كلمة في رحيل الدكتور عبدالله عبيد

       أخي وصديقي د. عبدالله

فوجئت مساء أمس، وأنا أقرأ الصحافة الخاصة بجاليتنا ، بخبر رحيلك عنن دنيانا، وانتَ من أعزّ الناس على قلبي! لم تمضِ أيام معدودة مذ اتصلتَ بي وانت تسأل عني وتستفسر عن صحّة أخي الموجود في الولايات المتحدة ! سررت جداً باتصالك إلّا انه لم يخطر على بالي أن ذاك الإتصال كان الأخير فيما بيننا!

عرفتكَ خلال أيام جائحة الكورونا بعد ان حصلتُ على رقم هاتفك عبر إحدى الشخصيات الجليويّة المهمّة! اتصلتُ بكَ وبدأتْ فيما بيننا علاقة صداقة لا مثيل لها! رغم ان الأيام لم تسمح لي بالاجتماع بك وجهاً لوجه، إلا أن الاتصال الهاتفي قرّب المسافات التي تفصلُ فيما بيننا!

استضفناك في” منتدانا” عبر” زوم” في أحد البرامج الذي قمنا بتنظيمه حول الشعر العربي وقد ألقيتَ قصيدة رائعة يذكرها الكثيرون ممّن حضروا اللقاء! آلمني أن أعرف أن الكثير مما قمتَ بكتابته تمّ إتلافه ولم يسلم إلّا القليل وانت الذي أمضى عمره وهو يكتب المقالات وينظم القصائد ! آمل ان يتمكّن أحدٌ من جمع ما سلمَ من عمليّة الاتلاف كي يبقى ذكرى للأجيال اليانعة!

أعرفُ أنكَ كنتَ تكره التواصل عبر الوسائل الحديثة وقد بقيتَ  مخلصاً للطراز القديم! إلّا ان ذلك لا يمنع من ان يتناقل البعض قسماً من نتاجك الأدبي!

كم أمضينا من الوقت ونحن نتسامر عبر الهاتف حول مواضيع شتّى، منها ما يتعلّق بالوطن الذي نشأنا فيه ومنها ما يتعلّق بالوطن الذي آلينا اليه!

كنت أفرح كثيراً بلقاآتي معك وكنت أستشيرك حول الكثير مما كنت أكتبه!

بالنيابة عن عائلتي وعن منتدانا وبالأصالة عن نفسي أتقدم بالعزاء النابع من الصميم من زوجتك ماريان ومن بناتك كارولين ونيكول وألما وعائلاتهنّ وجميع الأقارب والمحبّين وجميع من عرفوك وأحبّوك وسيبقى ذكرك الطيّب يتردد عبر الأجيال لان أمثالك قلّما نصادفهم في حياتنا!

والآن أتساءل: في حياتك لم أعرف إلّا صوتك، فهل من الممكن ان أتعرف عليك جثّة هامدة؟

بشير القزي

مونتريال ٢٣ تمّوز ٢٠٢٥

قياسي

كلمة في رحيل أديب كرم

سيدتي الكريمة إم حليم (حلوة كرم)

تأثّرت كثيراً بخبر وفاة زوجك أبو حليم (أديب كرم) وقد عاد بي شريط الذكريات إلى قرابة نصف قرنٍ من الزمن، مذ ربطت صداقة كبيرة بين أخي حميد وابنك حليم! أذكرُ ما حدث في تلك الأيام لمّا عزم الصديقان على السفر إلى الولايات المتحدة بقصد إكمال تعليمها الجامعي بعد بداية الأحداث الأليمة التي ألمّت بالربوع اللبنانية. أذكرُ ان أخي حميد أصرّ ألّا يسافر إلّا برفقة صديقه حليم ولم تُفلحْ “الوسايط” في حصول حليم على الڤيزا اللازمة في الوقت المناسب للسفر الى الولايات المتحدة! أصرّ أخي وقتئذٍ أن يرافقه حليم بأمتعته إلى المطار مراهناً على ان الڤيزا ستصدر في ذاك اليوم! وهكذا كان وصدرت الڤيزا وسافرا معاً!

