ان الشمس قد غابت وهكذا يأوي إلى النوم بانتظار صباح الغد! وهكذا كان… الاّ أني فوجئت لدى عودتي انه لم يقوَ على الاحتمال وقد فارق الحياة!

أما قصّتي مع “الكناري” فسأتركها للمرة القادمة…

قياسي

تمنّياتي لك بمناسبة عيد الفطر

وليكن هذا العيد مباركاً عليك وعلى كل فرد من أفراد عائلتك، علّ هذه المناسبة تجلب خيراً للأزمنة التي تليها فيغمر الأمن عالماً طالما بَعُدَ عنه ويعود الحق إلى أهله وتنعم العهود بالسكينة والطمأنينة ويُرزق كلّ ظمآنٍ ما يروي عطشه وكلّ جائعٍ ما يسدّ حاجته وكلّ بردانٍ ما يكسو جسده.

قياسي

دعائي لكم مع إطلالة هذا الشهر الكريم…

F25ECC19-3758-4FD5-9F74-73A58E3D48BD

دعائي لكم مع إطلالة هذا الشهر الكريم أن يبارك الله أعمالكم الخيّرة ويسدّد خطاكم لصنع المزيد من الحسنات ويرفع الظلم عن كلّ امرئٍ يعزّ عليكم ويبعد الشرّ عن كلّ من ضاقت به الأحوال ويعيد الحقّ إلى من افتقده ويكرّم بيوتكم وأهاليكم ويبعد المآسي عن أوطاننا ويرجع السلام إلى ربوعنا وتغمر المحبة قلوبنا جميعاً.

كل عام وأنتم بخير
بشير القزي

قياسي

بعض ما جاء في كلمتي في حفل توقيع كتابي : ذكريات وخواطر من جعبة مهاجر (القسم الثاني)

منذ نعومة أظافري وانا توّاقٌ لأن أنشأ على خطى والدي وانا كلّي إعجاب بخلقه وطريقة تفكيره وأسلوبه في الحديث وبلاغة كتاباته! كنت أرصد كل تصرفاته وأعيد قراءة النصوص التي قام بكتابتها قبل مولدي والتي تم نشرها على صفحات مجلات وصحف! قمت باقتطاع تلك المقالات وجمعتها ضمن ألبوم خاص أحتفظت به داخل خزانة خشبيّة جانبية صغيرة تابعة للمقعد الكبير في الصالون ذي الفرش الأحمر في الشقة التي نسكنها في مدينة بيروت. بقيَت تلك الخزانة الصغيرة مخبأي وكنت أقوم بين وقت لآخر بإعادة مطالعة تلك المقالات وأتأسّف على عدم قدرتي على المجيء بمثلها!

وعلى الرغم من تفوّقي خلال سني الدراسة في مواد الرياضيات والعلوم إِلَّا أني كنت خجولاً جداً في المواد الأدبية وبالأخص في نصوص الإنشاء! وهكذا تخرجت في الهندسة ودخلت ميدان العمل ومن ثمّ تزوجت وأصبحت أباً ولم أكن آخذ رأي والدي الّا حول بعض النصوص الشعرية التي كنت أكتبها من وقتٍ لآخر باللغة الفرنسية!

لم أكن يوماً من الذين يؤمنون بالتواصل مع عالم الغيب وما زلت حتى يومنا هذا أشك في أحاديث كلّ من روى أنّه اتصل مع قريب له فقده منذ مدة! الّا ان شيئاً ما حصل معي بعد سنوات من وفاة والدي ولا أَجِد له تفسيراً!

عندما قرّرت كتابة أوَّل نصّ لي بالعربيّة كنت مرتبكاً جداً! كيف أَجِد الكلمات والعبارات وأنا لم أقرأ أيّ كتاب بتلك اللغة منذ عقود؟

إِلَّا أَنِّي ما أن بدأت بالكتابة حتى وجدت الجُّمل والعبارات تنسكب لوحدها في نصوصي وكأنّي أقرأها من رسالة أو مخطوطة! حتى ان بعض الكلمات التي أشكّ في أَنِّي أعرفها كانت تضيء نفسها في مخيّلتي فاضطّر للتفتيش عليها في قواميس اللغة للتأكد من صحّة استعمالها!

وهكذا أستخلص أن نجاحي في الكتابة معزُوٌّ الى قدرةٍ ما وقد يعود الى والدي رحمه الله عبر تواصلٍ لا أَجِد له إثباتاً!

