رد على تعليق المهندس محمود غربي

IMG_2666وصلني التعليق التالي من المهندس

محمود غربي على مقال “وقعة غير منتظرة مع المطاوعة”:
“”ليش ما تصير مسلم؟” اعجبني سؤاله واعجبني أدبك في الرد “انشالله بنصير”. انا استاذ بشير مسلم قرأت بعضاً من كتاباتك قبل يوم فقط اعجبتني انا مهندس مثلك لكن تمنيت انك في يوم من الايام ان تكون مسلما على الرغم من انه لا معرفة لي بك الا من خلال ما قرأت من كتاباتك”.

أخي العزيز محمود،
أشكرك جزيل الشكر على مداخلتك من خلال التعليق الذي أوردته على صفحتي الالكترونية ويطيب لي أن أخصّك بما يلي:

• إختيار المذهب
الأكثريّة الساحقة من الناس لم تختر مذهبها لأنها آلت الى نفس الدين الذي كان قد اعتنقه آباؤها وأجدادها. فأنت ولدت من عائلةٍ مسلمة بينما انا ولدت من عائلة مسيحيّة. وقلائل هم الذين تجرأوا على تغيير انتمائهم الطائفي وأما اذا فعلوا فالدافع في أغلب الأحيان لم يكن الاّ لأسباب لا تمتُّ للإيمان بِصِلة!

• المظهر الديني
ألا توافقني يا صديقي على ان الكثيرين ممّن يتبوؤون المناصب الدينية او من الذين يتقدّمون صفوف المصلّين إنما هم بالحقيقة ابعد الناس عن الدين لأنهم تنصّبوا من خلال أفعالٍ مخزية أو أثروا بطرقٍ ملتوية؟ قد نجد أحياناً اصحاب لحىً وعمائم متزيّنين بأثواب فضفاضة بينما هم في أفعالهم من دينهم براء؟ كم وجدت في حياتي مسيحيّين اكثر إسلاماً في خُلقهم من الكثير من المسلمين وكما صدفت مسلمين أصدقَ مسيحيّةً في تعاملهم من الكثير من المسيحيين!

• تداعيات الأديان
هل الأحداث التي وقعت في شرقنا الحبيب تدفعنا الى ان نطلب المزيد من التعصُّب للاديان؟ أما كان تشريد الملايين باسم الدين من منازلهم وأرزاقهم وقتل مئات الألوف من الأبرياء رادعاً كافياً لكي نقف عند حدٍّ ونعيد النظر في معتقداتنا الروحية؟ أرجو منك يا صديقي أن تقرأ ثلاثة نصوص كنت قد دوّنتها على صفحتي: “الله والعباد” و “يا إلهي… أغفر لي صلواتي” و”واعتباه…”

• خلاصة
نشأت في صغري في بيئة مُختلطة بين مسلمين ومسيحيين وتأثرت كثيراً بالأخلاقيات والتربية التي تلقّيتها لمجرّد اختلاطي بهذين العالمين وانا مدين لما اكتسبته وفخور به!

وقد يكون ثواب من عمل الخيّرات في دنياه أعظم من الذي أشهر دينه وتباهى بصلواته وتجاهر بالنادر من المساعدة التي تحنّن بها على ذوي الحاجة، والله أعلم!

قياسي

في هذا العيد، الى الذين

IMG_1806.JPG

 

الى الذين لا تنفعهم الهدايا…
الى الذين لا يعزّيهم الكلام…
الى الذين شرّدهم الاشرار…
الى الذين بُتر بعضٌ من أعضاء جسدهم…
الى الذين انتُهكت اعراضهم …
الى الذين سُبيت أرزاقهم…
الى الذين فقدوا مأواهم وفراشهم…
الى الذين ضاقت بهم ذرعاً أمور الحياة…
الى الذين أعوزتهم الحروب وأضحوا يشحذون قوت يومهم…
الي الذين باتوا يتلحّفون السماء في البرد القارس…
الى الذين لم تروِ أغاني العيد ظمأهم…
الى الذين خسروا أعزَّالناس لديهم وأقربهم…
الى الذين يتفرّجون بِغصّة على غيرهم يفرحون…
الى الذين أضناهم المرض…
الى الذين أقعدهم العمر…
الى الذين لم تجدِ صلواتهم…

أبقوا مكاناً للحب في قلوبكم ولا تفقدوا الأمل فدونه لا طعم للحياة!

 

قياسي

لمن لم تصله تمنّياتي بمناسبة عيد الميلاد

IMG_1972

بمناسبة هذه الأعياد الكريمة لن تكون تمنياتي لك ترديداً لما تعوّدنا ان نقوله لأن الحياة لا تأتي الاّ بعد مخاضٍ أليم يبكي خلاله الوالدة والمولود الاّ ان الفرح يعمُّ بعد الولادة كلّ القلوب!

كلّ ما أرجوه لك في دنيانا المليئة بالآلام ألاّ تكون السُحب السوداء في حياتك منذرةً الاّ بأيام سماؤها أزرق ونورها أسطع وهواؤها أنقى وأريجها أطيب!

أتمنى لك ان تستفيد(ي) من هنيهات السعادة التي تأتيك من آنٍ الى آخر فتغمر بفرحك كل عالمك وتخفّف من شدة آلام من ظنّ ان الدنيا قد أغفلته !