وإذ يصدف اليوم ذكرى اقتراني رقم ٤٤ من زوجتي ميشا،  تذكّرت أيضاً  زيارتك برفقة زوجكِ أبو حليم والعائلة لتهنئتنا  وقد جلسنا في حديقة منزلنا في وادي الزينة. أذكر أيضاً أننا أخذنا صورة تذكارية في حديقة البيت الجنوبية، والتي تطل على البحر، وإذ كانت الشمس قد قاربت على المغيب، صدرت الصورة وهي تحمل اللون الأرجواني على وجوه كل من تواجد في تلك اللقطة!

شاءت الأيام ان نُرحّل من أرضنا، وقد قضينا زمناً طويلاً في الغربة، بعيداً عن الأرض التي أنجبتنا، ويكون من الفائزين الذي ينهي أيامه ويوارى الثرى في التراب الذي طمر أجداده!

إنّ زوجك أبو حليم يرحل وهو قرير العين بأن التي رافقته طوال العمر، وانجبت له خمسة شبّان وابنتين، قد فلحت في تنشئتهم على أفضل المثل والأخلاق إلى جانب أنها تمكنت من مساعدته في الحياة بعملها بالتعليم او في البنك!

بالنيابة عن زوجتي ميشا وابنتي دانة وعائلتها، وأخويّ صلاح وحميد وعائلتيهما، وعن أفراد موقع منتدانا الرسمي وبالأصالة عن نفسي أتقدم بالعزاء النابع من الصميم منكِ ومن ابنائكِ حليم وحازم وحسام وحاتم وحميد وابنتيكِ ميسا وماري وعائلات حليم وميسا وماري وكل الأقارب والأصدقاء.

نضرع إلى الله ان يرأف بضيفه الجديد وان يبعد كل مكروه عن الجميع!

بشير القزي

مونتريال ١٨ تموز ٢٠٢٥

قياسي

كلمة في رحيل ابنة عمّي مرتا

ابنة العم الحبيبة مرتا

أسفت كثيراً لخبرِ رحيلك من دنيانا دون ان تسنح لي الأيام بأن التقي بك مجدّداً بعد ان مرّت عقود منذ زيارتي الأخيرة لمنزلك في الرميلة!  شاءت الظروف والأحداث الأليمة التي عصفت ببلادنا ان تحتّم عل كلٍّ منا ان يبعدَ عن ربعه ليُنهي  حياته في ركنٍ ابعد ما يكون عن أهله ومُحبّيه!

عرفتكِ منذ نعومة أظافري وكنتِ من بين القلائل الذين صادقتهم في طفولتي! الفارق في العمر بيننا لم يكن كبيراً وأذكر ان ألعاب الأطفال كانت قليلة وكانت تتمّ صناعتها يدوياً كالطائرات الورقيّة والدمى وغير ذلك!

كانت العلاقة التي تربط بين عائلتينا كبيرة جداً (بين والدي ووالدك وعائلتيهما). أذكر أنكم كنتم تقطنون منزلاً في الطابق الثاني في البلعة القديم غرب بيروت، بينما كنا نسكن شقة في الخندق الغميق.  أذكر أنّي علمت أن والدك، عمّي ناجي، كان قد أسماكِ “مرتا” تيمّناً باسم والدته التي رحلت قبل ان ترى جيش الأحفاد الذي تحدّر منها! أما جدّتكِ ألماظة (والدة والدتك) فكانت تسكن على مقربة منكم في منزلٍ تراثيّ له حديقة جميلة ويقع على شارعكم نفسه!

في تلك الأيام كنتُ انتظر كل أسبوع نهارَ الخميس

 لأقوم بزيارتكم وأجول في “جنينة الصنايع” القريبة من منزلكم. في أغلب الأحيان كنت أبيت عندكم وأشعر بالمحبة التي كانت تسري في الأجواء!

أما موسم الصيف فكنا نمضيه في منزلين متقاربين في منطقة الغلاطيّة من قرية وادي الزينة! كانت أبواب مداخل البيتين مفتوحة على الدوام وكنا نعيش بأمان وكأننا في منزل واحد مع ان المسافة التي تفصل بين البيتين كانت في حدود المئة متر.

أذكر ان خليل ، زوجك الراحل، تعرّف عليك في حديقة منزلنا في الغلاطية ومن ثمّ قام بطلب يدك للزواج.

