تتمّة تقييم المرء حسب السيّارة التي يقودها

IMG_2731

تعود بي الذاكرة الى صيف سنة ٢٠٠٨ حيث عدت لزيارة لبنان برفقة زوجتي بعد غياب دام قرابة الربع قرن. بالحقيقة كنت قد قمت بزيارة قصيرة بمفردي سنة ٢٠٠٤ ولم يتسنَّ لي خلالها سياقة سيارة وسأعود لملابسات ومفاجآت تلك الرحلة في مقال لاحق!

بالرغم من تحذير الكثيرين من معارفي من خطورة القيادة في لبنان قرّرت ان أستأجر سيارة لطوال فترة أِقامتي والتي كانت تقارب الأربعة أسابيع. كان عليّ التنقّل كثيراً بين عدة مناطق لزيارة أهلي وأقاربي وأقارب زوجتي من ناحية وللقيام بزيارات رسميّة لمراجع عليا كوني كنت رئيساً لغرفة التجارة والصناعة اللبنانية الكندية وذلك من أجل مشروع كنت أعدُّ له تحت اسم “نافذة على لبنان” وذلك بتنظيم معرضٍ للمنتجات اللبنانية في مونتريال!

خرجت وزوجتي من الباب الزجاجي الواقع بعد الجمارك في مطار بيروت. كنت أسبقها بخطوات وكلّ منّا يجرّ عربة حديديّة خاصّة بالحقائب. ما ان خرجت عبر البوابة الزجاجية حتى فوجئت بجدار طويل من الناس ينتظرون ذويهم خلف حاجز حديدي. وكانت زوجتي قد حجزت بالهاتف على سيارة مع آنسة اسمها “إليان”وكان علينا تسلّمها من السائق الذي أحضرها الى المطار. وأِذ كنت أستعرض الأناس المنتظرين وهم يحملون أسماء مكتوبة على لوحات كرتونيّة بيضاء وجدت أحدهم يرتدي قميصاً أبيض من نصف كم ويحمل لوحة مكتوب عليها اسم زوجتي “ميشلين القزّي”. توجّهت نحوه مبتسماً وما ان اقتربت منه حتى أشرت له بأِصبعي نحو صدري. نظر أِليّ بتعجّب وقد عقد حاجبيه ثمّ سألني: هل انت اسمك “ميشلين”؟ أجبته مازحاً “نعم! ألا يبدو عليّ كذلك؟”

أوصلنا مندوب شركة الأيجار الى فندق “بورت أِيميليو” في منطقة الكسليك في مدينة جونية الساحلية. بعد أِنهاء التسجيل صعدنا مع حقائبنا الى الغرفة وكانت في الطابق السابع. فوجئت بأنها كانت بمثابة شُقّة من حيث وسعها وكانت تطلّ من الغرب على البحر من شباك غرفة النوم الفسيحة كما من باب واجهة الصالون الزجاجيّة والذي يؤدّي الى الشرفة بينما تطل عبر شباك السفرة الشرقي على منظر الجبل!

خرجت الى الشرفة لأسرّح نظري برؤية بحرٍ افتقدت منظره منذ عقود وكانت الشمس قد بدأت تحمرّ خجلاً بانتظار غوصها في الأفق ففرحت بمشهدٍ ألفته عيناي في صغري وحُرمتُ منه طوال غربتي! وما ان التفتُّ نحو الشاطئ القريب وبالأخص باتجاه نادي ال”آ تي سي إل” حتى فوجئت بأرضٍ واسعة تعكّر جمالها نتوءات ترابية متفرّقة مخلوطة ببعض البقايا الخرسانية وهي تدل على ان سائقي كميونات قاموا بتفريغ حمولات شاحناتهم بشكل مبعثر! دخلت من الشرفة وتوجهت نحو الشباك الشرقي وفتحت الستارة ونظرت نحو الجبل لأتفقّد منظر أحراج الصنوبر ففوجئت بمنظر المباني الخرسانيّة وقد طغت على الطبيعيّة وخطفت منها خضار الحياة!

أما السيارة التي استأجرتها فكانت من نوع “تيدا، نيسان” لونها رمادي ومن موديل السنة السابقة. رغم صغر حجمها الاّ انها وفت بالواجب. وقد قمت بزيارات متعددة وفق برنامجي أذكر منها رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ووزراء كل من الاقتصاد والسياحة والزراعة كما غرف التجارة والصناعة! وكنت بعد ظهر كل يوم أقوم بزيارة والديّ في مدينة عجلتون! ولدى عودتي مساءً الى الفندق كنت أُعرّج برفقة زوجتي من امام مطعمٍ فخم المظهر ذي واجهة رخاميّة جميلة مرصّعة بأِنارة مميّزة. كانت السيارات الكثيرة الفخامة مصطفّة أمامه وكان مجموعة من الشبّان الأنيقي الشكل والمظهر يرتدون سراويل وقمصان سوداء يعتنون بأِيقاف السيارات. قرّرت وزوجتي أن نقصد ذاك المكان في احدى الليالي لتناول العشاء.

ذات مساء عدنا باكراً الى الفندق. سألتُ زوجتي:” ما رأيكِ في ان نحتسي العشاء في ذاك المطعم؟” أجابت بالموافقة وسألتني:”أنأخذ السيارة؟” أجبتها ان لا داعي لذلك لأن المسافة قريبة!

خرجنا من باب الفندق وبعد أن تجاوزنا مساحة المرآب قطعنا الطريق الذي يمرّ امام الفندق وصعدنا طلعةً حادة تؤدّي الى جوار المكان المقصود. ما ان وصلنا حتى وجدنا المطعم على يميننا وكان ممرّ مشاة يفصل بينه وبين السيّارت الفخمة الموقوفة أمامه وكانت من انواع مختلفة “كبورش” و”لمبورجيني” و”مازيراتي” و”رانج روفر” وغيرها! قطعنا الممر ثمّ انحرفنا نحو المدخل. بان لنا اسم المطعم: “السنيور”. كان مليئاً بالزبائن. وما ان سأَلَنا مستخدمُ المطعم عما أِذا كنا نريد الجلوس في الداخل أم في الخارج أجبنا أننا نفضّل الباحة الخارجية. أشار لنا بالجلوس على الطاولة الوحيدة التي كانت خالية من الزبائن. كانت بلاستيكية بيضاء كما الكرسيّين اللذين جلسنا عليهما. ثمّ بادرنا بالسؤال:”أي نفَسْ تريدان؟”. سألت نفسي:”أي نفسْ؟ ماذا يقصد؟” ثم نظرت حولي وكان جميع الزبائن يدخنون الأراجيل والتي كانت مختلفة الشكل واللون وكان الكثير منها من التي كان رأسها أستعيض عنه بليمونة اوبطيخة مفرغة! فهمت ان المكان مخصَّص “لشرّيبة” الأرجيلة! أجبته أننا لا ندخن وأننا جئنا لتناول طعام العشاء فقط وكان وهج جمر الأراجيل المجاورة يطال قسماً من جسم كلٍّ منا! من لائحة الطعام المغلّفة ببلاستيك شفّاف والتي كانت بعض جمرات قد أكلت من رونقها أخترنا صحن شيش طاووق مع حُمُّص وفتّوش. ما ان حضر الأكل حتى تناولناه ثمّ طلبتُ الحساب وقمت بتسديد المبلغ.