بكل محبة
بشير القزي

 

 

قياسي

تقييم المرء حسب ملبسه

 

IMG_2636-1

وإن انقرضت عقود مذ كنت في سن المراهقة الاّ أني أذكر تلك الأيام وكأنها لم تمضِ الاّ من عهدٍ قريب! نشأتُ في وسط بيروت، تلك المدينة التي عرفتها بشكلٍ يختلف تماماً عمّا تعرفه الأجيال التي تلت جيلي!

كانت الحياة ساذجة وبسيطة. كانت الخضار والفاكهة تُستهلك في مواسمها فقط بينما تنقطع من الأسواق طوال ما تبقّى من ايام السنة فنلجأ الى المكدوسات والمربّيات والرُب والى ما هنالك مما تمّ تخزينه من منتوجات جرى اعدادها عبر وصفات متوارثة من أجيال تُمَكِّن من حفظ المنتوج الى مددٍ زمنية طويلة.

اما في المنازل فلم تكن طرق الحياة قد “تأمركت” بعد. كانت كلّ وحدة سكنية تحصل على اشتراك مياه حسب مقدورها وحاجتها. وكان التزوّد بربع متر مكعّب في اليوم يكفي عائلة مكوّنة من ستة أشخاص. وكانت مياه البلديّة تصبُّ في برميل حديدي مكشوف رُكّز على تتخيتة الشُّقَّة وزُوّد بفوّاشة تمنعه من ان يفيض بمائه. اما غرفة دورة المياه فكانت تحوي مرحاضاً عربيّاً يُقرفص فوقه من يريد قضاء حاجته. بينما الغرفة الصغيرة التي كانت تستعمل للاستحمام والغسيل فكانت مستقلة. ارضها من بلاط موزاييك مجلي تُزيّن سطحه قطع صغيرة ملوّنة من الحصى منها الأبيض والبنّي وتتوسّط المساحة مصفاة أرضيّة لتصريف المياه. وكانت المياه الباردة وحدها تتفرّع عبر مواسير حديدية لتصل الى حنفيّات موزَّعة في المطبخ والحمّامات. أمّا المياه الحارّة فكان يتمّ تسخينها عند اللّزوم في القازان ( مسخّن المياه) الموجود في غرفة الحمّام وذلك بإشعال “الناريت” والذي كان عبارة عن اكياس ورقيّة تحوي نشارة الخشب ممزوجة بفيول اسود يسهّل الاشتعال.

لم تكن عادة الاستحمام اليومي قد وصلت بعد بل كان الاغتسال مرة في الأسبوع كافياً لمعظم افراد العائلات! في منزلنا كان ذلك يتمّ مساء الخميس. كان كلّ فرد يأتي دوره يدخل الحمام ويلبس القبقاب الخشبي بعد خلع ملابسه ثم يَصبّ ماءً باردة في اللكن النحاسي ويزيدها بضع كيلاتٍ من المياه الساخنة لتصبح فاترة ثمّ يجلس على الطبليّة الخشبيّة ويأخذ اللّيفة الخاصة به والصابونة البلديّة المصنوعة من زيت الزيتون ويبدأ عملية الاستحمام بسكب بعض من المياه الفاترة على جسمه بواسطة الكيلة النحاسية!

في ايام الشتاء الباردة كنّا بعد الحمام نلتف حول منقل الفحم النحاسي التقليدي طلباً للدفء ثمّ نتربّع بعد ذلك على بساط ملون حول طبق القش المستدير والمحاك يدوياً والمزخرف بالالوان وذلك لتناول وجبة العشاء.

خلال الموسم الدراسي كان سروال واحد يفي بالحاجة طوال موسم الدراسة اما الحذاء فكان يخدم مدة أطول بإضافة نصف نعل او كعبيات عند الإسكافي (الكندرجي) وذلك يتكرر حتى يهترئ الملبوس بأكمله. اما سترات الصوف (الكنزات) فكانت تحوكها الأمهات إذ كانت تتبضّع الصوف من أسواق “المعرض” في وسط المدينة وذلك بشكل لفّات كان على احدهم ان يبسط ذراعيه ليفتح اللفة بينما يقوم الآخر بلفّ الخيط بشكل كبكوب كروي الشكل. داومت على ارتداء تلك الستر الصوفية حتى قاربت الثامنة عشرة من عمري عندما اشتريت لنفسي اول كنزة صوف مصنّعة ميكانيكياً!

ولم يكن هناك تمييز بين التلامذة من ناحية المظهر إذ لم يكن الملبس ليدلّ على اي مركز اجتماعي! كانت الطبقة الوسطى تغلب على غيرها من ناحية العدد وكأنَّ الجميع كانوا سواسية!

لدى التحاقي بكلية الهندسة لم تكن قد وصلت بعد موضة لَبْس سراويل الجينز وكيف بالأحرى الممزّق منها كما نجد عند الكثيرين الذين يرتادون الجامعات اليوم! كان الطلاب يلبسون ثياباً مرتّبة وان لم تكن كلها باهظة الكلفة. ولم يكن مستهجناً ان يرتدي الطالب بدلة مع ربطة عنق!

