قصص وعبرة

قصص وعبرة

كلّنا يذكر قصّة سليمان الحكيم عندما أتته امرأتان ووقفتا في حضرته وطلبتا منه الفصل بينهما حول أمومة مولود تتنازعان أحقّيّته! وإذ لم يتمكّن من الفصل بين المرأتين طلب سيفاً من حاشيته وقال: “سأقطع هذا المولود قسمين وأُعطي كلّ امرأة نصف هذا الطفل! فما رأيكما؟” وافقت الأم المدّعية على الحل، إلّا أنّ الأم الحقيقية رفضت وقالت: “أعطها المولود ولا تقطع إبني!” عندئذٍ حكم سليمان الحكيم وقال:  “هذه هي الأم الحقيقية، أما تلك فهي مزيّفة!”

لذا كان من الواجب أحياناً استنفاد بعض الأساليب كي لا نقضي بسرعة على صرح  أخذ بناؤه الكثير من الجهود بينما قام الآخرون بوضع العصي في عجلات العربة التي تُقلّ الجموع نحو الأمام!

قصّة ثانية حدثت بالفعل منذ عقود في جنوب لبنان! وإذ ان “الواسطة” كانت دوماً العامل الأهم في اختيار المؤهّلين للمناصب، قام أحد السياسيين الكبار بتعيين أحد “زِلمِهِ” في منصب ٍ في وزارة التربية. مرّت السنون وإذ بالموظف يعود لزعيمه مستنجداً:” يا بيك! لقد قام مجلس الخدمة المدنيّة بتأليف لجنة فاحصة، وأنا لا أفقه كتابة اسمي!” أجابه البيك: “أترك الأمر لي، فسأقوم بحلّه!” بعد أسابيع عاد الموظّف للإستفسار فقال له البيك: “حلّينا المعضلة! عيّنّاك باللجنة الفاحصة!”

وهكذا نجد البعض، حتى في أيّامنا هذه، ما أن يستلموا منصباً ليسوا أهلاً له، ينتقدون نصوص من يفوقونهم كفاءة واقتداراً!

وبالخلاصة: “لا تخشَ كثيراً سليطي اللسان، بل اخشَ أكثر سليطي القلم، لان ما يكتبونه يلاحقك حتى بعد مماتك!”

قياسي

من ذكريات عقد قراني (الجزء الرابع)

من ذكريات عقد قراني (الجزء الرابع)

منذ قرابة الثلاث سنوات توقّفت عن تكملة ما كنت قد بدأته من ذكريات عقد قراني. فمن أراد العودة إلى النصوص الثلاثة التي سبقت “الجزء الرابع” هذا، بإمكانه مراجعة مضمونها على موقع Bachirvision.com

وإذ قرّرتُ تمضية أسبوعين بجانب الأهل في لبنان، كانت والدتي قد أعدّت لي جدولاً حافلا بالزيارات. لم تعلِمني مسبقاً بالبرنامج التي تزمعُ القيام به، ولم تكن بَعْد قد درجت عادة الاتصال المسبق وأخذ موعد! وقتئذٍ من المقبول جداً ان يختار الزائر الموعد الذي يناسبه، وإن صدف عدم وجود أحد في البيت كان الزائر يقطف زهرة من الحديقة أو يلتقطُ عوداً خشبيّاً ويضعه في شبّاك المدخل وذلك للدلالة على ان أحدًا ما حضر للزيارة! وقبل ذاك الزمن، كانت المفاتيح ضخمة من الطراز القديم، وكان الثقب المُعدّ للمفتاح كبيراً ممّا يُمكّن من إدخال عودٍ بداخله، وكان الزائر يردّد بالعامية ما ان يلتقي الشخص الذي حاول زيارته: “جينا لعندكن ما لقيناكن ، حطّينالكن عود بقدْواحكن!”

قمنا بزيارة عدد لا بأس به من منازل المعارف والأصدقاء ، وكانت توجد فتاة مميّزة في كلٍّ مكان، إلّا ان قلبي لم يهف لأيّ منها، إذ كان متيّماً بتلك التي تركتها بالرياض! كان جسمي يتنقّل من مكان الى آخر، بينما بقيَتْ مشاعري ملتصقة بمكان بعدتُ عنه! مع أني كنت قد اتخذت قراراً  بالابتعاد عن ميشا، إلا ان القلب لم يكن ليطيعَ القرار!

لذا عدتُ إلى الرياض دون أن ارتبط بفتاة جديدة، وقد شعرتْ والدتي أن تعلّقي بميشا يفوق قدرتها على التأثير على مشاعري!