قياسي

امتحان لقيادة السيّارة غير شكل

IMG_3665

تختلف طرق قيادة السيّارات بين بلدٍ وآخر! وإن كانت قوانين السير متشابهة على الورق إِلَّا انها تتباعد كثيراً عند التنفيذ. ففي الوقت الذي كنت أظنّ فيه ان أفضلية المرور في بلدٍ كلبنان يأخذها من كان غير خائفٍ على حياته ويهجمُ بسيّارته وهو غير عابئ بأحقّية غيره من السيارات الّا اننا في رمشة بصر نجد نفس السائق المتهوّر يضغط على الكابح بأقصى قدرته ليجمّد سيّارته امام سائقٍ آخر يفوقه جنوناً في قيادته!

أذكرُ جيداً كيف قدَّمت فحص القيادة في مركز كان مخصَّصاً لذلك في منطقة وادي شحرور التي تقع على ربوة قريبة من بيروت. كان أهالي المتقدمين يواكبونهم الى المكان ويصطفّون من الصباح الباكر على جانبي الطريق المخصّص للفحص وذلك لمتابعة الإمتحانات العمليّة بتفاصيلها. وباعتبار ان الامتحانات تجري على سيارات من نوع “جيب” زيتيّة اللّون كان لا بد من تلقين المتقدّم بعض البديهيّات حتى لا يرسب بالفحص، منها مدّ اليد اليسرى من الشبّاك قبل التوقّف او مد اليد اليسرى ايضاً والتلويح بها قبل الانعطاف على مفرق ما، كما عدم إغفال إطفاء المحرّك وسحب المفتاح لدى الانتهاء من الامتحان، إذ ان أيّ إهمال يؤدّي الى الرسوب!

بعد سنين انتقلت الى فلوريدا في الولايات المتحدة ممّا حتّم عليّ التقدّم بامتحان جديد لأن الولاية لا تعترف برخصة غير تلك التي تصدر عنها! قمت بقراءة كتاب يجمع معظم الأسئلة التي يتناولها الامتحان وقدَّمت فحصي ونجحت بسهولة!

خلال تلك الفترة الزمنيّة كان الكثيرون من أبناء الوطن يغامرون بالسفر مع عائلاتهم الى الولايات المتحدة هرباً من الوضع في لبنان! بينهم كان “جورج” الذي وفد مع عائلته وسكن بالقرب من أخيه، رجل الاعمال ، الذي كان قد حصل على الجنسيّة الامريكية قبل عقود. وإذ لم يكن حين ذلك بمقدور جورج الحصول على رخصة قيادة سيارة نظراً لعدم تمكّنه من اللغة الانجليزية، ارتأى أخي صلاح ان نسأل الدائرة عن إمكانية إحضار مترجم!

لدى وصولنا للمركز سأل صلاح أحد المسؤولين، والذي كان يرتدى بزّةً عسكرية، عن تلك الإمكانيّة وكان الجواب بالإيجاب على شرط أخذ موعد مسبق لذلك! التفت اخي نحو المسؤول وأكمل محادثته باللغة الانجليزية قائلاً: ” وانا لا أحسن النطق بالانجليزية فهل بإمكاني احضار من يترجم لي؟” أجابه: “بالطبع، نعم!”

في الموعد المُقَرَّر حضرت برفقة كلٍّ من جورج وصلاح. طلبتْ منّي الشرطيّة المسؤولة عن الامتحان القيام بمهمة الترجمة. جلَّ ما كنت أخشاه ان يجيب أحد المتقدّمَين إجابة خاطئة وأقعُ انا بين سوءين: إما الترجمة الصحيحة للخطأ وهكذا يتضرّر صديقي او أصحّح الخطأ من خلال الترجمة وهكذا أسيء الى ضميري!

الحمدلله أَنِّي لم أحتج الى الوقوع في وضعٍ مشابه! مرّ في البداية أخي ونجح في الامتحان وجاء بعد ذلك دور جورج!

أما جورج فكان معتدل القامة ممتلئ الجثة ذَا بشرة بيضاء وعينين زرقاوين وخدّين منتفخين يغلب الاحمرار عليهما وشعر راْسه مزعتر أشقر قليل الطول. جلس على كرسي عن يميني بينما كانت الشرطيّة التي ترتدي زيّها الرسمي تجلس وراء مكتبها وبدت بعينيها الكبيرتين في الثلاثين من العمر، نحيلة الجسم شعرها أشقر معتدل الطول وقد سرّحته وربطته وراء رأسها!