أخذني والدي الى ” سوق الطويلة” لشراء قماش اول بدلة أُخيطها لنفسي. دخلنا الى محل يعرفه. كان متخصّصاً ببيع “الكوبونات” وهي القطع المتميّزة في نقشتها والتي لم يكن وجودها مبتذلاً في المحلات المنافسة. لما رآني صاحب المحل نصحني “بكوبونة” فريدة من نوعها من ماركة “دورميل” Dormeuil). كانت عبارة عن بدلة “سبور” مؤلّفة من قطعتي جوخ مختلفتين واحدة للجاكيت والثانية للسروال وتتناسقان معاً. كان جوخ البنطلون من النوع الناعم لونه زيتي غامق بينما كان قماش الجاكيت اسمك من الأوّل وبلون زيتي فاتح تقطعه مربعات عريضة مرسومة بخطّين رفيعين متلاصقين لون الاول نبيذي بينما الثاني من نفس لون البنطلون. أعجبت جداً بما عرضه عليَّ وقمنا بالشراء وكانت فرحتي لا توصف! ما كان عليّ الاّ ان اجد الخيّاط المناسب!

نصحني والدي “بخيّاط شيك” الأرمني الذي كان محلّه في منطقة “راس النبع” على خط “فرن الشباك” وكان والدي من قدامى زبائنه. قصدت المكان وبعد ان فتحت الباب الزجاجي وضعت القماش على المنضدة الزجاجية وبادرت بالسلام. لم أحظَ بأي رد من الخياط الذي بدا في العقد الخامس من العمر، بدين الجسم، شعره الأسود بات خفيفاً في منتصف راْسه ويرتدي نظارات سوداء مستديرة العدسات وكان يقف بمواجهة طاولة خشبية وكأنه يُفصَّل قطعة قماش. أعدت السلام بصوتٍ عالٍ فالتفت نحوي وتقدم بضع خطوات نحو المنضدة. عرّفتُه بنفسي وأخبرته باني ابن كمال القزي، ثم رفعت القماش بيدي وأخبرته اني اريد تفصيل بدلة. بحلق بالقطعة وسألني: “لمن؟”. أجبت : “لنفسي”. نظر إليّ متفقّداً جسمي النحيل من أعلى الى أسفل ثم قال بلكنة أرمنيّة: “بابا، أنا ما بخيّط منشان انت!” سألته لماذا؟ أجاب: “أنتَ بيريد موديل مودرن وكمان بدّو بنطلون بات ديليفان (pattes d’éléphant )! عجزت وانا احاول إقناعه باني مستعد للقبول بما يفصّله الاّ انه اصرّ على الرفض. فما كان مني الاّ ان عُدتُ أدراجي وبعد استشارة اقرباء قصدتُ خيّاطاً آخر كان مشغله في بناية “ستاركو”.

بعد البدلة المفصّلة جاء دور الحذاء. توجّهت نحو محلات “رد شو” في منطقة “باب ادريس”. وُلعت بحذاء من النعل لونه نبيذي من نفس لون الخطوط الرفيعة المجودة على مربعات الجاكيت بينما شكله كان يشبه ما يسمّى “سْبكتيتور”. لم أتردد كثيراً وقمت بدفع الثمن.

عند استلامي البدلة الجديدة خصّني والدي بربطتي عنق من الحرير الأصلي كان قد تلقاهما كهدية من احد أصدقائه. كانت كل واحدة تمتاز عن الاخرى بالالوان والنقوش التي لم يوفر المُصمّم اي جهد لإبراز مقدرته على الإبداع ! كانت كلّ ربطة مغلّفة ضمن علبة كرتونيّة أنيقة وعلى الغطاء اسم المُصمّم الفرنسي الشهير “جاك فات”!

خلت نفسي عندما ارتديت البدلة لأول مرة وكأني أخطو فوق الغيوم! كنت لا أشعر بحذائي
يلامس الارض! لما وصلت الجامعة بدا الكثير من زملائي ينظرون اليّ بطرف عينهم! اما بعض الفضوليين فكان يتقدم نحوي احدهم ويقول “ما اجمل هذه الربطة!” ثمّ يُمسكُ بطرفها ويقلبها ليرى اسم المصمم ويقول بإعجاب: “آه! جاك فات!”

اما بعد ايام من التبديل بين الربطة الاولى والثانية كان من اللائق ان أغيّر وأرتدي ربطات عنق جديدة! ولم يكن بمقدوري ان اشتري بما هو من نفس المستوى! وبعد السؤال توصلت الى التعرف على احد المشاغل في بناية “اللعازاريّة” القريبة من منزلي! كان يبيع بالجملة والمفرّق ربطات العنق وكان يفصّلها من أثواب حريريّة ملوّنة يستحضرها من الخارج مع حق وضع وسم مصمّميها الذين كانوا اقل شهرة من “جاك فات”! تبضّعت بضع ربطات وكانت تباع بأسعار متهاودة!

في اليوم التالي عقدت احدى الربطات وذهبت الى الكلّيّة! فاجأني احد الفضوليين مجدّداً وقلب طرف العقدة بإعجاب ثم قال:”آه! جاك دنيز!” وكان الاسم الموجود على “الإتيكات”. المهم اني تعلمت ان الكثيرين في البدء يقيسون مستواك الاجتماعي بقيمة ما ترتديه ثم متى وضعوك في خانة معيّنة يقيسون ما ترتديه بالفكرة التي كانوا قد كوّنوها عنك!