إلّا أنّ ما لم يكن في الحسبان كان ان إحدى القريبات كانت قد نشرت خبراً مفاده أني ارتبطتُ بفتاة في لبنان وقد قمت بخطبتها !

في أول نهاية أسبوع لعودتي إلى الرياض لبّيت دعوة عشاء لدى قريب لي اسمه سعيد. كان يسكن الرياض منذ سنوات برفقة زوجته. كان طويل القامة، متجسّم البنية، ابيض البشرة، يرتدي نظارات سميكة تجعل عينيه تلمعان خلف عدستيها. كان من أفضلِ الناس خلقاً وما عرفت إنساناً بطيبته ومحبّته. كان العديد من الأقارب والأصدقاء قد لبُوا الدعوة، إلّا أني فوجئت بوجود ميشا برفقة والدتها بين الحضور. كانت قد صففت شعرها الكستنائي بنفسها، ولفّت طرفه السفلي نحو الداخل بشكلٍ متناسق، وكان طوله يصل إلى كتفيها! كانت ترتدي فستاناً بيجيّاً جميل التصميم، يُظهر تناسب قامتها. كانت تتابعني بنظرات عينيها رغم أن وجهها كان يدور نحو اليمين او نحو اليسار!

هممتُ بالوقوف وتوجّهت نحو الرواق الذي يؤدّي إلى باب المدخل وإذ بها تتبعني وتهمس بأذني: “يجب ان نتكلم!”

خرجنا إلى الباحة الخارجيّة وكان الطقس مائلاً إلى البرودة! فتحتْ حقيبتها التي كانت من نوع لوي ڤيتون وسحبت علبةً جلدية سوداء رقيقة لها إطار ذهبي، وفتحتها لتخرج منها سيجارة وضعتها بين شفتيها وأشعلتها بقدّاحة ذهبية مُميّزة!

مجّت من السيجارة شفّةًّ من الناحية اليمنى لفمها، ثمّ، بعد نحوٍ من ثانيتين أخرجت الدخان من تحت الناحية اليسرى لشفّتها العليا! حدّقتْ بعينيّ وقالت لي بابتسامة تهكّم: “مبروك!”

ابتسمتُ سائلاً: “مبروك على ماذا؟” أجابتْ: “وصلني خبر خطوبتك” أجبتها ضاحكاً: “لا صحّة لذاك الخبر! لم أخطب ابداً “. عندئذٍ لاحظتُ أنّ أساريرها انفرجت وخفّ التشنّج الظاهر في معالمها وتحوّل إلى ابتسامة أنارت وجهها بشكلٍ ينعكسُ سروراً على كلّ من تواجد بحضرتها!

تحادثنا طويلاً وكأنّنا أردنا رأب الصدع الذي ظهر لدى الإشكال الذي حصل مع الجارة التي كانت تسكن على الطابق نفسه مع عائلة ميشا، وذلك قبل ذهابي إلى لبنان!

قبل انتهاء السهرة دعتني للعشاء في اليوم التالي قائلة: “أنا لم أطبخ لك طعاماً بعد!” حضرتُ في الموعد المحدّد، وإذ كنت أصعد الدرج بطوابقه الأربعة، كنت كلّما اقتربت من طابقهم أتوقّع ان تطلّ الجارة من بابها لتواصل شجارها معي! إلّا أنها لم تظهر!

كان العشاء عبارة عن ستيك فيليه مينيون قامت بشيّها على “الغاز” بالإضافة إلى الفطر والبطاطس وذلك بالإضافة إلى السلطة التي قامت بإعدادها قبل ذلك! وكان الحساء من أطيب ما أكلت طوال حياتي…

 أما التتمة ففي الجزء الخامس …

قياسي

قدّاس نهار الأحد

قدّاس نهار الأحد

واظبتُ مذ وصولي إلى مونتريال منذ ما يقارب الأربعة عقود إلى اصطحاب زوجني إلى دير مار أنطونيوس الكبير، في أوترمون، كلّ صباح أحد وذلك للمشاركة بصلاة القدّاس الإلهي. وكانت وما زالت تجري إقامة القداديس في صالة الكنيسة والتي كانت في السابق كنيساً يهودياً قبل أن تستحوذ عليه الرهبنة المارونية وتقوم بشرائه مع المبنى الكبير سنة ١٩٨٣. ومن اللافت للنظر ان الرهبنة، بالاشتراك مع الكثير من المتطوعين أمضوا مدة طويلة لإزالة النجوم المسدّسة والتي كانت منتشرة وموزّعة على المعالم كافةً.