بدأت الشرطيّة تسأل من خلال كتاب كان معها وكنت أقوم بالترجمة بينها وبين صديقي! ثمّ ارتأت ان تسأل السؤال التالي:” عندما توقف سيارتك على جانب طريق يرتفع نحو الأمام ولا يوجد رصيف على جانب الطريق، كيف تُدير إطارات السيّارة؟” أجاب جورج: “نحو اليسار”. أجابته: “لا، بل نحو اليمين حتى إذا “كرّت” السيّارة تتجه نحو خارج الطريق!” ترجمت ما قالته لجورج وطلبت منه ان يتمتم بعض الكلمات وكأنه يشرح لي تعليقاً ما. التفتُّ نحو الشرطيّة وقلتُ لها: “جورج يطلب منكِ مراجعة الكتاب لان الإجابة مختلفة عمّا تقدّمتِ به!

نظرت نظرة استغراب واخذت تُفتّش عن الإجابة بين الصفحات! ما ان وجدتها حتى انتفضت واقفة وتقدمت نحو جورج وأمسكت بيده اليمنى بكلتي يديها واخذت تهنّئه على ذكائه بينما هو لا يدري ما يحدث وقد زاد احمرار وجنتيه و”برزقت” عيناه بتعجّبٍ لا يوصف!

وهكذا نجح جورج في الامتحان!

قياسي

الى كل امرأة أنجبت طفلاً…

IMG_3654

الى كل امرأة حملت في أحشائها جنينها أشهراً طوالاً وعانت المخاض لإخراج طفلها الى العالم وظنّت ان عناءها قد انتهى لتجد ان صعوبات ومهمّات جديدة تنتظرها من إطعام طفلها وتنظيفه ومعايشة آلامه ومرافقته الى المدرسة عندما يكبر ومشاركة مخاوفه والسهر على تربيته وتشذيب أخلاقه في مجتمع خطر.  وعندما يتزوّج تظن انها ألقت بالحمل على شريك(ة) حياته لتجد ان عليها ان تعنى بأطفال اولادها وحتى بأولادهم عندما يتزوّجون ولا تجد راحة قبل ان يفارقها المنى…
الى كل الأمهات : كل عام وانتنّ بخير وأدام الله عطاءكنّ يا افضل من على هذه الأرض!

قياسي

مع أو ضدّ المناصفة بين الرجال والنساء في المناصب الحكومية؟

IMG_3631

نجد في زمننا الحالي تسابقاً بين بلدان الغرب على جعل المراكز الإدارية والسياسيّة مناصفةً بين الرجال والنساء. ففي الماضي القريب والبعيد كانت تلك المسؤوليات حكراً على الرجال دون غيرهم وما كان نصيب النساء الّا القليل منها. وحتى في الوظائف التي كانت النساء تفوز بالتبوّء بها كنا نجد تفاوتاً ملحوظاً بين الراتب الذي يحصّله الذكر تجاه ما تحصّله الأنثى!

ومن أجل عدالة اكبر قامت النساء على مدى عقود بحملات لا تحصى من أجل المساواة بين الجنسين في ميدان الحقوق وقد نجحن الى حدّ بعيد بالوصول الى الكثير من الأمور التي كانت صعبة المنال!

أما في أيامنا هذه فنجد ان رؤساء الأحزاب السياسيّة يعِدون خلال حملاتهم الإنتخابيّة بالمناصفة بين الجنسين في مجالس الوزراء وغيرها من المناصب المهمة، فهل هذا عدلٌ؟

النواحي الإيجابية للمناصفة:
• وصول المرأة الى مراكز لم تكن بالحسبان ولَما كانت قد فازت بها لو لم يجرؤ رئيس الحزب على اتخاذ هكذا قرار.
• أصبح المجتمع أكثر انفتاحاً على تقبّل المرأة في أعلى المناصب جنباً الى جنب مع الرجل.
• نظرة مختلفة للمشاكل الاجتماعيّة تتمثل بمقدرة المرأة على رؤية الأمور بمنظار مختلف.