 

قياسي

Mon cœur est toujours jeune

IMG_2623

Mon cœur est toujours jeune
Mais mon corps ne l’est plus
Je dois faire le jeûne
De tout ce qui m’a plut

Je tombe en amour
De toutes les beautés
Je suis trop obsédé
Par tout ce qui m’entoure

Pourquoi mon corps vieillît
Tandis que mon âme
Elle se proclame
Rester jeune à vie

Je dois tourner la page
Pour la réalité
Et laisser de côté
Les plus jeunes d’âge

 

 

 

 

 

 

قياسي

بعضٌ مما قلته في حفل توقيع كتاب “ذكريات وخواطر من جعبة مهاجر”

img_2549

في بداية شهر كانون الثاني من سنة ٢٠١٦ استقللت طائرة من زوريخ عائداً الى مونتريال. وفيما كنت جالساً في مقعدي خالجتني خواطر مؤلمة وانتابتني رغبة شديدة بأن أخرج ما كان يقبض على صدري من آثار فاجعة “الباتكلان” والتي كانت قد وقعت لنحو من شهر خلا!

ترددتُ في اختيار اللغة التي سأدوّن بها أفكاري: أأكتب بالفرنسية التي كنت بدأت بها تدويناتي أم بالانكليزيّة التي ألت اليها في آخر الامر؟ ثمّ تساءلت: لمَ لا أكتب بالعربية وبالأخص لأن الشرارة الاولى لما يحدث اليوم كانت قد انطلقت من بلاد العرب؟

بالعربية؟ كيف اكتب بها ولم أقرأ كتاباً عربيّاً واحداً منذ عقود كما لم أكتب أي نص مذ أيام دراستي الثانوية في صف البكالوريا؟

اما اللغة العربية فتذكرني بالفتاة اليانعة الخجولة ذات الجمال الأخّاذ والشعر الأسود القاتم الذي تزنّره طرحة ملونة والتي تجلس على طاولة في مطعم على مقربة منك. تجد نفسك مسحوراً بسواد عينيها وحاجبيها المرسومين بإبداع مبدع! أما الشفتان فحدّث ولا حرج وقد سكبتا في قالب خُصَّت هي وحدها به. ما ان ترمقك بطرف عينها حتى تخال نفسك وقد ملكت الدنيا! تُحضّر بتمعّن كل ما تريد أن تقوله لها من كلام جميل للإستحواذ على انتباهها والفوز بإعجابها ومن ثمّ تنتظر لحظة معيّنة تنتصب فيها من مقعدك وتتوجه نحوها بتأنٍّ وخطى ثابتة وما ان تصل اليها وتنظر الى عينيها وتبادرها باول جملة حتى تتلعثم بالكلام وتنسى النص وتُضيّع على نفسك فرصة لا تُعوّض… هذه هي لغتنا، رائعة في جمالها طالما لم نتلفّظ بها!

كتبت أول نص لي وكان بعنوان “الله والعباد” وذلك تبعاً لما آلمني من احداث كانت قد وقعت خلال الشهر الذي انصرم! كنت خائفاً من ان أكون قد تجاوزت خطاً أحمر لا يجوز تعدّيه فأرسلت ما كتبت الى الاستاذ إميل ديب أستشيره بالأمر! كان الجواب إطراءً بالنص وتحثيثاً على نشر المقال والمتابعة في الكتابة!

وهكذا بدأت أدوّن أفكاري وأخباري باللغة العربية! وتبعت مقالتي الأولى بثانية بعنوان “يا إلهي… أغفر لي صلواتي!”. ومن ثمّ عدت الى ذكريات لي من عالم طفولتي ونشأتي في لبنان. ثم بعد ذلك رويتُ أحداثاً وقعت معي في العراق، وفي السعودية وفِي كندا…

لا يسعني في هذه المناسبة الاّ ان اشكر كل من دفعني الى الاستمرار والمثابرة ونشر الكتاب واخص بالذكر السفير مسعود معلوف، والاستاذ بيار أحمراني، والاستاذ سامي عون، والاستاذ جوزيف شباط، والاستاذ جوزف دورا، والإعلامية كوليت درغام، والإعلامي فكتور دياب ورفيق الطريق الاستاذ الملحن إميل ديب.

اشكر أيضاً الصديق جورج جحا الذي قام بطبع هذه النسخة الورقيّة في مطبعته في “سان لوران” كما الصديق نبيل لحام الذي قام بتصميم الكتاب والصديق جوزيف سكاف الذي توجّب بتحميل النسخة الالكترونيّة على شبكة الانترنت ضمن الكتب المتوفّرة للتحميل عند “أمازون” مع كتب ما يسمّى “بكندل”.

 

 

 

 

قياسي

Jaloux!

IMG_9982

Du monde qui t’entoure, tout me rend jaloux
Du savon qui se lave le matin de tes joues
À la brise qui te caresse les cheveux
Au beau soleil qui rayonne dans tes yeux
Tout me rend jaloux

 

Des habits qui se réchauffent de ton corps
Aux vagues qui meurent de la mer à son bord
Effaçant les traces de tes pieds sur le sable
Pour composer de la chaleur qui reste des fables
Tout me rend jaloux

 

Des oiseaux qui chantent des mélodies à ta vue
Aux gens qui s’arrêtent pour te voir aux coins des rues
Aux bijoux que tu portes pour les embellir
Sans toi, je ne peux ni composer ni écrire
Tout me rend jaloux

 

 