كانت زوجتي، وما زالت، تعتبرُ حضورَ القداس نهار الأحد أمراً مهماً ليس بإمكانها التغاضي عن المشاركة فيه. كانت تجلس على نفس المقعد الخشبي كل أسبوع وكنتُ أجلس بجانبها. وإذ كنتُ انظر إلى من كان يجلس على المقاعد التي كانت من حولي، أكان ذلك قي وسط القاعة، أم الجناح الأيمن او الجناح الأيسر منها، كنتُ ألحظُ على مرّ الأسابيع أن أكثر العائلات التي تتردد على الكنيسة تجلس في نفس الأمكنة التي اختارتها في أول مرّة دخلت القاعة!

إلّا انه من المثير للتساؤل أن المتوافدين على الصلاة كانوا يتغيّرون، إمّا بفعل الوفاة، أو الانتقال إلى بلدٍ آخر، او السكن بعيداً عن الكنيسة حيث يتبعون رعايا جديدة في كنائس تمّ افتتاحها في أزمنة متلاحقة! ومع توافد عائلات كثيرة إلى مونتريال هرباً من الأزمات التي كانت تحلّّ في البلد الأم، كان تغيّر الوجوه في الكنيسة أمراً يحدث مع كلّ هجمة جديدة للوافدين!

بخلاف زوجتي، كنتُ أحبّ اللقاء الذي كان يحدث بعد كلّ قداس في الصالة  السفلى تحت الكنيسة حيث كان يُقدم فنجان قهوة للذين يرغبون، وكنت استغلُ تلك المناسبة للقاء الكثيرين من الأصدقاء اوالذين كنت قد تعرّفت عليهم سابقاً، وتبادل الأحاديث في شتى المواضيع! أمّا زوجتي فكانت تُفضّل ان تغادر الكنيسة بمجرّد الانتهاء من القداس!

منذ سنوات معدودة، وفبل جائحة الكورونا، وإذ كانت الكنيسة تعجُّ بالمصلّين بمناسبة إقامة جنّاز الأربعين لأحد المتوفّين، أصررتُ على النزول إلى القاعة! بادلتني زوجتي بتحدٍ قائلة:” لماذا تريدُ النزول؟ أشارِطُكَ أنّكَ لن تجد أحداً يعرفكَ ولن تلتقي بأحدٍ يسلّم عليك!” رفعتُ حاجب عيني اليسرى ونظرتُ إلى وجهها وحدّقتُ بعينيها نظرة الذي يقبل التحدّي! إلّا أن المفاجأة كانت أني لم أجد وجهاً أعرفه بين كلّ تلك الجماهير وكنت كالغريب الذي يحضر للمكان لأوّل مرةً في حياته! إلا أن الحظ أراد الّا أخسر، فصادفتُ مارون الذي سلّم عليّ، و هو الذي يلمّ الصينيّة كلّ أحد في الكنيسة !

مساء سبتٍ ما، منذ قرابة العقدين من الزمن، دعانا الصديقان سمير ومي إلى حفل عشاء في منزلهما الكائن في جزيرة الراهبات القريبة من مونتريال! كانا قد قاما بدعوة ما يزيد على عشرة معازيم من بين الأصدقاء المقربين. بين الموجودين كان الأب زياد، وهو الراهب الذي كان يتولّى إدارة دير مار أنطونيوس الكبير وكان يرافقه أحد الرهبان! أما الاب زياد فقد تميّز بأخلاقه الكريمة وتفانيه في خدمة أفراد الرعيّة!

وإذ كنّا نجلس في الصالون، نظر الأب زياد نحو زوجتي وحدّق بعينيها مبتسماً من وراء نظارته المستطيلة، وتوجّه نحوها سائلاً: “يا ميشا! لاحظتُ في الآونة الأخيرة أنّكِ لم تعودي تحضرين قدّاس يوم الأحد! فهل من مانع؟” وإذ ميشا تُعرفُ بصراحة تزيد عن المسموح به أجابتهُ  وقد عقدت حاجبيها: “وعْظتَكْ يا أبونا كتير طويلة”! والوعظة هي الموعظة التي يتلوها الأب بعد قرائته لمقطعٍ من الانجيل المقدس! جمُد الجو قليلاً حتى عدنا بعد دقائق إلى الجو الطبيعي!

بعد انتهاء العشاء ولدى استعدادنا للمغادرة، سأل أبونا زياد ميشا: “هل ستحضرين يا ميشا قداس يوم غد الأحد؟” أجابته قائلة: “إذا بتوعدني انك ما رح تطوّل الوعظة!” ضحك وقد هزًّ رأسه بالإيجاب!