ما أن مشينا بعض خطوات في ممر المدخل حتى اعترضني أحد مستخدمي الموقف وسألني: ” ما هي سيارتك يا أستاذ؟” وأِذ كنت قد أبقيت سيارتي مركونة في موقف الفندق، أجبته أنه لا توجد معي سيارة. مال رأسه نحو اليمين ورمقني بنظرة عطف وابتسم ابتسامة صفراويّة وقال:” أِيه! أنشالله بيصير عندك سيارة!”

علّمتني الأيام أن شعوبنا قد تُقيِّم الانسان أحياناً بغير الملبس والسيارة. في بداية سنة ١٩٧٨ كنت قد قمت بزيارة ماساشوستس في الولايات المتحدة الامريكية وذلك لزيارة أقاربي. في تلك الأيام كان من المتعارف عليه ان يتحلى المسافر بأفضل ملابسه لدى ركوب الطائرة! إلا اني قررت ان البس ثياباً عاديّة لدى عودتي خصوصاً بعد ان تبضّعت من أمريكا سراويل “جينز” وقمصاناً قطنية بمربعات ملوّنة تشبه تلك التي كان يرتديها رعاة البقر! ما ان وصلت الى مطار بيروت بعد سفرة طويلة مرهِقة لم يكن يبدو علي اي مظهرٍ لائق! خرجت وانا أجرّ حقيبتيّ وأصررت ان لا أسمح لأحد الحمالة من ان يحمل اياً من أمتعتي!

ولما خرجت من باب المطار أوقفت أحدى سيارات الأجرة. الاّ ان السائق ضرب لي التحيّة وبادرني :”أهلاً أستاذ! تفضّل أستاذ!” وانا أنظر الى شكلي وأتساءل:”من أين رأى الأستذة؟” أصرَّ على أن يُحمِّل بنفسه الحقائب في الصندوق وصعد وراء المقود ونظر أليّ وقال:” شوف يا أستاذ! نحنا بنعرف الزبون من شنطه!” (وفطنتُ أني كنت أجرّ حقيبتين من ماركة “سمسونايت”)

قياسي

تقييم المرء حسب السيّارة التي يقودها

IMG_2723

كنت حديث العهد في مدينة مونتريال عندما دعاني مع عائلتي أحد الأصدقاء الى حفلِ مشاوٍ أقامه حول مسبح منزله فى أِحدى الأحياء الراقية من المدينة. كانت الطريق المؤدية الى المنزل تزينها أشجار كبيرة مصطفّة على طرفي الشارع وكانت تخفي بأغصانها بعضاً من معالم المساكن الفخمة التي كانت تتراءى لنا عبر زجاج السيارة!

كنت أقود “بلايموث” أمريكيّة كانت ما تزال تحمل لوحة ولاية “فلوريدا” حيث قمت بالاستحصال عليها من نحو سنة خلت. وأِن لم تكن جديدة الاّ انها كانت مريحة وتفي الحاجة. كان لونها أزرقَ معدنيّاً فاتحاً الاّ انه بهت مع الزمن تحت وطأة الشمس! أما فرشُ مقاعدها فكان أزرقَ يتماشى مع الطلاء الخارجي وكان كلٌّ من المقعدين الأمامي والخلفي يتّسع لثلاثة ركاب!

ما ان وصلنا الى جوار المنزل المقصود حتى تراءى لنا وجود العديد من السيارات الفخمة المصطفّة أِمّا بجانب الأرصفة أو على الدرب النصف دائري الذي كان يشكّل جزءاً من الحديقة الأمامية وسط الأزهار المزروعة بعناية وتنسيق حسب أنواعها وألوانها.

بعد إيقاف السيارة على مسافة من البيت دخلنا الحديقة من باب السور الخشبي الموجود على يسار المبنى. كانت باحتها وسيعة إذا ما قارنّاها بحدائق المنازل المجاورة وكانت منصّة مستطيلة ومبلّطة ومسقوفة بسقف خشبي جميل من الناحية اليسرى تواجه المسبح الذي كان موجوداً من الناحية اليمنى. قام صاحب البيت وزوجته باستقبالنا وتعريفنا على المدعوّين والذين كانوا يجلسون موزعين بشكل مجموعات صغيرة وكان عددهم يزيد على الثلاثين شخصاً. كان الكثير من الموجودين قد أثروا في بلاد الشرق الأوسط وقد انتقوا مونتريال في آخر المطاف كمدينة للتمركز والعيش فيها.

جلست على كرسي بلاستيكي بجانب أحد المعازيم. كان يرتدي قبّعة من القشّ إيطالية الشكل ويضع نظارات شمسيّة على عينيه وهو ممتلئ البنية، يلبس قميصاً مبرقعاً من لون نيليّ ذَا أكمام قصيرة وقد ترك الأزرار العليا مفتوحة لتظهر شعر صدره والسلسة الذهبية التي يعلّقها في رقبته. وبابتسامة لطيفة كان يحرك يده اليمنى كلّما تكلّم بينما يده اليسرى مرفوعة بعض الشيء وهي تحمل ساعة الرولكس الذهبيّة على المعصم وسيجاراً كوبياً بين الأصابع. بادرني بسؤالٍ عن تاريخ وصولي الى المدينة ومن أين أتيت! بعد أِجابتي استطرد سائلاً:”ما هو نوع السيارة التي تقودها؟”

فوجئت بسؤاله! لِمَ يسأل عن نوع السيارة؟ شعرت ببعضٍ من الأِحباط! أهكذا يُقيَّم الانسان، من موديل سيّارته؟

عادت بي الذكريات الى ماضٍ خلا. وبالتحديد الى سنة ١٩٧٣ حيث كنت فيها قد انتخبت رئيساً لرابطة طلاّب الكلية العليا للهندسة في بيروت والتي كانت قسماً من الجامعة اليسوعيّة.

جرت العادة أن يُنظٌم الطلاّب سنوياً حفلاً راقصاً في أحد الفنادق الفخمة من العاصمة بيروت. وإذ كنّا نريد ان ننظم سهرة لم يسبق لها مثيل، قرّرت مع مجلس الطلاب أِقامتها في كازينو لبنان والذي كان قبلة الأماكن الفخمة في الشرق الأوسط. لدى زيارة الموقع قمنا بتفحّص صالة السفراء وهي اكبر صالة للحفلات لدى الكازينو. كان سقفها المرتفع ومقاساتها والديكورات الخشبيّة والالوان تعطيها رونقاً خاصاً. بعد التفاوض مع الأِدارة ودراسة التفاصيل وقّعت عقداً باستئجار الصالة لأِجراء الحفلة بتاريخ العاشر من آذار (مارس) من تلك السنة.

دعوت الوزير الأسبق الراحل بيار حلو ليكون راعياً للحفلة. كان لا بد من تذليل بعض العقبات الصغيرة أهمها بروتوكول طاولة الشرف التي تضمّ الوزير الأسبق الراحل جوزيف نجّار والذي كان أستاذاً في الكليّة، وعميد الكليّة الأب”جرفانيون” الفرنسي والذي قد أطلق عليه الطلاب لقب”١٠:١٠ ” للطريقة التي كان يحرّك فيها رجليه عندما يمشي ، الى نقيب المهندسين حينذاك ريمون روفايل والى من أكّد حضوره من زوجاتهم!

نهار الحفل قصدت ان أكون في الكازينو بنحو ساعتين قبل الموعد لأتأكّد من أن كل شيء سيتم على أكمل وجه. كنت قد كلّفت فتاتين من تلميذات الجامعة بتوزيع وردة على كل سيدة تدخل القاعة.