أذكر ان حفل الخطوبة تمّ في باحة منزل جدّتك ألماظة في البلعة القديم في بيروت وقد حضر العديد من الأقارب والأصدقاء. كنت ألتقط صور المدعوّين بجانبك إلا أني كنت الوحيد الذي لم يظهر في أيّ من صور الالبوم!

بعد ذلك تم عقد القران وقد رزقك الله ثلاثة شبّان وابنة وقد نشأوا على الأسس الكريمة عيْنِها التي ربّتك عليها والدتك الراحلة ماري، والتي كان لها فضل كبير على تنشئتي في صغري أيضاً!

ها انت ترحلين على عجلة من أمركِ ولديك العديد من المحبّين الذين لن ينسوا أنكِ كنت تتميزين  بالأخلاق السامية

 التي كنت تعكسينها مودةً للجميع!

بالنيابة عن زوجتي ميشا (التي صدف أنها ابنة خالك) وابنتي دانة وعائلتها وبالأصالة عن نفسي أتقدّم من اولادك بودوان ونجوان وعائلتيهما ومن ابنك رضوان وابنتك د. ليليان واخوتك القاضي جوزيف وبيار وريمون وموريس ودياموند وعائلاتهم وكل الأقارب والمحبين بالتعازي النابعة من الصميم متمنياً ان يبقى ذكرك الطيّب حاضراً في نفوس كل من عرفكِ!

بشير كمال القزي

مونتريال ٥ تمور ٢٠٢٥

قياسي

كلمة في رحيل بيار أحمرانيان

أخي وصديقي العزيز بيار،

آلمني جداً هذا الصباح خبرُ انتقالك إلى الدنيا الثانية، التي نحن آيِلون إليها مهما فعلنا ومهما أطال الله في أعمارنا.  فسُنّة الحياة تسري على الجميع مهما طال الزمن!

كنتَ دائماً، بالابتسامة التي تزيّن سحنتكَ، والعينين الواسعتين اللتين تنيران وجهك الصبوح، والصوت الجهوريّ الذي تتميّز به، مثال الهديّة التي أنعم بها ربّ العالمين على شعبه كي يصبرَ على مآسيه بعد ان شاء القدر ان يُبعد شعب لبنان عن الوطن الذي أحببناه وخِلْنا أننا لن نغترب عن أرجائه بوصفه مسقطَ الرأس وزادَ المعاد.

لم يعرفكَ شخصٌ إلّا تعلّقَ بك وتركتَ في صميمه حلاوةَ الأثر ، حلاوةَ إنسانٍ أحبّ جميع من كان حوله!

لا يمكنني ان أنسى أنكَ اتصلتَ بي هاتفياً لدى قراءتك مقالاً كتبتهُ تحت عنوان “ذكريات بيروتيّة” وأعلمتني انّكَ كنتَ جاراً لي وسط مدينة بيروت في منطقة “الخندق الغميق” ولا بدّ أننا سلكنا الازقّة والشوارع نفسها، وترددنا على المحال عينِها، لكننا لم نلتقِ إلّا في غُربةٍ امتدّتْ بنا الى ما وراء البحار!

 وها انت تغادر في العيد الوطني لتلك البلاد التي احتضَنَتْنا مهاجرين فاحتضنّاها مواطنين!

عندما قمتُ بتأسيس تجمّع “منتدانا” كنتَ لافتاً في الاجتماعات والنشاطات وقد شاركتَ في عدة ندوات أذكر منها ندوة عن الرحابنة وأخرى عن اللغة العربية مع الدكتورة هنادا طه!

لا يا صديقي بيار، لن ننساك وسيبقى ذكرك حاضراً في نفس كلِّ مَن  عرفك، إذ انك ستبقى الإنسان المميّز الذي قلما نجد مثيلاً له في عالم المصالح الطاغية.

فبالنيابة عن زوجتي ميشلين وعن “منتدانا” وبالأصالة عن نفسي أتقدم بالتعازي النابعة من الصميم الى زوجتك زكيّة وإلى فيليب وفريدريك وجان مارك وباتريك وعائلاتهم طالباً من الله أن يبقى ذِكرك أمثولةً فوّاحةً بالسيرة العَطِرة.