في اليوم التالي قصدنا الكنيسة وكنا نتوقع وعظةً أقصر من اللواتي تعودنا ان نسمعها في الفترة التي سبقت ذاك الأحد، إلّا انه استهلّ وعظته بشرح طويل عن موقفه تجاه الذين يفضّلون موعظة قصيرة في حين أنه يفضل الإسهاب بالشرح عن الفكرة التي يود شرحها…

قياسي

أيا رفيقة دربي …

 أيا رفيقة دربي…
 
ها إن عقوداً قد انقضت مذ زفافنا، مذ أخذنا الطريق سوياً وانطلقنا نحو المجهول مساء ذاك النهار، وكان اليوم الذي تلى غارات إسرئيليّة على ضواحي بيروت ذهب ضحيتها المئات من الضحايا!
في هذا اليوم استذكر تفاصيل ما حدث في تلك المناسبة! كانت إسرائيل قد دكّت خمسة جسور وممرات! أذكر أننا اضطررنا إلى النزول الى عمق الحفرة، بالسيارة التي كنا نستقلها، وذلك في منطقة السعديّات، على طريق بيروت! كان من المفترض ان نفرح في الوقت الذي كانت المئات من الجثث توارى الثرى! حتى الزهور التي تزيّن مناسبات الفرح تمّ إخفاؤها في صناديق السيارات!
عاهدتُ نفسي من أوّل الطريق، على ان أكون خير زوجٍ للمرأة التي اقترنتُ بها! في ذاك الوقت،  قد لا أكون أجمل الشبّان الذين تعرّفتِ بهم، أو أقواهم جسدياً، أو أكثرهم علماً، أو أثراهم، أو أفضلهم أناقة…إلّا أنّ كلينا فضّلَ  اختياره على كلّ ما كان متوفّراً له، وكنتِ لي، ومازلتِ، أجمل مخلوقات الدنيا التي أعيش فيها!
قد أكون أخفقت في الكثير من المناسبات التي كنتِ فيها تنتظرين منّي المزيد من السعي والنجاح، وقد أكون قد فشلت في أداء الدور الذي كنتِ تتوقعينه مني، وقد أكون قد عاملتكِ بصورة أقلّ حسناً ممّا تتوخّين… وقد لا أجدُ مبرراً لذلك، إنّما اعلمي أنّي صادقٌ تجاهكِ ولم أقصد سوءاً في أيّ تصرّف!
قد لا تنفعني الأعذار التي أتقدّم بها، وبالأخص أنّي قد أعيد الكرّة في المرّة القادمة!
في أيامنا هذه، عندما أجدُ الأعداد المتزايدة من الأزواج الذين يتطلّقون، أتساءل: هل عدم لجوئنا الى الطلاق مردّه الى تطابق أخلاقنا، وقلّة خلافاتنا، أو حبّنا الذي لا يقارن؟ لا أظنُّ ذلك، لأنّ الأهم من كلّ شيء أن نعلم أن كسرَ الجرّة لا يحلّ المشكلة وقد نتطلّق وتبقى المشاكل تلاحقنا!
في النهاية، أختم بأطيب تمنياتي لك، وينبوع حبّي الذي لا ينضب، وأتمنى ان نعيش معاً ما تبقى لنا من العمر، على أفضل ما بإمكاننا، وان يعطينا الله الصحة التي تلزم كي نكمل المسيرة التي بدأناها منذ زمنٍ طويل!
بشير
مونتريال، ١٨ تموز ٢٠٢٤
 
 
قياسي

ذكريات مع الأستاذ إميل ديب

ذكريات مع الاستاذ إميل ديب

لما اقتربت ساعة رحيل الصديق الأستاذ الملحّن إميل ديب، عادت بيَ الذكريات إلى أيامٍ مضت تعود إلى ما يزيد على ثلاثة عقود، مذ تعرّفت عليه في منزله الواقع على شارع ماكنزي في مدينة تيربورن، القريبة من مونتريال! وكأني كنت أتابع فيلماً وثائقيّاً، استعرضَ خيالي مجموعة من الأحداث والوقائع التي واكبتُهُ فيها!

كان قد أخبرني أنه، بعد ان ترك بلده الأم إثر الأحداث التي ألمّت بلبنان، وصل إلى مدينة تيربورن منذ قرابة الخمسة عقود وقام بشراء ذاك البيت منذ السنة الأولى لوصوله وقد عاش بين جدرانه طوال المدة التي أمضاها في كندا!

قبل ذلك كان له باعٌ طويل في التعليم، وقد قام بالتدريس في دمشق وبيروت وجبل لبنان! إلّا أنّ الشغف الذي لازمه لآخر أيامه كان حبّهُ للموسيقى وقد أتقنها وأبدع فيها من خلال المؤلفات الموسيقية الكثيرة التي تُخلّدهُ! كما أنه تعاقد مع الإذاعة اللبنانية وقام بتأليف العديد من الأغنيات وقام بالإشراف على تقديمها على أكمل وجه من ناحية الموسيقى والأداء وغير ذلك، وقد تم بثُّ تلك الأغاني على موجات الإذاعة وقد لاقت نجاحاً مرموقاً! بالإضافة إلى ذلك قام بنشر عدة كتب لتعليم الموسيقى باللغة العربية وهي تحمل الأسماء التالية: “فجر النغم ” و ” دو” و” ري”  و” مي”.