كنت أرتدي بدلةً من الجوخ الناعم الرمادي المقلّم بأزياح ناعمة من لون غامق وقد قمت بتفصيلها لدى خياطٍ ماهر في بناية الستاركو في بيروت. لمّا كنت ألبس ذاك الطقم بالأِضافة الى القميص الناصع البياض والذي قمت بخياطته لدى محلاّت”بلاّن” وعقدة العنق المصنوعة من الحرير الملوّن والحذاء الجلدي الاسود، كنت أخال من ينظر أِليّ أنّه يحسبني أحد المشاهير!

كنت أقود سيارة فولكس ڤاكن شكلها يسمّى بالخنفساء. كان لها من الخدمة نحو من ست سنوات. كان لونها أزرق سماوي. لم تكن مجهّزة بجهاز راديو وكنت أغني طوال الطريق لأسلّي نفسي ولم يكن ينزعج أحد من صوتي لأني كنت لوحدي في معظم الأوقات! أما أِذا صدف وجود أحدهم برفقتي فكان صوت المحرّك يطغي على رداءة صوتي!

لما وصلت الى الكازينو كان الموقف خالياً من السيارات. لم أرد أن أوقف سيارتي أمام المدخل بل بعدْتُ نحواً من خمسين متراً مبتعداً عن المدخل. نزلت من السيارة، أقفلت الباب وتوجهت نحو المدخل وأنا مزهوٌ بنفسي. ما أن اقتربت بضع خطوات الى ان أقترب مني احد مستخدمي الموقف وكان يرتدي كرفاقِهِ سترة رمادية مع قبّة من الساتان اللميع وذلك فوق سروال اسود وقبعة صغيرة. قال لي بتهذيب وهو يشير بيده اليمنى باتجاه زاوية الموقف:”لو سمحت! لبعيد!”

عدت الى السيارة وفتحت الباب وادرت المحرك وأبعدت سيارتي مسافة لا بأس فيها. نزلت وأقفلت الباب وما ان بدأت بالمشي باتجاه المدخل حتى سمعت صفيراً من ناحية المدخل! كان الموظّف عينه! أنزل يده عن شفتيه وصرخ لي من بعيد وهو يومئ بكلتي ذراعيه وكأنه يشير الى طائرة تسير على المدرج: “على الآخر! على الآخر!…”

عدت الى السيارة وقدتها الى الطرف الأبعد من الموقف الكبير ثم عدت مشياً لأقطع المسافة التي طالت كثيراً نحو المدخل الرئيسي وكان كتفاي قد هبطا نحو الأسفل وقوقعت استقامة ظهري…

لما خرجت بعد الأِحتفال كان مستخدمو الموقف بانتظاري وقد عرفوا أني كنت من نظّم الأِحتفال فضربوا لي التحية وأسرع أحدهم نحوي وأخذ مني المفاتيح وأصرّ على أن يُحضر السيارة بنفسه!

وللقصّة تتمّة…

قياسي

فيلم أجنبي في صيدا

 

كانت صالات السينما في المناطق المهمّة من العاصمة بيروت تتّسع لعدد كبير من الروّاد وبالأخص ما كان يتواجد منها في منطقة البرج او في منطقة الحمراء! واذكر ان أكبرها كانت صالة “الكابيتول” التي كانت تتّسع لأكثر من ألفي مشاهد والتي كانت على ساحة رياض الصلح وتثنيها صالة “بيبلوس” القريبة من صالة “ريفولي” في منطقة البرج!

أما صالات السينما في صيدا فكنت لا أقصدها ولا أعرف عنها الكثير بالرغم من قرب المدينة من منزلنا الصيفي والذي اصبح بعد سنين مركز إقامتنا الدائم. أما أخي صلاح فكان يتردّد على تلك الصالات من وقت لآخر برفقة بعضٍ من أبناء عمّنا!

في أحدى الأمسيات التي كانوا قد قصدوا فيها أحدى دور السينما، كنت جالساً في حديقة المنزل تحت الصنوبرة بين الأنوار الخافتة المُوَزّعة أستمع الى بعض الموسيقى المنبعثة من راديو ترانزستور. وإذ بسيارة بيضاء تصل الى ساحة المنزل ويترجّل منها شاب أشقر الشعر، نحيل القامة ويرتدي نظارات! عرفته لانه كانت تربطه صداقة بابن عمي هاني مذ كان معه على مقاعد الدراسة في “الآي سي” وكان من عائلة “يونس”. سألني:”أين هاني؟” أجبته:” في السينما مع أخي وابن عمي نديم وسيعودون بعد انتهاء العرض” أجابني:” لا أستطيع الانتظار وقد جئت خصيصاً من بيروت لأراه! هيا بِنَا الى صيدا لنبحث عنه!”

وصلنا الى شارع رياض الصلح وكانت السيارة الصغيرة التي استقلّوها، وهي من نوع “داتسون” رماديّة اللون، متوقّفة بجانب الرصيف بين صالتي هيلتون وشهرزاد. واذ لم أكن اعرف اسم الفلم الذي قصدوه، دخلت أولاً الى سينما “شهرزاد” وتوجّهت نحو شباك التذاكر وقلت للموظف ان ابن عمي يحضر الفلم وأريده لامرٍ هام. كنت أظن انه سيناديه عبر مكبر الصوت الاّ انه قال لي:” ادخل الصالة وصِح له.”

وإذ لم أكن أدري ما إذا كانوا يجلسون في قسم الصالة أم في مقصورة البلكون، دخلت القسم السفلي وتوجّهت نحو الشاشة وبعد ان درت على نفسي باتجاه الوراء أخذت انظر الى الوجوه. ومع تلاعب قوة الانارة حسب انعكاس المشهد أخذت أحدّق ملياً ولكن لم يكن بإمكاني معرفة ايٍ من الحضور.

بعد محاولتين من التقدم والرجوع دون جدوى كان لا بد من الصياح! كنت مرتبكاً للغاية فصرخت مكوّزا كلتي يديّ:”هاني!” وإذ بي اسمع صوتاً بين الحضور يجيب:”يالله طالع!” خرجت وانتظرت الاّ ان أحداً لم يخرج. أعدت الكرَّة وبدل الإجابة الواحدة حظيت ببضع اجابات وبعضها يقول:”يالله طالع ليخلص الفلم!” وذلك باللكنة الصيداوية.

حِينَئِذٍ عرفت ان الروّاد كانوا قد اعتادوا على هكذا مواقف وكانوا يجيبون بهذا الشكل عن سبيل المداعبة! بعد تكرار المناداة في البلكون ومن ثم في السينما الثانية وجدت ابن عمّي وعدنا ادراجنا!

جرت العادة انه قبل ان يبدأ عرض الفلم كان المشاهدون يستمتعون بحضور نشرة مصوّرة أِخباريّة تستغرق نحواً من ربع ساعة. كانت المشاهد في البدء تُعرض باللون الأبيض والاسود الى ان أصبحت بالالوان فيما بعد. وكان ذاك الاستعراض المصوّر مهماً في تلك الأيام نظراً لعدم توفّر اجهزة التلفزة في كل المنازل!

سنة ١٩٧٩ صدر فيلم “ذي غريك تيكون” (The Greek Tycoon)وهو الفلم الذي كان يحكي قصة الملياردير اليوناني “أرسطو أوناسيس” بالحقبة التي تزوّج فيها”بجاكلين كندي” زوجة الرئيس الراحل “جون ف. كندي”. كان الممثل “أنطوني كوين” من اقتبس شخصية “أوناسيس” بينما لعبت الممثّلة الفرنسية الجذّابة “جاكلين بيسّيت” دور “جاكلين كندي”! كان الفلم قد لقي ضجّةً عالمية وكان قد وصل الى مدينة صيدا وكان يلعب في سينما شهرزاد!