بشير القزي

الأول من تموز ٢٠٢٥

قياسي

الذكاء الاصطناعي بين الإبداع والهبل

الذكاء الاصطناعي بين الإبداع والهبل

اجتاحت المواقع الإلكترونية في الآونة الأخيرة نصوصٌ مكتوبة باللغة الفصحى أوردها أناسٌ لا يتقنون اللغة الأم، وقد خبِرَهُم القراء على مدى سنوات طويلة واكتشفوا ضعفهم اللغوي إلى جانب الفشل الذريع لدى بعضٍ منهم في شرح ما يقصدون في كتاباتهم! وإذ لجأ البعض منهم إلى الاستعانة بالمولود الجديد، ألا وهو ما سُمّيَ بالذكاء الاصطناعي ، نجدُ أولئك الكتّاب يذيّلون نصوصهم بتوقيع أسمائهم وكأن النص هو من فعلهم، وهم لم يكتبوا أي جزء من ذاك النص، بل اكتفوا بالطلب من الذكاء الاصطناعي ان يكتب مقالاً حول موضوع  معيّن!

والأغشم من ذلك كله نجد أولئك الناس الذين يصفّقون لهكذا نتاج، ويعتبرونه من أجمل ما كُتب، ويُحَيّون فِكْر الذي ادعى كتابة النص دون ان يبحثوا عن مصدر ما كُتب ومرجعيته!

وهنا تتوجب علينا المساءلة: أهل الذي استنسخ المقال، واستنجد بالذكاء الاصطناعي لكتابة نص هو أبعد الناس عن التمكّن من صياغته، هو الذي يستحق التصفيق والإطراء، أم ذاك الذي يُهلّل بشكلِ أعمى لشخصٍ لا يعرف لا الكتابة ولا التحليل إنّما يصفّق تقديراً ومبهوراً بنصّ استولدته البراعات الالكترونية ؟             

قياسي

بمناسبة الأعياد الكريمة

بمناسبة الأعياد الكريمة

حيفي بمناسبة هذه الأعياد المباركة على شهداء سقطوا دون اقتراف ذنب، منهم من أصبح في غرار الأموات ومنهم ما زال حيّاً وسيعيش ما تبقّى له من عمر وهو يعاني من آثار ما أصابه…

حيفي على من شُرّدوا وفَقدوا مأواهم ورُحّلوا من مكان إلى آخر تحت آثار القنابل القاتلة،

حيفي على فئاتٍ أغدقت بالموائد على بطونها واعتبرت الكرم موجّهاً لمجالسها، ورمت من فائض إفطارها اكثر مما استوعبت كروشها،

حيفي على كرم العيد الذي لم يأتِ إلّا لحفنة قليلة من البشر، بينما بقي الكثيرون يشتهون الحصول على لقمة يابسة من الخبز تُبعد عنهم جوعهم وجرعة ماء تروي عطشهم،

حيفي على بلدان ادعت المساواة بين البشر بنما هي ابعد الناس عن أيّة مساواة وتزوّد الأشرار بالمواد التي تزيد من بطشها،

وأخيراً…

وفي هذه المناسبة أتمنى لكلّ من يقرأ نصي هذا،  ان يكون هذا العيد آخر ما يراه من ظلمٍ وافتراء في دنيانا  وان يكون الكرم في الأعياد المقبلة متجلّيا بروح المحبة والإخلاص لكلّ ما خلقه الله على هذه البسيطة…

ونطلب الخير والوئام لكم ولعائلاتكم في الأعياد المقبلة.

بشير القزي

مونتريال في ٣٠ آذار ٢٠٢٥

قياسي

من ذكريات عقد قراني (الجزء التاسع)

من ذكريات عقد قراني (الجزء التاسع)

في اليوم التالي غادرتُ الفندق برفقة عروسي باتجاه مطار بيروت حيث استقللنا طائرة أقلّتنا إلى روما. وصلنا قبل غروب الشمس وما ان خرجنا إلى باحة المطار الخارجية حتى صادفتُ إحدى سيّارات الأجرة فطلبت من السائق ان ينقلنا إلى أحد الفنادق في وسط المدينة. في تلك الأيام لم تكن بعد قد وصلت تقنيّة الحجوزات بواسطة الانترنت، أما التواصل عبر الهواتف فكان شبه معدومٍ وبالأخص مع لبنان!