قياسي

أسوأ هديّة تلقيتها

IMG_2027

لكلّ امرئٍ قصصه فيما يتعلّق ببعضٍ من الهدايا التي تلقّاها خلال حياته وبالأخص تلك التي لم يفهم السبب الذي دفع بمقدّمها الى انتقائها! وبِتْنا أيضاً عبيداً لعادة اقتبسناها عن الغرب وعزّزناها خوفاً من أن يصُحّ فينا القول العامّي “اليد الفاضية مجويّة”!
في الماضي القريب كان يقتصر واجب الإهداء على مناسبات قليلة معدودة كالزواج والولادة! أما اليوم فالمناسبات لا تُحْصى وتُبذخُ أموالٌ طائلة على هدايا لا نجد حاجتنا اليها والكثيرون منّا يمضون ساعاتٍ وأياماً في المتاجر للعمل على إبدالها.
في شهر حزيران (يونيو) من سنة ١٩٦٩ كان قد أُعلن نجاحي في اجتياز الإمتحانات الرسمية اللبنانية للبكالوريا القسم الثاني. وكانت نسبة النجاح ضئيلة كما كانت صعوبة النيل من تلك الشهادة العائق الأساسي أمام تقدم الكثيرين نحو الإلتحاق بالتعليم الجامعي والذي كان في تلك الأيام الضّمان الأساسي لاستحصال مستقبل مزهر وذلك بعكس ما نجده في أيامنا الحديثة من حيث قلّة توفّر مجالات العمل أمام خرّيجي الجامعات.
توافد الكثيرون من الأقارب وأصدقاء العائلة لتهنئتي وكانت العادة أن نقدِّم للزائر فنجان قهوة لبنانية وقطعة بقلاوة احتفاءً بالمناسبة. كما كانت تتوسَّط الصالون على طاولة صينيّة فضيّة مستديرة، وُضعت في وسطها طرحة مستديرة صنعت باليد بطريقة “الكروشيه” ووُضِع فوقها ما لا يقلّ عن عشرة أنواع من علب السجائر. وكانت العادة الإلحاح على الزائر “بتنفيخ” سيجارة! وكانت بمثابة إهانة لصاحب البيت أن يتفقّد الضّيف الأنواع المعروضة ثم يسحب من جيبه صنفاً لا يوجد بين المجموعة المقدمة!
في صباح أحد الأيام كنّا في الشُقّة التي كنّا نسكنها في بيروت في منطقة الخندق الغميق والتي كانت في الطابق الرابع من بناية “أحمد الجزّيني”. كان باب مدخل الشقة خشبياً مطلياً باللون الرمادي من الخارج وباللون البيج من الداخل. وكان الباب مقسوماً على مصراعين، واحد يُفتح بالمغلاق بينما الثاني مثبّت ولا يُفتح الاّ عند اللّزوم. وكانت كلّ درفة تتوسّطها طاقة مصنوعة من إطار خشبي وزجاج محجّر يحجب الرؤية ومحمي من الخارج بالحديد المشغول المزخرف. وكنّا نفتح احدى الطاقات للتأكّد من هويّة الطارق قبل فتح الباب. وما ان ندخل الشقة كان الصالون على اليمين بشبابيكه الزّجاجيّة المحجّرة والمواجهة للغرب بينما غرفة الطعام على اليسار وذلك دون أي قواطع بينهما. أما غرفتا النوم فكانتا تواجهان الغرب ولهما شرفة مشتركة يمكن الخروج اليها من أيّ غرفة عبر باب خشبي زجاجي مزدوج وكان لكلّ باب من الخارج درفتنان من الأباجور الخشبي القديم. وكانت الشرفة تعلو شرفتي الطابقين الأسفليّن وكان المارة يمشون في الشارع إذا أرادوا تحت الشرفات. أمّا الدرابزين فكان مصنوعاً من الخرسانة الصلبة وله مصطبة عُليى تتسع لوضع فنجان قهوة بينما جنبه فكان من الخرسانة التي تواجدت فيها فتحات مزخرفة وكأنها حُفرت في الصَّخْر. كما كانت قد رُكّبت على المصطبة العُليى زوايا حديدية تجمع بينها حبال رفيعة تستعمل لنشر الغسيل. أمّا من الداخل فكان “كوريدور” يفصل بين غرفتي النوم من ناحية والمطبخ وغرفة الغسيل من الناحية الثانية وينتهي بالحمام الصغير ذي الكرسي العربي والذي كانت مغسلته معلّقة خارجه على حائط الكوريدور كما كانت لها حنفية تُزوّدها بالماء البارد فقط! أما على الجدار المتواجد بين باب المطبخ وباب غرفة الغسيل فكانت طاولة صغيرة مستطيلة حديدية ملصقة بالحائط تستعمل لتناول الفطور.
كان “داني” ابن خالي في ضيافتنا لبضعة أسابيع وكنا ومازلنا نعتبره أخاً رابعاً في عائلتنا وكانت المساحات المتوفّرة لا تتّسع لحركته. كان يركض وهو منتصب القامة الصغيرة ولا ترى من جسمه ما يحرك سوى رجليه. كان يخرج راكضاً الى الشرفة من باب ويعود ليدخل راكضاً من الباب الثاني.
رنّ جرس الباب وإذ بقريبة لنا جاءت لتهنئتي بنيل الشهادة. بعد ان قبّلتني وتمنّت لي كل التّوفيق سحبت من حقيبتها علبة بلاستيكية أسطوانية الجوانب، بيجيّة اللّون وكأن النور بدّل في رونقها مع مرور الزمن. كان الغطاء يُسحب من أعلاه. فتحت العلبة وإذ بداخلها من ناحية شريط كهربائي تمّ لفّه لإدخاله بينما كانت من الناحية الثانية ماكينة حلاقة من نوع “براون” لونها بيجي أيضاً ويبدو انها مستعملة! سحبت السيدة الماكينة من العلبة ونظرت اليّ وقالت مبتسمةً:”هذه ماكينة حلاقة كانت لزوجي وقد تعطّلت. أصلحها وخذها!” وكنت أرى شفرات الآلة وكأنها لم يتم تنظيفها منذ زمن!
تردّدت بإظهار ردة فعلي. كيف لا والسيدة من عائلة كريمة عريقة ومعروفة في البلد والمفروض انها تعرف الأصول! وبينما انا أفكر، وإذ “بداني” يحمل العلبة بسرعة البرق ويركض بها نحو الشرفة ويرمي بها الى الشارع. أسرعت لاتفقّد ما حدث خوفاً من ان تكون الماكينة قد وقعت على راس أحد المارة فقتلته! إنما والحمدلله وقعت على الزفت وتبعثرت قِطعها! شكرت ربي على أني تفاديت شرّين: القبول بالهدية اللعينة وخطر إلحاق الأذى بأحد المارة!
كنت أظن أن تلك الهدية تربح جائزة ” أسوأ هدية تلقّيتها” إلى أن وصلتني منذ بضع سنوات هدية تكاد توازيها! كانت علبة شوكولا من نوع “لندت” الشهيرة والمعروفة عالمياً. تذوقت حبتين أو أكثر ولم يكن الطعم مثلما تعوّدته سابقاً حتى اكتشفت ان الشوكولا كانت قد انتهت صلاحيته منذ ثلاث سنوات!
ذكّرتني الحادثة الأخيرة بأيام كنت فيها طفلاً وكنت أرافق والديّ لمعايدة جدة والدتي “زهرة” في مدينة الدامور. كانت الجدة تصرّ على تقديم شوكولا محشيّة من علبة كانت تخفيها في احد الأدراج. كنّا نقرض قطعة صغيرة من الحبّة قبل أكلها لنتفقّد ما إذا كانت تختبئ بداخلها دودة ما!
وإذ أنهي قصّتي هذه، اطلب من القرّاء الذين لهم حوادث مماثلة ان يُقصّوا علينا روايتهم ضمن خانة التعليقات!