كان ذلك في اليوم الرابع لعيد الأضحى! ومن لم يعرف كيف تتحلّى صيدا في أيام العيد فهو ينقصه الكثير من المعرفة! فالساحات الفارغة على مدخل المدينة تمتلئ بما يشبه مدن ملاهي مصغّرة وبأعداد كبيرة من المراجيح! أما معالم الزينة فتظهر بشكل حبال ورقية ملوّنة تزهو في الأجواء ويداعب شراشيبها الهواء عاديك عن السلاسل الطويلة من لمبات الأِنارة المعلّقة في الأجواء والتي تعطي المدينة رونقاً لا مثيل له! اما في آخر أيام العيد فتكتظّ الشوارع بالناس والأطفال والباعة المتجوّلين!

بعد ان توصّلت بصعوبة لأِيجاد مكانٍ لأِيقاف سيارتي اتجهت مشياً بين جماهير الناس نحو سينما شهرزاد. كان المدخل يغصُّ بمن قدم لحضور الفلم. اشتريت لنفسي بطاقة وصعدت الدرج نحو صالة البلكون. كانت الصالة ملأى بالحضور واسترعى انتباهي وجود عدد غير عادي من النساء التي ترتدي الأثواب الملونة الطويلة وكن يلبسن على رؤوسهنّ خمارات تتناسب الوانها مع الثياب. فكرت انه بسبب الشهرة التى لاقاها الفلم قرّر الكثير من الرجال اصطحاب نسائهم وزوجاتهم لحضوره.

بعد المقطع الاخباري بدأ عرض الفلم. كان باللغة الأصلية الإنكليزيّة مع ترجمة باللغتين العربية والفرنسية بأسفل الصورة. ما ان بدأت المشاهد حتى سمعت في آنٍ معاً أصوات الرجال يقرأون بصوت مرتفع الترجمة النحوية التي تنساب على أسفل الشاشة مع كل مقطع! كانت الأصوات عالية لدرجة انه لم يكن بمقدوري سماع اي من الكلام باللغة الأصلية! وهكذا بقيت ضائعاً بين متابعة النص، والاصوات والمشاهد!

فهمت فيما بعد ان الكثير من النساء الكهلات كن لا يحسنَّ القراءة بالسرعة المطلوبة لمتابعة الموضوع لذا فَطِنَّ فاستحضرنَ رجالهنَّ للمساعدة!

 

قياسي

قصص هدوم نسائيّة

IMG_2694

لما كنت صغيراً
لم أكن بعد قد وصلت الى الخامسة من عمري عندما اصطحبتني والدتي للتسوّق في أسواق اللعازارية القريبة من مسكننا. في تلك الحقبة من الزمن كان والدي قد أوفدته وزارة الماليّة للتخصّص في باريس بالأمور الضريبيّة.

ما ان قطعنا شارع الامير أمين حتى أصبحنا على الرصيف العريض لمبنى اللعازارية المغطّى بالطوابق العليا اذ كانت واجهة المحلات على تراجع من العواميد المربعة الشكل والصفراء اللون والتى كانت تحمل المبنى من ناحية الطريق.

دخلت مع والدتي الى احد محلات “النوفوتيه” حيث أخذت تتفقّد ما كان معروضاً من ألبسة نسائيّة. كان صاحب المحل في العقد الرابع من العمر، معتدل القامة، بشرته مائلة الى البياض الممزوج ببعض الاحمرار على خدّيه، له عينان عسليّتان كبيرتان وشعره مائل للشقار مع بعض التجاعيد التى كانت تظهر من خلال تسريحه له نحو الوراء!

سألته والدتي عمّا كان قد ورده حديثاً من موديلات. كان يقف وراء منضدة يكاد رأسي يصل الى حافتها لصغر سِنّي! نظر اليها ثم سحب من على رفٍ وراءه قطعة سوداء ناعمة الملمس وفلشها أمامها. قال لها: هذه القطعة وصلتنا لتوّه من أوروبا وهي عبارة عن بنطلون نسائي وهذه آخر موضة وقد لاقت استحساناً ورواجاً كبيرين في بلاد الغرب! سألته والدتي: “بنطلون للنساء؟ أأنت متأكّد؟” ولم تكن النساء حينذاك يرتدين بنطلونات بعد !

وضعت والدتي يدها على كتفي وتطلّعت نحوي وسألتني بصوتٍ ناعم: “ما رأيك يا بشير ان اشتريت لنفسي بنطلوناً؟” وبسرعة البرق لبطّت رجلي في الارض وصرختُ بانفعال شديد قائلاً:”سأُنتّفهُ وأقطّعه أِرباً!” عندئذٍ توجّهت بنظري نحو البائع فوجدته قد انفرجت أساريره واغرورقت عيناه ثم تقدّم نحوي وقرفص ليكون على مستواي وضمّني الى صدره وأخذ يرتّب على كتفيّ بكلتيّ يديه ويتمتم كلمات فرح! من البديهي انه كان ضد فكرة ارتداء البنطلونات لدى النساء وان كانت من مبيعاته! ولشدة إعجابه بموقفي قام باهدائي قميصاً لا أنسى لونه ونقشة المربعات المرسومة عليه ثم البسني أياه للتأكد من انه على مقاسي وأسرّ في جيبه ليرة لفّها بشكلٍ دائري!

محلات جننجي
كانت محلات “جننجي” في بيروت في محلّة “باب ادريس” من أهم الأماكن المعروفة والمقصودة في منطقة الشرق الأوسط للتبضّع بمنتجات الفرو الثمينة. وكانت صداقة قديمة تربط والدي مع تلك العائلة المؤلفة من ثلاثة اخوان لم يتزوّج أي منهم! لدى ولادتي قاموا بأِهدائي حراماً من الفرو الثمين لم ألتحف به يوماً! المؤسف انه في بداية الحرب الأهلية في لبنان قضى الثلاثة نحبهم في قتال نتج عن سوء تفاهم حيث ظنّ الإخوة ان المسلحين الذين يجوبون شارعهم إنما هم سَرَقة بينما تخيّل للمسلّحين ان من يقاومهم هم من القوات المناوئة لهم! وما ان دخلوا المبنى حتى فوجئوا بالمستودعات المبرّدة التي كانت تحوي القطع التي أراد أهلها حفظها من العثّ خلال الأيام الحارة فنهبوا كل الموجودات!

اما ما حدث أمامي فكان قبل تلك الأحداث المشؤومة. طلبت مني والدتي ان أقصد محلات “جننجي” لاستحضار معطفها “الفيزون” والذي كانت تحفظه لديهم في خلال الأيام الحارة من كل موسم وذاك مذ أهداها إياه والدي في اول سنة لزواجهما. ما ان دخلت الباب الزجاجي الذي كان يتوسّط واجهة فيها بعض معروضات الفرو حتى توجهت نحو احد الموظفين. طلب مني التريث بضع دقائق ريثما يحضرون مطلبي من الداخل!