أوصلنا السائق إلى جادة جميلة في وسط المدينة تحمل اسم “ڤيّا كواترو نوڤمبري” وانزلنا أمام فندق تتماشى هندسته مع المباني التاريخية التي تحيط به! اخترنا إحدى الغرف الجميلة وخلدنا إلى النوم ولم نستفق حتى صباح اليوم التالي حيث قصدنا مطعم الفندق لتناول وجبة الفطور.

كنا الضيفين الوحيدين اللذين يتناولان الفطور في الوقت الذي قصدنا فيه المطعم. كانت نادلة إيطالية متوسطة العمر تقوم بالخدمة، إلّا أنها لم تكن تفهم إلّا الإيطالية. حاولت إفهامها ما نريده، إلّا ان إفهامها بدا كمهمّة مستحيلة رغم محاولتي لفظ الكلمات الإنجليزيّة او الفرنسية باللّكنة الإيطالية! وإذ كنت أحاول عبثاً إفهامها ما نريده، دخلت عائلة سعودية المطعم، مؤلفة من أربعة اشخاص، وجلست على إحدى الطاولات! توجه الأب نحو النادلة قائلاً باللغة العربية العامية: “آبي بيض عيون” وإذ بها تزوّده بما يريد خلال دقائق ونحن ما زلنا في حيرة من أمرنا! فهمتُ آنذاك أنّ إفهام بعض الناس قد يكون أبسط ممّا نتخيّل!

وإذ تعوّدنا في بلادنا أن وجبة الطعام الرئيسية هي وجبة الظهيرة، قصدنا ظهر ذاك اليوم مطعماً يحمل إسم “بيتزا”. إلّا أني فوجئت بأن “الطليان”، في ذاك الزمن،  لا يأكلون البيتزا مع وجبة الغداء بل يأكلونها مع فطور المساء!

عدنا إلى المطعم نفسه مساء ذاك اليوم! استقبلنا النادل الذي بدا في الستين من العمر بلائحةِ الوجبات المتوفرة، إلّا أنها كانت مكتوبة بالإيطالية. وإذ لم أرد الإطالة في البحث عمّا سأطلبه، تذكّرت أننا كنا في بيروت نطلب “بيتزا نابوليتانا” في مطعمي “بوبي”  أو”أستيريكس” اللذين كانا يقعان في منطقة الروشة. فما أن طلبت “بيتزا نابوليتانا” حتى حدّق بوجهي النادل وصرخ غاضباً: “تذهب إلى “نابولي” لتأكل بيتزا نابوليتانا، أمّا هنا فتطلب بيتزا رومانا!” قلت في نفسي: “إذا لم يكن ما تريد، فأرد ما يكون!” لذا رضيت “ببيتزا رومانا” تفاديا لمشكل كاد ان يشتعل!

صباح اليوم التالي وجدت صحيفة دعائيّة مكتوبة بالإيطالية لدى كاونتر الاستقبال. أخذت نسخة وتوجهت نحو الغرفة وبدأت اتصفّحها. وإذ كنت أقلّب الصفحات وقعت على دعاية لمطعم يحمل اسم “دا ميو باتاكا” وهو مطعم يذكرني بمطعم يحمل الاسم عينه في منطقة الحمرا في بيروت. أذكر أنّي ترددت على ذاك المطعم زهاء السنتين قبل ان أتمكّن من حفظ اسمه! غيّبت عنوان المطعم وقلت لميشا: “هيّا بنا لتناول وجبة الغداء!” (طبعاً لم أعلمها عن المطعم)

طلبت سيارة أجرة وبعد ان صعدنا قلت للسائق:

Trastevere, Piazza Mercanti, Da Meo Pataca Restaurante

انطلق السائق بالسيارة ولم يسألني أي سؤال وكأنه فهم ما طلبته منه! وإذ بنا ندخل مناطق لم ندخلها من قبل، جنّ جنون عروسي وقالت لي:” كيف تتكلّم بالإيطالية؟ يبدو انك أتيت إلى هنا من قبل!”

وكلما دخلنا إلى امكنة لم نزرها من قبل كان الفضول يدخل قلب زوجتي بينما كان الفخر ينفخ رئتيَّ! في النهاية دخلنا ساحة للمشاة تكسو أرضها الأحجار المبلطحة. توقف السائق لينزلنا وأشار بيده اليسرى إلى الخارج قائلاً: دا ميو باتاكا رستورنتي” دفعت الأجرة ونزلنا لنجد ان الكراسي في المطعم مرفوعة فوق الطاولات وهو مقفل لا يفتح إلّا للمساء!