قبل سنوات من وصول جائحة الكورونا، كنت أُداوم على زيارته صباح كلّ نهار سبت حيث كنا نشرب القهوة سوياً. كنت اصطحبُ في بعض الأحيان أحد أصدقائي وأذكر منهم الصديق نبيل لحّام والصديق جوزيف سكاف وقد تمكّنتُ بمساعدتهما من نشر ثلاثة كتب للأستاذ إميل ديب  على “كندل “على الإنترنت  وهم:” دو” و “ري” و” مي” وأصبح بالإمكان لمن يُحب ان يأخذ دروساً في الموسيقى باللغة العربية! كما توصّلتُ إلى الحصول على بعض تسجيلات من الإذاعة اللبنانية لكثير من الأغنيات التي قام الأستاذ إميل بتأليف موسيقاها، وقد قمنا بتسجيل الكثير منها على اليوتيوب! ويجب ألّا ننسى أنه قد تمّ نهبُ الكثير من تسجيلات الإذاعة اللبنانية  التي كانت بحوزتها خلال الاحداث الدامية التي مرّ بها لبنان!

أما مدينة تيربون فتشتهر بالقسم القديم منها والذي يُعرف “بتيربون القديمة” وهي منطقة جميلة على طرف النهر، مليئة بالمباني القديمة العهد وفيها الكثير من المطاعم والمقاهي المشهورة! توصّلتُ إلى اكتشاف مقهى  مبني على شكلٍ محمصة وهي تأخذ قسماً من المبنى الخشبي القديم! أما اسم المقهى فهو “محمصة النهر”.

داومتُ مع الأستاذ إميل على التردّد  على ذاك المقهى صباح كل نهار سبت. كانت فتاتان تقومان بالخدمة. الأولى شقراء الشعر، بيضاء السحنة، زرقاء العينين، طويلة القامة، ولطيفة في تحدّثها واستقبالها للزبائن. أما الثانية فكانت سوداء الشعر، بيضاء البشرة، معتدلة القامة، جميلة المعالم، قليلة الكلام! ومع أنّي لا أحبّذ الجمال المضاف لدى اللواتي يتزيّنّ بالاوشام، إلّا ان تلك الفتاة كانت تخالف القاعدة كون الأوشام الظاهرة والتي رسمتها على ذراعيها وجسدها كانت تعطي رونقا جميلاً يختلف عمّا نجده عند غيرها!     

كنا نجلس في إحدى زوايا المقهى، وكان يرافقنا بين حين وآخر أحد الأصدقاء!

في إحدى المرات كان يرافقني الصديق الإعلامي ڤكتور دياب. وفيما كنّا نحتسي قهوتنا، توجّهتْ نحو الطاولة التي كنا نجلس عليها سيدة في العقد السادس من العمر شعر رأسها مالس وقصير، بيضاء البشرة، زرقاء العينين، منتصبة القامة! بدت وكأنّها صاحبة المقهى. رفعت يديها قليلا وتوجّهت بالحديث نحو الأستاذ إميل والذي كان وقتئذٍ في أواخر الثمانينات من العمر، وقالت: “ما أجملك يا رجل! ما أجملك يا رجل!” ثم غيّرت اتجاهها ومشت نحو المطبخ!

بدا نوعٌ من الخجل على وجه الأستاذ إميل. تبادلتُ نظرات التعجّب أنا وڤكتور كون السيّدة انتقت الأستاذ إميل لتبدي إعجابها والذي يسبقنا بعقود من العمر!

وقتئذٍ استخلصت أنّ الجمال لا عمر له!

قياسي

في وداع الأستاذ إميل ديب

في رحيل الأستاذ إميل ديب

أخي وعزيزي الأستاذ إميل ديب،

خلال السنوات الأخيرة، داومتُ مساءَ كلِّ يوم على الاتصال بكَ، للاطمئنان عليك، خوفاً من أن تنزلق رجلكَ فتقع على الأرض ولا تجد من يُسعفكَ من بين الجيران المتواجدين في الحي!

إلّا ان الانزلاق الأخير كان أقوى من كلِّ ما تعرضتَ لهُ، فكان اللهُ في استلقائكَ، أنتَ الذي نذرتَ له حياتكَ، وقدّمتَ له صلواتكَ المُزيّنة بأفضل ما أبدعتَ من ألحانكَ!