النواحي السلبيّة للمناصفة:
• لم تعد الكفاءة هي المعيار الأول لعملية الاختيار.
• قد لا يتبوأ الانسان الكفوء المركز المناسب!
• بعد ان حصلت المرأة على المعادلة مع الرجل، قد تكون المناصفة عودة الى الوراء بتفضيل الجنس على الكفاءة.
• يجب ان لا تمتد هذه المناصفة الى الوظائف كافة لان البنية الجسدية كما خلقها الباري تعطي لكلّ جنس حداً لا يوازيه الجنس الأخر!

قياسي

ميكانيكي غير شكل ٢

IMG_3516.PNG

فيما كنت اتنقّل بواسطة السيّارة التي قمت باستئجارها بانتظار الإنتهاء من إصلاح سيّارة “الڤولاريه” ، أخذت أفكّر جدّياً باقتناء سيارة إضافية وذلك نظراً لموقع المنزل الجديد الذي يتطلّب مرونة اكبر فيما يتعلّق بالتحوّج للبيت وإيصال ابنتي من والى المدرسة! وإذ لم يكن بمقدوري دفع كامل المبلغ نقداً كان لا بد من التفكير بالإستئجار الطويل الأمد والذي كان حديث الإنتشار في ذلك الوقت (lease)

في تلك الأثناء أبرمتُ عقداً لصالح الشركة التي كنت أعمل لديها وذلك للقيام بترميم الدور السفلي (القبو) لمنزل يقع في مدينة “ديلسون” الواقعة على الضفّة الجنوبية لجزيرة مونتريال. ما ان عرف صاحب المنزل بما حصل لي حتى عرض عليّ خدماته إذ كان يعمل في قسم المبيعات لدى شركة سيّارات “جي إم” تحت اسم “ديجاردان” وهي نفس العائلة التي يحمل اسمها صاحب المنزل. إلا ان مشابهة الإسم لم تكن إلا من باب الصدفة.

فيما أخذت أفكّر جدياً في الموضوع قرّرت ان أبدأ بالسؤال! اتصلت بصديقي الجديد وقصدت صالة العرض التي تقع في “جزيرة الراهبات”. بعد ان استقبلني في مكتبه وسألني عن المبلغ الذي كنت انوي إنفاقه شهرياً على ايجار السيّارة عرض عليّ سيارة “جراند إم” سوداء اللّون، رمادية الفرش، موديل السنة، جذّابة المنظر وبالأخص لشكل مقدّمتها والتي تبرز في وسطها شبكتا التهوئة بشكلهما المميّز وإشارة “بونتياك” في العارضة الحديدية التي تفصل بينهما. بعد ذلك فهمت ان المتبضّع لا يشتري السيّارة التي يريدها بل ينتقيها على القدر الذي يريد إنفاقه شهرياً.

اعتمدت على شراء السيّارة واستلمتها بعد ايام معدودة بعد نصف ساعة من الشرح عن ميزاتها وطريقة استعمالها. سألت البائع حول إلزاميّة تغيير الزيت لدى الوكالة فأجابني بأنه بإمكاني إجراء الصيانة في أي مكان إنما ينبغي ان أحتفظ بإثبات على ذلك من أجل المحافظة على الضمانة التي تعطيني إياها الشركة والتي كانت تمتد لمدة ثلاث سنوات او ستين الف كيلومتراً (أيّهما يأتي قبل غيره).

أما عمليّة تغيير الزيت فكانت تستدعي أخذ موعد مسبق وإضاعة ما يزيد على ثلاث ساعات من الوقت بين الْمُدَّة التي تستغرقها الطريق ذهاباً واياباً وانتظار السيّارة لدى الوكيل حتى الإنتهاء منها! وبينما كنت اشرح لصديقي نبيل والذي كان زميلاً لي لدى إحدى الشركات في منطقة “إن دي جي” ، طرح عليّ فكرة تغيير الزيت لدى الميكانيكي ريمون والذي كان يشغل الكاراج الموجود تحت مكتبنا. قلت له هذه فكرة عظيمة إذ يمكنني إيداع السيّارة وانتظارها في المكتب بينما أقوم بإداء عملي! وما زاد بقناعتي ان ريمون تربطه صلة القربى مع أحد الزملاء الذين يعملون معنا.

عندما حان موعد تغيير الزيت حضرت بسيارتي الى الكاراج وأودعتها بنفسي لدى ريمون الذي أعطاني ثقة كبيرة بطلاقة حديثه، فصعدت الى مكتبي وأنا في غاية الإنشراح لأني لن أضيع أياً من وقتي في الإنتظار!