حاولنا أخذ سيارة أجرة، إلّا اننا لم نتمكن من إيجاد أي منها! مشينا في طريق العودة ما يزيد على الساعة حتى وجدنا مطعماً جاهزاً لاستقبال الزبائن!

قياسي

من ذكريات عقد قراني (الجزء الثامن)

من ذكريات عقد قراني (الجزء الثامن)

يصدف صدور الجزء الثامن من ذكريات عقد قراني مع مناسبة عيد العشق الذي  يتمّ إحياؤه في أغلب بلدان العالم!

ما ان شرعتُ بكتابة النص حتى تذكّرت كيف اختفى اللون من وجهي عندما أعلمني المسؤول عن الحجوزات بأنه لا يوجد لدى الفندق أيّ حجز لغرفة باسمي! كانت الشمس قد قاربت على الاختفاء وراء أفق البحر ولم يكن بمقدوري التكهّن أين سأقضي ليلتي الأولى مع عروسي! هل سأذهب وأدقّ على أبواب الفنادق لأجد غرفة فارغة نبيت فيها تلك الليلة؟

ثمّ تراءى لي أن أسأل ذاك المسؤول: “هل هذا يعنى أن  كلّ الغرف ملأى بالزبائن ولا توجد أيّة غرفة فارغة؟” أجاب: “لا! لدينا غرف فارغة إنما لا توجد غرفة محجوزة باسمك!” عندئذٍ خَفَّتْ حدّة توتّري فانتقيت إحدى أفضل الغرف المتوفّرة لديهم. ما ان تمّ نقلنا إليها مع أمتعتنا حتى ارتمت ميشا بثيابها على السرير ووقعت في سبات عميق من كثرة الإرهاق ولم تستفق حتى صباح اليوم التالي!

لدى استيقاظنا اتصلتُ بالخدمة وطلبتُ إحضار القهوة مرفقة بالترويقة لكلينا. وما ان تمّ استحضار الطلبيّة إلى الغرفة وبدأنا بارتشاف القهوة إلى جانب تناول الترويقة حتى رن هاتف الغرفة. رفعتُ السمّاعة وإذ تجيبني على الطرف الثاني “ريموند”، أخت “ميشا”. كانت برفقة ابنة خالتها “فوفا” وصديقتها “فاديا”. قالت نحن في الفندق وقد أحضرنا لكما ترويقة كنافة بالجبن!

بعد ان تناولنا الكنافة جلسنا لارتشاف القهوة على المقاعد البحرية حول المسبح وكانت الفتيات قد ارتدين البسة السباحة. وما كنّا نتأمّل المنظر البديع للجبال المطلّة والتي تنحدر نحو الشاطئ الذي يحيط به البحر الجميل بلونه وأمواجه حتى سمعنا أصوات طائرات حربيّة تحلّق على علوٍّ منخفض. وفجأة اندلعت أصوات مدافع رشّاشة مضادة للطائرات مركّزة على مقربة من المكان الذي كنّا نجلس فيه! ارتبك الجميع وهمّ المتشمّسون بالفرار بمختلف الاتجاهات. أمّا زائراتنا فكنّ على عجلة اكثر من غيرهنّ خوفاً من ان تقفل الطرقات!

بعد ظهر ذاك اليوم حضر والدايَ برفقة أخي صلاح وقام الجميع بتقديم التهنئة مجدّداً لنا. وإذ كنّا نهيّء نفسنا للسفر في اليوم التالي إلى روما لتمضية “شهر العسل”، قمتُ بتسليم السيارة التي حضرنا بها إلى أخي صلاح.

ذاك المساء قصدنا الملهى الموجود في ذاك الفندق. كان الحضور ضعيفاً رغم الموسيقى الصاخبة التي كانت تملأُ الأجواء. أمّا ما كان يثير عدم الارتياح فكان وجود رجلين، كلٌّ على طاولة مستقلّة، يبدو كلٌّ منهما وكأنّه تابعٌ لفرع المخابرات! لم نمكث طويلاً في الملهى وعدنا الى الغرفة بانتظار السفر في اليوم التالي.

أمّا ما حدث خلال السفرة فساسرده في الجزء التاسع من الذكريات…

قياسي