كنتُ كُلّما كتبتُ نصاً في وداعِ أحد الأقارب أو المعارف، أقرأهُ على مسمعكَ، والآن، وانت الراحل، على من سأقرأُ كلماتي؟

انت من الرعيل الأخير لأناسٍ قلَّ وجودهم، وندرَ الوصول إلى أمثالهم، فقد أحبَّكَ كلُّ من عرفكَ واحترمكَ كلّ من تمكّن من التعرّف على أخلاقك ومزاياك!

إن البسمة التي زيّنت وجهكَ طوال حياتك ستبقى تشِعّ عبر الألحان التي قدّمتها عبر الإذاعة اللبنانية، والفنانين الذين غنوها، وفرق الكورال التي تردّدها في الصلوات!

بالنيابة عن زوجتي ميشا وابنتي دانه وعائلتها وعن تجمّع منتدانا الثقافي وبالأصالة عن نفسي، أتقدّم من ابنك الياس وابنتك لينا وعائلتيهما ومن أختك الراهبة جوزيف ومن افراد العائلة كافة بالتعازي النابعة من الصميم ونضرع إلى الله ان يبعد كلّ مكروه عن الجميع.

بشير القزّي

مونتريال ١١ حزيران ٢٠٢٤

قياسي

مفارقاتٌ لا نفهمها (٣)

مفارقات لا نفهمها (٣)

منذ آلاف السنين توالَت على الشعوب ممارساتٌ متنوّعة قام باتباعها الكثيرون منها، وقد اعتبروا لفترات طويلة من الزمن أنها مُنزلة من عند ربِّ العالمين الذي أمرَ بالالتزام بها وتطبيق تعاليمها! إلّا أنّ ازمنة طويلة قضت على الكثير من تلك الممارسات بعد ان تبيّن ان لا إثبات على صحّة مصدرها وكانت غالباً تجلبُ الأذيّة والضرر إلى مُنَفّذيها، كالتضحية بأرواح أناسٍ مُقَرّبين من الذين تتمّ التضحية بهم، ظنّاً منهم أن الآلهة هي بانتظار هكذا تضحيات لنصرة المجموعة ودرء الشرّ عنها!

إلّا أنّ بعض الممارسات ما زال يجري تطبيقها في أيّامنا هذه، على الرغم من الآلام التي تجلبها معها لدى التنفيذ وبعده، وأخطار الإصابة بالتهابات جمّة وخطيرة قد تصيب منْ جَرى تنفيذ الممارسة عليه، وذلك إن لمْ تُتّخذ الإجراءات الوقائية والطبيّة اللازمة على المُفْتَعل به!

من الممارسات التي نقومُ بها، ونعتقدُ أنها مُنزلة من عند الخالق نجدُ تناولَ الطعام، وشربَ الماء، والنوم، والتبوّل والخروج… إلّا ان بعض ما نقوم به على أجسادنا بإمكاننا العيش من دونه، ولا يؤثّر مطلقاً على حياتنا وصحتنا ان اتبعنا القليل من أساليب النظافة والوقاية!

قد ينزعج كثيرون ممّا سيقرأون في مقالي هذا، وهو ليسَ موجّهاً لهم ولا ينتقدُ ممارساتهم، أمّا إذا كانت توجد لديهم براهين تخالف ما أسرُدُهُ، فعلى الرحب والسعة، فأنا مستعدٌّ للإستماع اليها وأخذِ محتواها بعين الاعتبار، وبالأخص إذا كانت ترتكزُ على إثباتات لا غبارَ على صحّتها وتخالفُ ما سأوردهُ!

لا يحتاجُ المرءُ إلى ان يكون مزوّداً بدماغ “أينشتايني” ليلاحظ أن الكائنات التي منَّ بها الله على عالمنا هذا، وجعلها تعيش من خيرات هذه البسيطة ، يبلغ تعدادُها ملايين متعدّدة من ناحية الأجناس، وكلّ جنسٍ يختلف عن غيره، منه ما يعيش فوق الأرض و منه ما يعيشُ في غوصها، منه ما يعيش في المرتفعات ومنه ما يعيش على السواحل او الوديان، منه ما يعيش في المياه المالحة ومنه ما لا يعيشُ إلّا في المياه الحلوة، منه ما يعيشُ في الأجواء ومنه ما يصارعُ الرياح، ومنه ما يهاجر من قارةٍ إلى أخرى حسب تقلّبات الطقس الموسميّة… إنَّ الكمالَ الذي خصَّه الخالقُ بكلِّ جنسٍ، أوْجَدَهُ “هو” في منتهى الإبداع، فكلُّ جزءٍ من أيّ كائنٍ، وُجِدَ لسببٍ معيّن عند ربّ العالمين، وهو وحده القادر على  تحديد دوره ومهامه!