قياسي

هل كان قريبي مثلي الجنس؟

IMG_2022

لي قريب أعرفه منذ نعومة أظافره تلك التي كان وما زال يقضمها دون ان يترك لها المجال أن تنمو. أما والده فقد اجتهد كثيراً دون أن يفلح لإقلاعه عن تلك العادة الغير مستحبّة وكان يسأله بالفرنسية فور عودته من عمله:”أرني أظافرك يا نادي!” . كان له من العمر قرابة الثلاث سنوات عندما مكث بيننا بضعة أسابيع في منزل المزرعة التي كانت عائلتي تمتلكها في بلدة وادي الزينة التي تقع على ساحل قضاء الشوف. كنت أتقدّمه بالسن بنحو عقد ونصف وكنت أراقب الكثير من تصرفاته. كان سريع الحركة، قليل الكلام، يُفكّر قبل ان يتفوَّه، وكانت له نظرات ثاقبة تدلّ على ذكائه وعلى انه يعي كل ما يدور حوله.
مرّت الأيام وكبر نادي وترعرع بعد أن تعلّم في أفضل المدارس رغم سني الحرب اللبنانية. ثمّ سافر الى الولايات المتحدة حيث التحق بإحدى الجامعات المعروفة لإكمال تحصيله الجامعي. وفِي سنة ١٩٩٣ اتصل بي بالهاتف وقال لي انه سيكون في مونتريال في اليوم التالي.لمّا التقيته وجدته شاباً معتدل القامة رياضي المظهر تكاد عضلاته تفيض من قميصه. دعوته للإقامة في منزلي فقبل وأمضى يومين في ضيافتي ثم انتقل للإقامة بضعة أيام لدى شبانٍ كان يعرفهم يسكنون شقة في وسط البلد.
مرّت سنون ولم أسمع عنه الكثير الى أن اتصل بي بالهاتف سنة ٢٠٠٣ وقال:”أنا في رحلة تفسّح وإستجمام. لقد أتيت من نيويورك بالسيارة منذ أيام الى تورنتو وسأصل في الغد الى مونتريال. قلت له: “ممتاز. إذن ستنزل بضيافتنا”. أجاب: “لا أقدر! معي صاحبي وقد حجزت غرفة في أوتيل “الشيراتون” في وسط البلد.” حاولت ان ألحّ الاّ انه أصرّ على قراره.
وإذ كنت في مكتبي عندما كلّمني، استقللت سيارتي عائداً الى البيت وانا لا أفهم رفضه لضيافتي. فتحت الراديو وإذ بالمذيع يُلقي نشرة الأخبار ويقول ان الآلاف من مثليي الجنس يتوجّهون من نيويورك وتورنتو نحو مونتريال للإشتراك بالإحتفاءات الخاصة بهم. وبدأ “الفأر يلعب في عبّي” وبدأت أتساءل:”هل يعقل ان يكون قريبي من تلك الجماعات وقد حضر خصّيصاً مع صاحبه للإشتراك بالإحتفالات؟” لم أسمع عنه يوماً انه كان بصحبة فتاة!
في اليوم التالي أعلمتني السكرتيرة بوصوله. خرجت من مكتبي لأسلم عليه. كان وصاحبه يجلسان على كنبات الإنتظار ذات اللون الأزرق الفاتح. رحّبت به بحفاوة وكان كما عهدته سابقاً مفتول العضلات، رجولي المظهر وقد حلق رأسه الى اقصر حدٍ ممكن. أما “صاحبه” فكان طويل القامة، حسن الملبس، نحيل الجسم، شعره اسود معتدل الطول، عيناه حالمتان وكان منظره يذكّر بالمغني الشهير “مارك انطوني” مع الفارق انه كان يرتدي حلقة ذهبية في أذنه اليمنى. عرّفني به قريبي: “هذا صديقي باسم”.
قررنا الذهاب لشرب البيرة في منزلي الذي كان في منطقة بييرفون. كان نادي يقود سيارة سبور مكشوفة صفراء اللون من نوع BMW Z3
تبعاني بالسيارة وكلما نظرت بالمرآة لأتفقدهما ورائي كنت اشعر ان شكّي اصبح يقيناً. قلت لنفسي:”هذا أمر لا مفر منه! عليّ ان أقبل بالوضع كما هو!”.
عندما وصلنا الى المنزل كانت زوجتي قد وصلت لتوّها ومعها كيس من اللوز الأخضر. لم استطع ان اخبرها على الهاتف بخلفيات الموضوع.
جلسنا على الشرفة التي تواجه البوليفار وبينما كانت زوجتي تحضر المشروب من المطبخ بدأت املأ الفراغ بالتكلّم انه سبق لي وزوجتي ان شاهدنا احتفالات مثلي الجنس في المدينة ومظاهراتهم بينما كان قريبي يحدّق وقد عقد حاجبيه.
خرجت زوجتي على الشرفة مع المشروب واللوز وسألت قريبي: “لم تُعرفني بمن معك؟” أجاب:”هذا باسم أخُ زوجتي!”
عندئذٍ انتفضت وسألته: “أنت متزوج؟ لمَ لم تُخبرني من قبل؟ مذ متى؟” قال:” ان ذلك تم منذ سنة”. قلت لهم: ” يجب ان أخبركم بما حصل لي اليوم”. وبدأت أقص عليهم ما حدث لي وكيف كنت على يقين بأنهما مثلي الجنس.
وقبل ان انهي حكايتي كان باسم قد خلع الحلق الذهبي من أذنه بينما قال قريبي:” منذ أسبوع وانا اطلب منه ان يخلع الحلق وهو مصرّ على لبسه”.