ما ان أمضيت زهاء نصف ساعة في المكتب حتى تلقيت اتصالاً هاتفياً من ريمون. قال لي: “بشير، انزل فوراً الى هنا!”

نزلت مذعوراً وانا لا أعرف ما ينتظرني فالسيارة جديدة وما زالت تحت ضمانة الشركة المصنّعة ولم ألاحظ أيّ شائبٍ في سيرها. ما ان واجهته حتى بادرني: “بشير! كيف تقود السيّارة بهكذا وضع؟” ثمّ أراني إحدى “البوجيّات” وكان بعض السّواد يُغطّي قطبَي اشتعالها. قلت له ان السيّارة تسير على افضل ما يرام ولا افهم سبب قلقه! قال: “أبداً! يجب ان أغيّر لك “البوجيّات” والّا السيّارة “ستقطعك” وانت في الطريق! سأضع لك “بوجيّات” ماركة “شامبيون” وهي افضل نوع موجود، وافضل من “بوجيات” الشركة!”

رضخت للأمر بعد ان افهمني ان ضمانة الشركة المصنّعة لا تشمل هكذا أمور. المهم أَنِّي بصقتُ على مبلغ محترم بالإضافة لكلفة غيار الزيت وريمون يشرح لي ان أدّاء المحرّك سيتضاعف بعد تلك العملية!

استلمت السيّارة وانا كلّي قناعة من أَنِّي صرفت مبلغاً على عملٍ لم تكن السيّارة بحاجة اليه الّا اني خشيت ان تخزلني السيّارة في إحدي الليالي الباردة!

أما الغريب فأني لاحظت تقطعاً ملحوظاً في المحرك وانا في طريق عودتي الى المنزل! ظننت في البدء ان السبب قد يعود الى وسخة عابرة في البنزين فحاولت ان أزيد من السرعة علّ “الكربوراتور” ينظف، إِلَّا ان التقطع في سير المحرك زاد بدل ان يضعف!

في اليوم التالي عدت أدراجي الى كاراج ريمون وأعلمته بما يحدث مذ قام بتغيير “البوجيّات”. تعجّب من الأمر وطلب مني ابقاء السيّارة ساعتين لديه ليعدّل المسافة بين قطبي الإشتعال لكل “بوجي”! بعد الإنتهاء قال لي ان محرّك السيّارة “سيسير مثل النحلة”!

الّا ان الوضع بقي على حاله وعدت اليه مرةً أخرى! عندئذٍ سألني: “ما هو نوع البنزين الذي تستعمله؟” أجبته: “عادي، كما في توصيات الشركة!” عندئذٍ بحلق في عينيّ وقال لي: “روح حط سوبر (ممتاز) وانا المسؤول!”

وهكذا أخذت أزوّد السيّارة بالبنزين “سوبر” طوال السنوات التي بقيت معي فيها مما كلّفني ما يوازي ١٥٪‏ إضافي على مصروف المحروقات، إِلَّا أَنِّي لم أعد مطلقاً الى كاراج ريمون!

قياسي

ميكانيكي غير شكل

img_3485

خلال منتصف صيف سنة ١٩٨٨ انتقلت الى المنزل الجديد الذي قمت بإنشائه في منطقة “بييرفون” من مونتريال. سكنته مع ان بعض أعمال التشطيبات لم تكن قد أنجزت بعد وقد تأخّرت بسبب العطلة السنويّة لعمَّال الإنشاءات والتي تأخذ أسبوعين من أواخر شهر تمّوز (يوليو) من كل سنة!

فيما استقللت سيارتي “الفولاريه” من نوع “بلايموث” الامريكية كنت لا أكترث كثيراً لقدمها وللونها الأزرق المعدني الفاتح والذي معكته أشعة الشمس حتى كادت تقضي على الطلاء! كان عليّ ان اقصد ذاك الصباح أحد الزبائن في منطقة “بونت كلير” القريبة.

في طريقي تذكّرت حادثة سير وقعت لي قبل سنة فيما كنت متّجهاً برفقة زوجتي وابنتي للمشاركة في احتفالات عرس إحدى الصديقات التي تزوجت شاباً يتحدّر من أصول إيطاليّة. ما ان توقفنا على أحدى الإشارات الضوئية الحمراء حتى صدمتنا من الخلف شاحنة صغيرة لم ينتبه سائقها لوجودنا أمامه!