إلّا أنّ تساؤلات مختلفة تجول في ذهني وأودُّ أن أشارك بها من يقرأ مضمونها:

·     هل أعطى الخالقُ الحقَّ لفردٍ أو مجموعة بتعديل ما قام بخلقه ؟

·     هل يُعقل أن يقف أحدُ الآدميّين مستعرضاً جسم أخيه الإنسان ويتوجه الى السماء مخاطباً الخالق ويقول: ” يا إلهي! أبدعت في كلّ شيء، إنما أجدُكَ قد أخطأتَ بإطالة تلكَ القطعة التي يجب قطعها!”

·     أما يُعدُّ بترُ جلدة ساترة من جسم الإنسان، و هي لا تتسبّب له بأيّ أذى، كإعلانٍ عن عدم الرضى عمّا خلقهُ الربّ؟

والله أعلم!

قياسي

كلماتي هذه السنة بمناسبة الأعياد

كلماتي هذه السنة بمناسبة الأعياد

وليغفُر لي كلُّ من اعتاد خلال السنين الماضية على تسلّم رسائل معايدة منّي في مناسبات كثيرة ، أكان ذلك بحلول شهر رمضان الفضيل، أم بمناسبة عيد الفصح المجيد بعد ان تكون قد سبقتهُ جمعة الآلام، أم بحلول عيد الفطر المبارك، أم في مناسبات أخرى مشابهة!

إلُا أنّي في هذه السنة الغريبة، والتي قد لا نترحّم عليها مستقبلاً لِما جعلتنا نعيشهُ من مآسي وآلام لم نشهدْ مثيلاً لها خلال كلّ الحقبات التي مرّت بتاريخنا، أجدُ لساني قد انعقد، وأفكاري قد تشتّتت، وأجد ان صلواتي مشكوكٌ بأمرِ فعلها لأن المستجيب أدار نحونا الأذن التي لا تسمع والعين التي لا ترى،  لذا قرّرتُ ألّا أُعايِد أحداً مهما كانت قربتي به وتقديري له وارتباطي به!

اعفِني هذه السنة يا أيها الصديق من أن أوجّهَ لك كلماتي التي تعوّدتُ على صياغتها في كل عام، لأن ما يجري في أنحاء شتّى من بلدان العالم، وبالأخصّ في بلادنا الحبيبة، يفوقُ بإجرامه كلّ اعتبار ويتجاوز بشراستهِ كلّ حدود!

وبانتظار أيام أفضل وأحكام أعدل تبقى التمنيات تنتظر سلاماً أبهى…

بشير القزي

مونتريال ٣١ آذار ٢٠٢٤ 

قياسي

مفارقات لا نفهمها (٢)

مفارقات لا نفهمها (٢)

خلق الله كائناته وقام بتوزيعها على الأقطار كافة وجعل لكلٍ منها موطناً يتماشى مع ما يقتاتُه ويُغذّيه وقد جاء كلّ كائنٍ مثوّباً بزيٍّ يميّزه عن غيره من الكائنات ويحميه من تقلّبات الطقس والمناخ في المنطقة التي تحتضنه! أمّا بعض المخلوقات، ومن بينها فصائل من الطيور، فلم تكن لتكفيها الكسوة التي جاءت بها، لذا نجدها في سفر مستديم للّحاق بالفصول التي تناسب تكوينها!

أمّا ابن آدم فقد جاء عارياً من أيّ ملبس يحمي جسده من قساوة الطقس وتقلّباته الحراريّة وتنقّله من مناخٍ إلى آخر! فكان تحرّكه ببطءٍ نسبي يجعله غير قادرٍ على السفر بين منطقة وأخرى لمواكبة التغيّرات الطقسية! لذا نجده منذ البدء لجأ إلى تغطية الأماكن الحسّاسة من جسمه بوسائلَ شتّى تنوّعت من أوراق الشجر التي كان يصادفها في الطبيعة، إلى سلخ جلود الحيوانات التي كان يصطادها، إمّا لاستهلاكها أو لدرء شرّها! ومع الزمن تمكّن من تصنيع ملابس تُسهّلُ ارتداءها أوخلعها وتطوَّر الوضع إلى ان ادخل الألوان على ما كان يُصنّعه فأصبح النتاج، إلى جانب كونه يقيه من التقلبات الطقسية، آداة للتحلّي والتزيّن في المجتمع الذي كان يعيش فيه! وإذ كانت كلّ مجموعة أو قبيلة تعيش منعزلة عن غيرها، لذا كنا نجد كلّاً منها يلبس زيّا يتميّز عن غيره ممّا سهّل التعرف على هويّة الشخص وانتمائه لمجرد رؤية ما يرتديه!