قياسي

ملهى الراقصات

IMG_2012

كنت في السنة الثانية لاستقراري مع عائلتي الصغيرة في مدينة مونتريال عندما قررت مع صديق لي ان نبني منزلين متلاصقين لعائلتينا في منطقة “بييرفون”. وكالمثل القائل “رُبّ أخٍ لم تلده لك أمّك” كانت وما زالت تربطني بصديقي نبيل صداقة تعود الى أيام دراستنا في الكلّية العليا للهندسة في بيروت التابعة للجامعة اليسوعيّة.
بعد إنقلاب “الأحدب” في لبنان بتاريخ ١١ آذار ١٩٧٦ وبعد انقطاعي عن التواصل مع أهلي والذين كانوا يتواجدون في المنطقة الغربيّة، اضطررت للمكوث بضعة أسابيع لدى منزل ابنة عمّي هلا وزوجها شاكر في مدينة “زوق مكايل” الكسروانيّة.هناك التقيت بنبيل مجدداً وكان يسكن في بلدة صربا. كان احد افراد عائلة كريمة مؤلّفة من الوالدين وعشرة أبناء وبنات يعيشون في منزل متواضع في منطقة الكسليك. للدلالة على البيت في بلد لا توجد فيها ارقام للمنازل كان يكفي الإشارة الى انه الباب الذي كان مفتاحه مغروساً في ثقبه على الدوام. فلم يكن على القادم إلا أن يفتح لنفسه الباب ويدخل! جميع الأولاد أفلحوا في دروسهم بفضل تربية الوالد الكسرواني الى جانب الوالدة الماردينيّة الأصل.
التقينا بعد ذلك في الرياض حيث كان لكلٍّ منا عمله، ثم بعد ذلك في فلوريدا حيث قام بزيارتي وحثّني عَلى المجيء الى مونتريال فحططت فيها رحالي بعد أشهر وجعلت منها موطني الجديد!
ولنعد الى موضوع بناء المنزلين وإذ كنّا في لقاء بين عائلتينا في شُقّة كان يسكنها في منطقة “سان لوران” غمز صاحبي بعينه واقترب منّي وهتف بأذني وهو يُخفي جانباً من فمه حتى لا يسمعه أحد: “هيّا معي لنذهب لشرب قنّينة بيرة”. قلت: “الى أين؟”. أجابني: “سأُعلِمُك في الطريق.”
كانت الشمس قد قاربت على المغيب في ذاك اليوم من أوائل شهر أيار (مايو). تذرّعنا لنسائنا بأننا بصدد الاجتماع بنجّار معماري وطلبت من زوجتي أن تصطحب ابنتنا وتعود بالسيارة الى البيت. أما زوجة نبيل فطلبت منه ان يشتري ربطتي خبز في طريق العودة.
استقللت مع نبيل سيّارته التي كانت سوداء اللون من نوع هوندا “آكّورد” وانطلقنا. اخبرني اننا نقصد ملهىً للراقصات في منطقة “بوانت كلير”. في الطريق توقّفنا على شارع “سان جرمان” لنأخذ معنا صديقنا “أبو الزوز” إلاّ انه لم يكن قد عاد بعد من عمله. أكملنا الطريق حتى وصلنا الى المكان المقصود.
دخلنا الى داخل القاعة وسط صوت الموسيقى المرتفع والديكور الأخاذ والألوان الجذابة وأجهزة الإنارة التي منها الخافت ومنها المسلّط. ما ان جلسنا حول طاولة صغيرة مستديرة الشكل قريبة من المسرح حتى جاءت احدى المضيفات وسألتنا عمّا نريد ان نشرب ثم اتجهت نحو البار لتحضر ما طلبناه بسرعة البرق وتستوفي الثمن. أخذت استطلع ما كان حولي فكان عدد لا يستهان به من الرجال قد تسمّروا على طاولاتهم وقد أتوا آحاداً او مجموعات صغيرة مؤلفة من اثنين او اكثر. اما الفتيات فكنّ كلهن جميلات ويرتدين ما كاد لا يخفي من أجسادهن الا القليل. وكانت أجسامهن متناسقة وكأن تضرّسات مفاتنهنّ رُسمت بإبداع مابين محيط الصدر ونحالة الخصر وبروز الأرداف. وإن اختلفت أشكالهن ومقاساتهن إلاّ إنهن كنّ كلّهنّ جميلات كما نرى في حديقة زرعت بأزهار مختلفة بينما كلها جميلة وجذّابة. وكانت بعض الفتيات تتنقل حاملة منصّة معدنية خفيفة لتعتليها عندما ترقص امام احد الزبائن مقابل مبلغ خمسة دولارات للأغنية الواحدة.