بينما كنت انتظر استرعى انتباهي وجود رجل وامرأة يقفان جنباً الى جنب ويتحدثان مع أحد الباعة. كان كونتوار عرض زجاجي يفصل بينهم. كانت السيدة ترغب بشراء معطف من فرو “الفيزون”. في تلك الأيام لم تكن قد هبّت بعد هستيريا المدافعة عن ارواح الحيوانات وكان الدفاع يقتصر على الدفاع عن الانسان!

بينما ذهب البائع لإحضار الموديلات المختلفة أخذت انظر بتمعّنٍ الى الزوجين الواقفين أمامي. كان الرجل في العقد الثامن من العمر، طويل القامة، منحني الظهر قليلاً، له كرش وجاهة، ابيض البشرة، شيبته تدل على عمره، جبينه عريض ويرتفع من اليمين ومن اليسار، أنفه بارز ويحتضن بجدارة نظارات دائرية العدسات ضمن إطار بنّي. كان يلبس طقماً مكوّناً من ثلاث قطع لونه بني فاتح وفيه بعض التقليمات وكانت سلسلة ذهبية تتدلّى من جيبة سترته. أما زوجته فلم تكن تصغره بكثير. كانت قصيرة القامة، نحيلة الجسم معكوفة البنية، وقد شدّت شعرها لتعقده بشكل كعكة مستديرة في مؤخّرة رأسها. وكانت ترتدي معطفاً من الجوخ الخشن والمونّس الألوان !

عاد البائع حاملاً ثلاثة قطع قاتمة اللون وفلشها على الطاولة ثم بدأ يشرح: هذا المعطف فروته ناعمة وقليلة اللمعان. اما الثاني فوبرته أخشن ولمعانه أكثر، بينما الأخير فوبره منتصب وكثير اللمعان. هنا سألت زوجها قائلة: ما رأيك يا “طوبي”. أجابها : “متل ما بدّك حبيبتي!”

عندئذٍ أمسكت بالاول وقالت:”ألا ترى يا “طوبي” ان هذا المعطف أقل شياكةً من الآخرين؟ الا ترى ان هذا الذي في الوسط بلماعة فروته اكثر شياكة؟” ثم تحولت نحو الثالث وقالت: “الا ترى ان هذا الذي يلمع كثيراً هو أشيكهم وأجملهم؟” وكان “طوبي” يجيب بإيماءاة من راْسه حتى لا يردد “متل ما بدّك حبيبتي”!

عندئذٍ تطلٌعت نحو البائع وقالت: “هذا هو الذي أعجبني! ما هي الأسعار؟”. أجابها ان الذي أعجبها سعره ٦٠٠٠ بينما الذي كان في الوسط ٧٠٠٠ اما الذي لم يحظَ بإعجابها فكان سعره ٨٠٠٠

بعد تلك المفاجأة سألت “طوبي” عن رأيه فأجاب متمتماً بإيماءة الاستسلام عينها! ثم قالت سائلةً: “صحيح يا “طوبي” أعجبني هذا المعطف، إنما انظر، الا ترى ان هذا الذي في الوسط أجمل بالنسبة لعمري؟” ثم قالت: “تعرف يا “طوبي”، هذا الأخير لم انتبه له كثيراً من قبل ، ضع يدك عليه ، المسه، الا ترى انه بالفعل أشيك الثلاثة؟”

بالنهاية قررت السيدة ان تشتري الاغلى ثمناً!

قياسي

ذكريات داموريّة

IMG_2679خلال سني طفولتي كنت في قمة السعادة عندما كنت امضي بضعة ايام عند جدّتي “زهيّة” في بلدة الدامور! بعد زيارتها لنا في بيروت كانت تصطحبني ونستقلّ إحدى سيارات الأجرة من موقف الدامور والذي كان يقع امام مدرسة مارمنصور القريبة من منزلنا وعلى الشارع المتفرّع من شارع سوريا. لم تكن تلك السيارات من نوع مرسيدس ١٨٠ كغيرها بل كانت أمريكيّة الصنع موديل “ستايشن” ماركة “ديزوتو” او “شفروليه”. من الخارج كان اللون الأبيض يُغطّي بعضاً من جوانبها وسطحها بينما اللون الغالب قد يكون أخضر أو أحمر او غير ذلك من الألوان. أما المقاعد فكانت بلاستيكيّة التغليف بألوان تتماشى مع ألوان السيارة وكانت بعض الشقوق قد بدأت تظهر على الفرش بسبب كثرة الاستعمال! كان الركاب يضعون أكياسهم الكبيرة في الصندوق ويجلسون في المقاعد بانتظار اكتمال العدد لانطلاق السيارة. وكانت الرحلة تبدأ بسلوك شارع بشارة الخوري مروراً بالشيّاح والشويفات عبر طريق صيدا القديم حتى نبلغ بلدة الدامور فيقوم السائق بأِنزال كل راكب امام باب داره.

ما كنّا نصل الى جوار السنديانة الكبيرة المعمِّرة بالقرب من مبنى المحكمة القديم حتى ننعطف نحو اليمين وندخل زقاقاً يتّسع لمرور سيّارة واحدة مع بعض المتّسعات التي تُمَكِّن من إركان سيارة من ناحية واحدة فقط. عند المرور أمام منشرة “إبن غنيمة” عن اليسار كنّا نسمع صوت المنشار العمودي وهو يلعلع وكان يبدو واضحاً من باب المدخل العريض! لا يمكنني ان أنسى صاحب المنشرة الذي كان يُفصِّل لي سيفاً خشبياً من لوح معاكس! وبعد قطع مسافة لا تزيد عن مئة متر بين المنازل المبنية من الصخر الطبيعي والمزروعة على طرفي الطريق كنّا نصل الى منزل جدّتي فتتوقف السيارة ونترجّل ونتّجه نحو مدخل الحديقة على يسار الطريق.

كان نصف السور الأمامي مبنيّاً من الحجر الطبيعي بينما كان النصف العلوي من الحديد المطاوع المشغول والمطلي باللون الاسود من قضبان مصنّعة على شكل حراب ومصطفّة بوضعٍ عمودي تجمع بينها مبسّطات حديديّة ملويّة بأشكال فنية. في وسط السور بوابة حديدية من نفس التصميم ولها مصراعان يفتح احدهما بقفلٍ له مزلاج وكان بالإمكان فتحه من الخارج بتسليل اليد عبر القضبان الحديدية. وكانت الياسمينة المزروعة وراء السور تخفي بعضاً من معالم البيت الذي تمّ بناؤه في بداية القرن العشرين.

كان المنزل يأخذ كامل مساحة العقار من ناحية العرض فيما عدا ما كان وراء الكراج والذي تمت إضافته في وقت لاحق والذي كان يمتد من السور حتى زاوية المنزل وكان ملتصقاً بعقار أخِ جدّتي عزيزعون!

كان الممر الذي يقسم الحديقة الى قسمين والمبلّط ببلاط رمادي يزداد عرضاً ما ان يقترب من المنزل ليصبح باحة عريضة تستعمل للجلوس في أوقات العصر والمساء. وكانت تظهر معالم واجهة البيت المبنيّة بالحجر المنقوش الأبيض والتي كان يُكلّلها سقف قرميد أحمر كما ان الشبابيك الخشبية العالية الإرتفاع والموزّعة بتوازن من ناحيتي باب المدخل القديم والمصنوعة من الخشب القطراني كانت تشعُّ برونقها الفريد وبالأخص بوجود دُرف “الأباجور” الخارجية والتي باخ لونها مع الزمن دون ان تعكّر جمالها عوامل الطبيعة!