ومع الزمن تطوّر ملبسُ الإنسان إلى التمييز بين ما يرتديه الرجل وما ترتديه المرأة وإلى ما يرتديه رؤساء تلك العشائر والقيّمون على المجموعة!

ومع تقدم الوقت والتوصّل إلى إنتاج أقمشة ومواد تُسَهّل تفصيل الألبسة، ارتأى بعض الفرقاء ان تغطية الجسم هي ممّا يطلبه الخالق من خلقه وهي احترامٌ له  وتقديرٌ لمقامه. وهكذا تطوّر شكلُ الملبوسات وألوانها إلى ألبسة دينية تفوق أهميّتها تلك التي تتماشى مع تغيّر المناخ وتقلّب الطقس!

وإذ ان الله، عزّ وجل، زوّد كلّ مخلوقٍ حيواني بلباسٍ يُميّزه عن غيره وهو جزء من جسمه لا يخلعه متى يشاء وعليه ان يعيش فيه في أي مكان يتواجد فيه، وهو يغتسل به دون خلعه بعكس الانسان الذي لا يستطيع فعل ذلك إلا بعد التجرّد من ملبسه بالكامل! وهنا يجدر بنا طرح بعض الأسئلة التي لا نجد الإجابة عليها:

  • لو كانت إرادة الله كساء جسم الإنسان بزيّ معيّن، أما كان بمقدوره فعل ذلك في لحظة خلق الإنسان ، وهو القادر القدير؟
  • مهما تقدّم مصمّمو الأزياء بتصاميمهم ، أما نجدُهم بعيدين عن مقاربة ما خصّ به الربُّ مخلوقاته، وعلى سبيل المثال شكل الديك او لبدة الأسد او حتى جلد الأفعى التي نخشى لدغها ؟
  • لو أراد الخالق إخفاء قطعة من جسدنا ، أكان عاجزاً عن فعل ذلك بشكل جميل لدى نزولنا إلى هذه الدنيا؟
  • أهل نظن أننا بتغطية جزء من جسمنا نخفي ذاك الجزء عن ربّنا وهو القادر الذي يرانا بالكامل وليس بإمكاننا إخفاء شيء عليه؟
  • لو كان الله قد استصعب تغطية أجسادنا وطلب منّا فعل ذلك بالنيابة عنه، فلماذا هذا التخالف في الأزياء التي نجدها في أقطار البلاد كافة؟
  • هل بإمكاننا الادعاء دون أدنى شك أن لباساً معينا هو ما أراده الله لنا؟

والله أعلم!

قياسي

كلمة في وداع الدكتور غازي الفنوش

أخي وصديقي د. غازي

فوجئتُ مساء أمس بخبر رحيلك عن دنيانا من دون وداع! وإن تواريتَ عن أعيننا طوال الأيام التي جعلتك تلازم الفراش، إلّا  أنك لم تغبْ عن قلوبنا وفكرنا، انت الذي نذر حياته للاهتمام بكل من كان حوله، انت الذي كنتَ بلسماً لمرضاك، انتَ الذي لم توفّر ثانيةً للاهتمام بالذين قصدوك، انتَ الذي سيبقى علمُكَ حاضراً عبر كل الأطباء الذين تتلمذوا على يديك! وذلك إلى جانب انك كنتَ صديقاً ورفيقاً لجميع من عرفك! 

عشتُ عقودَ سنيّ عمري ولم أصادف أمثالك ممن لا تبهرهم المظاهر وحافظوا على تواضعهم ما حيوا! كنتَ معطاءً أينما حللت وقد لعبتَ دوراً كبيراً في إطلاق تجمّع منتدانا الثقافي في هذه الغربة التي جمعت بين الكثيرين منّا! لن تنساك الأجيال القادمة وسيتردّد ذكركَ الطيب عبر ذريّتك وكل من عرفك!

بالنيابة عن أعضاء تجمّع منتدانا الثقافي وأصدقائه وعن زوجتي ميشلين وبالأصالة عن نفسي أتقدّم بالتعازي الحارة النابعة من الصميم من رفيقة دربك د. فدوى، وهي نائبة رئيس التجمع، ومن أبنائك هاني وباسل ومحمد، وابنتك هبه وعائلاتهم  وأفراد العائلة كافة، ونتضرع الى الله ان يُبعد كلّ مكروه عن الجميع !

بشير القزّي 

رئيس تجمّع منتدانا الثقافي 

مونتريال ٢٢ شباط ٢٠٢٤ 

قياسي