صعدت المسرح إحدى الراقصات وهي تتمخطر مع كل خطوة لتؤدّي وصلتها. كانت ترتدي قبّعةً بيضاء فوق شعرٍ أشقر يلوح مع كل حركة ونظارات شمسية كبيرة سوداء تتزيّن بوجهها الناصع البياض والأنف المتناسق والشفاه التي لوَّنها الأحمر الذي اختارته فظهرت وكأنها لوحة دعائية تُعلَّق على الجدران في محلات الماكياج النسائيّة. كان عامود نحاسي يتوسّط المنصّة وكانت الأضواء تسطع نحوه.
أمسكت العامود النحاسي بيدها اليمنى فبانت أناملها الجميلة وأظافرها الطويلة والمصبوغة بنفس الأحمر الذي يُزيّن شفتيها واخذت تتماوج وترقص مع الموسيقى وبدأت تتخلَّى عن ملابسها الحمراء والزرقاء قطعة وراء الأخرى مع كل نغمة كاشفة المزيد من جمال جسدها وبشرتها الناعمة الحريرية إنما متمسكة على الدوام بحذائها النسائي الأحمر ذي الكعب العالي. وفِي آخر المطاف أهدرت الستارة عن كنزيها فبديا وهي منتصبة امام العامود وكأن كل كنزٍ يواجه جمهوره!
بعد ان صفّق لها الحاضرون، طلب مني نبيل ان أتصل بالهاتف “بأبو الزوز” وأطلب منه ملاقاتنا الى الملهى! فهذه المشاهد هي شيء لم نعهده بعد، نحن المشرقيّون!
وفِي زمنٍ لم تكن توجد فيه الخليويّات توجّهت نحو الهاتف العمومي والذي تضع فيه قطهة ٢٥ سنتاً ثم تطلب الرقم. أما “أبو الزوز” فكان جهوري الصوت، رياضيّ المظهر، طويل القامة، له شاربان كثيفان يكادان يغطّيان شفته العليا تحت أنف يدل على شخصيته المميّزة. تخيّلته جالساً باعوجاج على الكنبة البيج العريضة وقد وضعت له زوجته أنواع الطعام التي اعدّتها على طاولة الصالون الخشبية وهو يشتفّ كأساً من الويسكي محاطاً بكلٍ من زوجته، وبناته الثلاث، وأمه وأخته اللتين كانتا قد حضرتا من البلاد لقضاء شهرٍ في ضيافته.
طلبت الرقم وإذ “بأبو الزوز” يرد: “آلو، مين عم يحكي؟”
قلت له: “بشير”. قال: “بشير؟ أش هالضجّة عندك؟” وكان يسمع الموسيقى الصاخبة في الملهى. فسكتُّ.
ثم قال بصوت مرتفع: “بشير، انت مع من؟” أجبته : “انا مع نبيل”. قال: “مع نبيل؟” قلت:”نعم”
ثم سأل:”إنتم وين؟” أجبته:”على بولفار هايموس”. ردّ ورائي بصوت مرتفع:”بولفار هايموس؟”. قلت: نعم
ثم سأل مجدداً: “شو اسم المحل؟” أجبت:”لا سورس دو سكس”. ردد ورائي:”لا سورس دو سكس؟”. “La Source du sexe”
عندئذٍ تمنّيت لو ان الأرض تبتلعني لان “أبو الزوز” فضحنا أمام النساء! ثم قال: “انا اليوم تعبان وليس بمقدوري ان الاقيكم!”
عدت الى مقعدي وقد احمرّت أذناي واصفرّ وجهي ولم أعد استطيع الكلام او مشاهدة ما يجري حولي.
وعندما رجعنا الى منزلينا كانت النساء قد تخابرت فما كان علينا الا ان ندفع غالياً وعلى أسابيع ثمن مغامراتنا المشؤومة!

 

قياسي