أما عن قسمي الحديقة فكانت شجرة صنوبر عمرها يُعدُّ بالعقود تتوسَّط القسم الأيسر بينما شجرة ليمون كانت قد زُرعت في القسم الأيمن بالقرب من بركة الحديقة المثمّنة الأضلاع والتي كانت مالسة الجوانب وتتوسطها نافورة مياه ترش ماءها عبر ثقوب في رأسها المستدير بينما كانت بضع سمكات حمراء تسبح في مياه قاعها. ولي ذكريات مع تلك البركة حيث كانت تغطُّ على حافتها حشرات اليعسوب وذات الألوان الحمراء والارجوانية والتي تشبه بجسمها وجوانحها طائرة الهليكوبتر المروحيّة! كنت أنجح أحياناً بالتقاط إحداها بإمساكها من ذنبها الرفيع عندما تحطّ على الحافة.

كانت الحديقة ملأى بالأزهار المتنوّعة منها الورد الجوري والقرنفل وتم السمكة والزنبق كما المرجان والذي كانت أزهاره بشكل أبواق رفيعة حمراء! أما رائعة الحديقة فكانت في وجود شجرتين لم أرَ مثيلتيهما في حياتي! كانتا شجرتي ورد بلون ابيض مكسور نميتا كلٌّ من ناحية من الجنينة حتى بلغ علوها ما يوازي الثلاثة أمتار وكان جزع كل واحدة يوازي جزع شجرة عادية بذاك الحجم! وكان جدّي قد أعلمني انه نجح عبر تقليم مستمر للأضلاع بان يجعل كل الخصوبة تنمو عبر جزع واحد!

ما ان تدخل المنزل حتى ينفتح قلبك مع نظرك على صالة كبيرة سقفها عالٍ يدخلها النور من ناحيتين: عبر شبابيك الواجهة الشرقية كما عبر شبابيك الواجهة الغربيّة التي تحتضن باب المدخل. كما كان يدخل بعض النور عبر أبواب غرفتي النوم الموجودتين عن يمين القاعة. كما يأتي بعض الضوء الضئيل عبر بابي الصالون الرسمي وغرفة الطعام الموجودين على اليسار. كان الديكور مزيجاً من التقليدي و”الآرت ديكو” بما في ذلك الفرش الخشبي والمنجّد بقماش يحوي الكثير من الأخضر في ألوان قماشاته، والثريّات ذوات القناديل الزجاجية المزخرفة والمزيّنة بسلاسل الكريستال، وذلك دون ان ننسى البرادي والسجاد العجمي والصور التذكارية الكبيرة!

للوصول الى دورة المياه كان لا محالة من المرور عبر غرفة الطعام ثم صعود درجتين واجتياز المطبخ وعبور ممر امام غرفة الغسيل! كان المرحاض من النوع الإفرنجي ولم تكن قد درجت بعد موضة استعمال ورق التواليت بل كان يستعاض عن ذلك بتمزيق ورق الصحف بشكل مربعات وإحداث ثقبٍ في الرزمة لتعليقها برأس شنكل حديدي معكوف على شكل صنّارة ومثبّت على الحائط بواسطة لوح صغير من الخشب! وكان من الممكن ان يستمتع الجالس لقضاء حاجته بقراءة بعض ما عُلّق على الشنكل!

كان لغرفة جدّتي وجدّي شبّاكان اثنان، الأول من الغرب والثاني من الجنوب. وكان الفرش من نوع الموبيليا الخشبيّة التي تلمع وكان لكلٍ منهما سريره وكومودينته وكانت خزانة كبيرة من نفس الخشب تزين الحائط كما كانت توجد خزانة التسريح والتزيّن مع مرآتها الكبيرة على يمين باب الغرفة. وكان الملفت للنظر وجود عدد كبير من حناجير نيليّة اللون وبغطاءات كروميّة وبأحجام مختلفة صُفّت بالتدريج وكانت كلّها من نوع “سوار دي پاري ” Soir de Paris

كان جدّي معتدل القامة، ابيض البشرة، نحيل الجسم، شعر رأسه خفيف ويسرّحه من اليمين الى اليسار. كان قليل الكلام، يأكل القليل ولا يحب اكل اللحم اذ كان يفتح وسط الكوساية المحشية لانتقاء فرمات اللحم ووضعها على جانب الصحن. لم أرَه غاضباً يوماً! واذ كان يأوي الى فراشه باكراً كان إذا رضي عنّي يبتسم ثم يفتح درفة الخزانة الخاصة به ثم يسحب من رقبته خيط مصّيص كان قد علّق فيه مفتاحاً من النوع القديم ثم يفتح الدرج الأعلى في وسط الخزانة ويخرج علبة كرتونيّة مربّعة عليها رسومات وكتابات بلون أحمر ثم يفتح غطاءها ويقدمها نحوي لأنتقي منها حبّة من “راحة الحلقوم”.

كان خالي آمال ينام في الغرفة الموازية لغرفة جدّتي وجدّي. اذكر في تلك الغرفة السرير النحاسي وروزنامة معلّقة على الحائط المواجه تحوي جمالات نساء العالم حسب بلادهنّ وكان كل شهر يحوي صورة فتاة جميلة من قطر مختلف ترتدي زي بلادها وأذكر منها الحُسْنَ الفارسي!

اما انا فكنت انام على صوفا مغطاة بسجادة أعجمية كانت تحت الشباك على يسار باب المدخل. كانت جدّتي تستعملها للقيلولة او للنظر من الشباك على من كان يمر في الشارع. لم تكن تزعجني رائحة الفساء التي كانت تنضح من السجادة التي كانت تحت الشرشف الذي كنت انام عليه. وقد ينزعج بعض القرّاء اذا قلت اني حتى يومنا هذا ما ان اشتمّ رائحة كولونيا “شانيل 5” فإني اعود بذاكرتي الى تلك الصوفا! وكنت أراقب من موقعي جدي وجدتي يحضران برنامج “ابو ملحم” مساء كل ثلاثاء على تلفزيون “جراندك” الذي كانت تقوم الخادمة بتقريب خزانته حتى مدخل الغرفة!

وللموضوع تتمّة…

قياسي

رد على تعليق المهندس محمود غربي

IMG_2666وصلني التعليق التالي من المهندس

محمود غربي على مقال “وقعة غير منتظرة مع المطاوعة”:
“”ليش ما تصير مسلم؟” اعجبني سؤاله واعجبني أدبك في الرد “انشالله بنصير”. انا استاذ بشير مسلم قرأت بعضاً من كتاباتك قبل يوم فقط اعجبتني انا مهندس مثلك لكن تمنيت انك في يوم من الايام ان تكون مسلما على الرغم من انه لا معرفة لي بك الا من خلال ما قرأت من كتاباتك”.

أخي العزيز محمود،
أشكرك جزيل الشكر على مداخلتك من خلال التعليق الذي أوردته على صفحتي الالكترونية ويطيب لي أن أخصّك بما يلي:

• إختيار المذهب
الأكثريّة الساحقة من الناس لم تختر مذهبها لأنها آلت الى نفس الدين الذي كان قد اعتنقه آباؤها وأجدادها. فأنت ولدت من عائلةٍ مسلمة بينما انا ولدت من عائلة مسيحيّة. وقلائل هم الذين تجرأوا على تغيير انتمائهم الطائفي وأما اذا فعلوا فالدافع في أغلب الأحيان لم يكن الاّ لأسباب لا تمتُّ للإيمان بِصِلة!

