
لدى ولادتي فتحتُ عينيّ على هذه البسيطة! كنت آخرَ العنقود في زمني! رأيت حولي هضاباً وأودية وأنهاراً وأراضِيَ تلامس البحر. على مدى الأزمنة، لم أكن أوّل الوافدين إلى تلك الأمكنة بل أقرب عمراً إلى آخرهم، إذ منذ سنين مؤلّفة، وأجيالٌ تستبدلُ ما سبقها لتمضي ما قدّره الله لها من حياة عليها، ثمّ تُخلي مكانها بعد ذلك لمن يأتي بعدها!
تساءلت كثيراً لأفهم، ولم أصل إلى نتيجة! كيف يمكن أن تكون أجيال كثيرة مرّت من هنا ولم تترك أثراً يُذكر لها؟ كم من الجحافل سلكت الممرّات نفسها وكم من الشعوب استوطنت الأماكن عينَها ومن ثمّ تركت، إلّا اننا لا نجدُ من إثباتات على تاريخ وجودها إلّا القليل ممّا خلّفته! نعم، قد نجدُ بعضاً من آثار اليونانيين أوالرومان أو غيرهم، إنما ذلك لا يوازي القدر الذي نأمل وجوده! أكثر ما أنشئ من مبانٍ اندثر مع الأزمنة! حتى المدن التي كانت قائمة لم يبقَ منها سوى القليل، وأكثره يخصّ القرنين الأخيرين!
على مدى التاريخ، كم من الحروب نشبت ما بين الشعوب، وكم من العداوات احتدمت ما بين الأمم، وكم من الاقتتالات اشتعلت ما بين الأقوام، وكم من الغزوات تمّ شنّها ما بين المجتمعات…!
كان الرابحُ يَدّعي أنه صاحب الحق، وأن انتصاره جاءه من عند ربّه لأنّ الخالق فضّلهُ على أعدائِه، كونه اتبع تعاليم الدين ورتّل الصلوات التي تعوّد عليها دون انقطاع! إلّا أنّ السؤالَ الأهم يبقى: “كيف نفسّر أن يربحَ شعبٌ مرّةً ويخسر بعدها مرّات عديدة؟”
كلٌّ يدّعي أنه موكلٌ من عند ربّه، الذي ائتمنهُ على رزقٍ ملّكه إياه وطلب منه الحفاظ عليه… إلّا ان الحقيقة كانت وما زالت غير ذلك! الله أوجدَنا على هذه الأرض، وحلّل لنا خيراتها، ولم يخص أياً منّا بجزءٍ منها كما لم يُجِزْ لأيٍ منّا القتال من أجل الاستيلاء على ما استقرّ عليه غيرنا! إن اللجوء إلى القوّة والسلاح اوالغدر او الخبث أو الحيلة لا يعطي الحق لأيٍ كان بتملّك خيرات ونعم غيره! ما من أحدٍ يملك أرضاً على هذه البسيطة، إذ على العكس من ذلك، الأرضُ هي التي تملكنا وهي باقية بينما نحن زائلون! نحن نعتاش من خيرات هذه الأرض ما حيينا إلى أن يأتي يومٌ تنتهي فيه حياتنا وتوارَى أجسادُنا الثرى! وتبقى الأرض في انتظار من سيأتي لتولّي استثمارها…