بعد يومين او ثلاثة استدللت على احد الأمكنة المتخصصة بالحدادة واخذت السيّارة الى الكاراج المقصود الواقع على بولفار “كارتيه” في منطقة “لافال” لصاحبه من عائلة “الحلو”. أوقفت السيّارة التي صدمت من الخلف ودخلت الكاراج حيث وجدت عاملين يعملان على إصلاح إحدى السيّارات. كان دويّ صوت كل مطرقة يصعّب الإنصات الى اي حديث. بين الصراخ والتأشير بالأيدي أفهمني أحدهما ان “المعلّم” موجود في المكتب الذي كان عبارة عن “تتخيتة” خشبيّة في عمق الكاراج يمكن الصعود اليها عبر درج خشبي بدائي الشكل والبناء. وكان للمكتب شباك زجاجي يطل على العاملين في الكاراج.

ما ان صعدت الدرجات وقرعت الباب حتى سمعت صوتاً من الداخل يطلب مني الدخول. كان رجلاً في بداية الأربعينات فاتح الشعر ممتلئ الجسم يقبع وراء مكتب حديدي قديم وعلى يمينه تلفون اسود قديم الشكل ومنصة أشبه بشاشة كمبيوتر مؤخرتها تمتد نحو الوراء اكثر من عرضها. بعد ان جلست على كرسي حديدي امام المكتب لاحظت انه يراقب الشاشة الصّغيرة وهو يكلمني ويقطع الحديث فجأة من وقت لأخر ليدير أسطوانة الأرقام على الهاتف ويطلب رقم وكيله ليتداول معه ثمّ يطلب منه شراء أو بيع أسهم معيّنة بعد مراقبة أسعار تداولها على الشاشة. فهمت منه انه يشغّل أمواله في البورصة وقد تمكّن من تحصيل مئات الآلاف من الدولارات بتلك الوسيلة وان هذا العمل يُدرّ عليه أضعاف ما يعود اليه من استثمار الكاراج!

وإذ كنت استرجع تلك الواقعة في ذهني وصلت الى مفرق بولفار “هايموس” على بولفار “سان جان”. خفّفت قليلاً سرعة السيّارة لتأمين سيري وانا آخذ المنعطف وإذ بشاحنة كبيرة تعود لمؤسسة “إيتن” بألوانها الزيتية الداكنة تصدم سيارتي من الخلف. كانت الصدمة الجديدة اكبر من تلك التي حدثت معي من قبل!

بعد الاتصال بشركة التأمين واستئجار سيارة للتنقل مؤقّتاً قمت بأخذ السيّارة لنفس الكاراج الذي كنت قد قصدته سابقاً. كنت أفكّر في طريقي بصاحبه واسأل نفسي ما إذا كان يواظب على مهنة الحدادة والبويا أم أنه تخلَّى عنها نهائيّاً ليركّز على أعمال البورصة!

ما ان وصلت وصعدت الى “التتخيتة” حتى وجدته قابعاً وراء مكتبه وما زالت الشاشة تركن على يمينه بجانب ذاك التلفون الاسود. وفيما أخذت اسرد له وقائع حادثة السير الجديدة تحسّب لي ان اسأله عن نشاطه في ميدان البورصة والتي كنت لا أشكّ انه ما زال فالحاً فيها! وكانت المفاجأة بأن أخبرني أنه توقّف نهائيّاً عن التداول وقال: “الا تذكر الإنهيار المالي الذي حصل في أوكتوبر من السنة الماضية؟ لقد خسرت كل أموالي وأملاكي!” وتذكّرتُ بالفعل ذاك النهار الذي سُمِّيَ بالإثنين الأسود وذلك بتاريخ ١٩ أوكتوبر سنة ١٩٨٧ حيث انهارت الأسهم وذلك على النطاق العالمي!

بعد إتمام تصليح السيّارة واستلامها لا أدري ما حصل فيما بعد لصديقي صاحب الكاراج الّا أني لم أره بعد ذلك وقد أقفل ورشته بشكل نهائي!

في تلك الأثناء كنت قد استحصلت على سيّارة جديدة من نوع “غراند إم” مما أدّى الى وقائع جديدة لم أكن أنتظرها…

وللقصّة تتمّة…

قياسي