• المظهر الديني
ألا توافقني يا صديقي على ان الكثيرين ممّن يتبوؤون المناصب الدينية او من الذين يتقدّمون صفوف المصلّين إنما هم بالحقيقة ابعد الناس عن الدين لأنهم تنصّبوا من خلال أفعالٍ مخزية أو أثروا بطرقٍ ملتوية؟ قد نجد أحياناً اصحاب لحىً وعمائم متزيّنين بأثواب فضفاضة بينما هم في أفعالهم من دينهم براء؟ كم وجدت في حياتي مسيحيّين اكثر إسلاماً في خُلقهم من الكثير من المسلمين وكما صدفت مسلمين أصدقَ مسيحيّةً في تعاملهم من الكثير من المسيحيين!

• تداعيات الأديان
هل الأحداث التي وقعت في شرقنا الحبيب تدفعنا الى ان نطلب المزيد من التعصُّب للاديان؟ أما كان تشريد الملايين باسم الدين من منازلهم وأرزاقهم وقتل مئات الألوف من الأبرياء رادعاً كافياً لكي نقف عند حدٍّ ونعيد النظر في معتقداتنا الروحية؟ أرجو منك يا صديقي أن تقرأ ثلاثة نصوص كنت قد دوّنتها على صفحتي: “الله والعباد” و “يا إلهي… أغفر لي صلواتي” و”واعتباه…”

• خلاصة
نشأت في صغري في بيئة مُختلطة بين مسلمين ومسيحيين وتأثرت كثيراً بالأخلاقيات والتربية التي تلقّيتها لمجرّد اختلاطي بهذين العالمين وانا مدين لما اكتسبته وفخور به!

وقد يكون ثواب من عمل الخيّرات في دنياه أعظم من الذي أشهر دينه وتباهى بصلواته وتجاهر بالنادر من المساعدة التي تحنّن بها على ذوي الحاجة، والله أعلم!

قياسي

في هذا العيد، الى الذين

IMG_1806.JPG

 

الى الذين لا تنفعهم الهدايا…
الى الذين لا يعزّيهم الكلام…
الى الذين شرّدهم الاشرار…
الى الذين بُتر بعضٌ من أعضاء جسدهم…
الى الذين انتُهكت اعراضهم …
الى الذين سُبيت أرزاقهم…
الى الذين فقدوا مأواهم وفراشهم…
الى الذين ضاقت بهم ذرعاً أمور الحياة…
الى الذين أعوزتهم الحروب وأضحوا يشحذون قوت يومهم…
الي الذين باتوا يتلحّفون السماء في البرد القارس…
الى الذين لم تروِ أغاني العيد ظمأهم…
الى الذين خسروا أعزَّالناس لديهم وأقربهم…
الى الذين يتفرّجون بِغصّة على غيرهم يفرحون…
الى الذين أضناهم المرض…
الى الذين أقعدهم العمر…
الى الذين لم تجدِ صلواتهم…

أبقوا مكاناً للحب في قلوبكم ولا تفقدوا الأمل فدونه لا طعم للحياة!

 

قياسي

لمن لم تصله تمنّياتي بمناسبة عيد الميلاد

IMG_1972

بمناسبة هذه الأعياد الكريمة لن تكون تمنياتي لك ترديداً لما تعوّدنا ان نقوله لأن الحياة لا تأتي الاّ بعد مخاضٍ أليم يبكي خلاله الوالدة والمولود الاّ ان الفرح يعمُّ بعد الولادة كلّ القلوب!

كلّ ما أرجوه لك في دنيانا المليئة بالآلام ألاّ تكون السُحب السوداء في حياتك منذرةً الاّ بأيام سماؤها أزرق ونورها أسطع وهواؤها أنقى وأريجها أطيب!

أتمنى لك ان تستفيد(ي) من هنيهات السعادة التي تأتيك من آنٍ الى آخر فتغمر بفرحك كل عالمك وتخفّف من شدة آلام من ظنّ ان الدنيا قد أغفلته !

بكل محبة
بشير القزي

 

 

قياسي

تقييم المرء حسب ملبسه

 

IMG_2636-1

وإن انقرضت عقود مذ كنت في سن المراهقة الاّ أني أذكر تلك الأيام وكأنها لم تمضِ الاّ من عهدٍ قريب! نشأتُ في وسط بيروت، تلك المدينة التي عرفتها بشكلٍ يختلف تماماً عمّا تعرفه الأجيال التي تلت جيلي!

كانت الحياة ساذجة وبسيطة. كانت الخضار والفاكهة تُستهلك في مواسمها فقط بينما تنقطع من الأسواق طوال ما تبقّى من ايام السنة فنلجأ الى المكدوسات والمربّيات والرُب والى ما هنالك مما تمّ تخزينه من منتوجات جرى اعدادها عبر وصفات متوارثة من أجيال تُمَكِّن من حفظ المنتوج الى مددٍ زمنية طويلة.

اما في المنازل فلم تكن طرق الحياة قد “تأمركت” بعد. كانت كلّ وحدة سكنية تحصل على اشتراك مياه حسب مقدورها وحاجتها. وكان التزوّد بربع متر مكعّب في اليوم يكفي عائلة مكوّنة من ستة أشخاص. وكانت مياه البلديّة تصبُّ في برميل حديدي مكشوف رُكّز على تتخيتة الشُّقَّة وزُوّد بفوّاشة تمنعه من ان يفيض بمائه. اما غرفة دورة المياه فكانت تحوي مرحاضاً عربيّاً يُقرفص فوقه من يريد قضاء حاجته. بينما الغرفة الصغيرة التي كانت تستعمل للاستحمام والغسيل فكانت مستقلة. ارضها من بلاط موزاييك مجلي تُزيّن سطحه قطع صغيرة ملوّنة من الحصى منها الأبيض والبنّي وتتوسّط المساحة مصفاة أرضيّة لتصريف المياه. وكانت المياه الباردة وحدها تتفرّع عبر مواسير حديدية لتصل الى حنفيّات موزَّعة في المطبخ والحمّامات. أمّا المياه الحارّة فكان يتمّ تسخينها عند اللّزوم في القازان ( مسخّن المياه) الموجود في غرفة الحمّام وذلك بإشعال “الناريت” والذي كان عبارة عن اكياس ورقيّة تحوي نشارة الخشب ممزوجة بفيول اسود يسهّل الاشتعال.

لم تكن عادة الاستحمام اليومي قد وصلت بعد بل كان الاغتسال مرة في الأسبوع كافياً لمعظم افراد العائلات! في منزلنا كان ذلك يتمّ مساء الخميس. كان كلّ فرد يأتي دوره يدخل الحمام ويلبس القبقاب الخشبي بعد خلع ملابسه ثم يَصبّ ماءً باردة في اللكن النحاسي ويزيدها بضع كيلاتٍ من المياه الساخنة لتصبح فاترة ثمّ يجلس على الطبليّة الخشبيّة ويأخذ اللّيفة الخاصة به والصابونة البلديّة المصنوعة من زيت الزيتون ويبدأ عملية الاستحمام بسكب بعض من المياه الفاترة على جسمه بواسطة الكيلة النحاسية!

في ايام الشتاء الباردة كنّا بعد الحمام نلتف حول منقل الفحم النحاسي التقليدي طلباً للدفء ثمّ نتربّع بعد ذلك على بساط ملون حول طبق القش المستدير والمحاك يدوياً والمزخرف بالالوان وذلك لتناول وجبة العشاء.

خلال الموسم الدراسي كان سروال واحد يفي بالحاجة طوال موسم الدراسة اما الحذاء فكان يخدم مدة أطول بإضافة نصف نعل او كعبيات عند الإسكافي (الكندرجي) وذلك يتكرر حتى يهترئ الملبوس بأكمله. اما سترات الصوف (الكنزات) فكانت تحوكها الأمهات إذ كانت تتبضّع الصوف من أسواق “المعرض” في وسط المدينة وذلك بشكل لفّات كان على احدهم ان يبسط ذراعيه ليفتح اللفة بينما يقوم الآخر بلفّ الخيط بشكل كبكوب كروي الشكل. داومت على ارتداء تلك الستر الصوفية حتى قاربت الثامنة عشرة من عمري عندما اشتريت لنفسي اول كنزة صوف مصنّعة ميكانيكياً!

ولم يكن هناك تمييز بين التلامذة من ناحية المظهر إذ لم يكن الملبس ليدلّ على اي مركز اجتماعي! كانت الطبقة الوسطى تغلب على غيرها من ناحية العدد وكأنَّ الجميع كانوا سواسية!

لدى التحاقي بكلية الهندسة لم تكن قد وصلت بعد موضة لَبْس سراويل الجينز وكيف بالأحرى الممزّق منها كما نجد عند الكثيرين الذين يرتادون الجامعات اليوم! كان الطلاب يلبسون ثياباً مرتّبة وان لم تكن كلها باهظة الكلفة. ولم يكن مستهجناً ان يرتدي الطالب بدلة مع ربطة عنق!

أخذني والدي الى ” سوق الطويلة” لشراء قماش اول بدلة أُخيطها لنفسي. دخلنا الى محل يعرفه. كان متخصّصاً ببيع “الكوبونات” وهي القطع المتميّزة في نقشتها والتي لم يكن وجودها مبتذلاً في المحلات المنافسة. لما رآني صاحب المحل نصحني “بكوبونة” فريدة من نوعها من ماركة “دورميل” Dormeuil). كانت عبارة عن بدلة “سبور” مؤلّفة من قطعتي جوخ مختلفتين واحدة للجاكيت والثانية للسروال وتتناسقان معاً. كان جوخ البنطلون من النوع الناعم لونه زيتي غامق بينما كان قماش الجاكيت اسمك من الأوّل وبلون زيتي فاتح تقطعه مربعات عريضة مرسومة بخطّين رفيعين متلاصقين لون الاول نبيذي بينما الثاني من نفس لون البنطلون. أعجبت جداً بما عرضه عليَّ وقمنا بالشراء وكانت فرحتي لا توصف! ما كان عليّ الاّ ان اجد الخيّاط المناسب!

نصحني والدي “بخيّاط شيك” الأرمني الذي كان محلّه في منطقة “راس النبع” على خط “فرن الشباك” وكان والدي من قدامى زبائنه. قصدت المكان وبعد ان فتحت الباب الزجاجي وضعت القماش على المنضدة الزجاجية وبادرت بالسلام. لم أحظَ بأي رد من الخياط الذي بدا في العقد الخامس من العمر، بدين الجسم، شعره الأسود بات خفيفاً في منتصف راْسه ويرتدي نظارات سوداء مستديرة العدسات وكان يقف بمواجهة طاولة خشبية وكأنه يُفصَّل قطعة قماش. أعدت السلام بصوتٍ عالٍ فالتفت نحوي وتقدم بضع خطوات نحو المنضدة. عرّفتُه بنفسي وأخبرته باني ابن كمال القزي، ثم رفعت القماش بيدي وأخبرته اني اريد تفصيل بدلة. بحلق بالقطعة وسألني: “لمن؟”. أجبت : “لنفسي”. نظر إليّ متفقّداً جسمي النحيل من أعلى الى أسفل ثم قال بلكنة أرمنيّة: “بابا، أنا ما بخيّط منشان انت!” سألته لماذا؟ أجاب: “أنتَ بيريد موديل مودرن وكمان بدّو بنطلون بات ديليفان (pattes d’éléphant )! عجزت وانا احاول إقناعه باني مستعد للقبول بما يفصّله الاّ انه اصرّ على الرفض. فما كان مني الاّ ان عُدتُ أدراجي وبعد استشارة اقرباء قصدتُ خيّاطاً آخر كان مشغله في بناية “ستاركو”.

بعد البدلة المفصّلة جاء دور الحذاء. توجّهت نحو محلات “رد شو” في منطقة “باب ادريس”. وُلعت بحذاء من النعل لونه نبيذي من نفس لون الخطوط الرفيعة المجودة على مربعات الجاكيت بينما شكله كان يشبه ما يسمّى “سْبكتيتور”. لم أتردد كثيراً وقمت بدفع الثمن.

عند استلامي البدلة الجديدة خصّني والدي بربطتي عنق من الحرير الأصلي كان قد تلقاهما كهدية من احد أصدقائه. كانت كل واحدة تمتاز عن الاخرى بالالوان والنقوش التي لم يوفر المُصمّم اي جهد لإبراز مقدرته على الإبداع ! كانت كلّ ربطة مغلّفة ضمن علبة كرتونيّة أنيقة وعلى الغطاء اسم المُصمّم الفرنسي الشهير “جاك فات”!

خلت نفسي عندما ارتديت البدلة لأول مرة وكأني أخطو فوق الغيوم! كنت لا أشعر بحذائي
يلامس الارض! لما وصلت الجامعة بدا الكثير من زملائي ينظرون اليّ بطرف عينهم! اما بعض الفضوليين فكان يتقدم نحوي احدهم ويقول “ما اجمل هذه الربطة!” ثمّ يُمسكُ بطرفها ويقلبها ليرى اسم المصمم ويقول بإعجاب: “آه! جاك فات!”

اما بعد ايام من التبديل بين الربطة الاولى والثانية كان من اللائق ان أغيّر وأرتدي ربطات عنق جديدة! ولم يكن بمقدوري ان اشتري بما هو من نفس المستوى! وبعد السؤال توصلت الى التعرف على احد المشاغل في بناية “اللعازاريّة” القريبة من منزلي! كان يبيع بالجملة والمفرّق ربطات العنق وكان يفصّلها من أثواب حريريّة ملوّنة يستحضرها من الخارج مع حق وضع وسم مصمّميها الذين كانوا اقل شهرة من “جاك فات”! تبضّعت بضع ربطات وكانت تباع بأسعار متهاودة!

في اليوم التالي عقدت احدى الربطات وذهبت الى الكلّيّة! فاجأني احد الفضوليين مجدّداً وقلب طرف العقدة بإعجاب ثم قال:”آه! جاك دنيز!” وكان الاسم الموجود على “الإتيكات”. المهم اني تعلمت ان الكثيرين في البدء يقيسون مستواك الاجتماعي بقيمة ما ترتديه ثم متى وضعوك في خانة معيّنة يقيسون ما ترتديه بالفكرة التي كانوا قد كوّنوها عنك!

 

قياسي

Mon cœur est toujours jeune

IMG_2623

Mon cœur est toujours jeune
Mais mon corps ne l’est plus
Je dois faire le jeûne
De tout ce qui m’a plut

Je tombe en amour
De toutes les beautés
Je suis trop obsédé
Par tout ce qui m’entoure

Pourquoi mon corps vieillît
Tandis que mon âme
Elle se proclame
Rester jeune à vie

Je dois tourner la page
Pour la réalité
Et laisser de côté
Les plus jeunes d’âge

 

 

 

 

 

 

قياسي