من ذكريات عقد قراني (الجزء السادس)

من ذكريات عقد قراني (الجزء السادس)

بعد حفلة الخطوبة التي تمّ إجراؤها في الرياض، قرّرنا أن يكون عقد القران في ١٨ تمّوز من تلك السنة، وهي سنة ١٩٨١ على ان تكون المراسم في كنيسة البلدة التي انتمي إليها، وهي الرميلة والتي تقع على الطريق المؤدّية من بيروت إلى صيدا، وهي آخر بلدة نلقاها قبل الوصول إلى نهر الأوّلي الذي يفصل بين محافظتي جبل لبنان والجنوب.

ما مضى أسبوعان من الزمن حتى قررت ميشا السفر إلى باريس برفقة أختها وذلك للتبضّع بكلّ ما يستلزم من أمور الجهاز. أمّا الجهاز فكان أمراً مهماً تُعدّ له كل فتاة قبل مراسم زفافها وهو يشمل جميع المستلزمات التي قد تحتاج إليها العروس ما ان تنتقل للعيش في منزلها الزوجي، وهو يشمل بالإضافة إلى الملابس التي سترتديها أطقم الشراشف والمناشف والأحرمة والخدمة والاستقبال وما إلى هنالك من أمور قد تحتاج اليها في حياتها الجديدة! وأذكر في صغري أن العادات كانت تقتضي أن تعرض الفتاة الجهاز في منزل أهلها في يوم معيّن ويقوم رتلٌ من الأقارب بواجب الزيارة وذلك للتفرّج عليه!

أمّا فستان العرس فكانت له مكانة خاصة لدى ميشا وكانت تريده بالشكل الذي كانت رسمته في ذهنها، لذا أصرّت على أن يحمل التصميم والتفاصيل التي ارادتها! وقد حملته بيديها ضمن علبة كرتونيّة بيضاء خاصة على متن الرحلة التي استقلّتها ولم اتمكّن من رؤيته الّا نهار العرس!

قبل حوالي أسبوعين من تاريخ الزفاف توجهنا بالطائرة نحو بيروت. أقامت ميشا مع والديها في منزل العائلة في بلدة عين علق في المتن بينما أقمت في منزل والديّ في بلدة وادي الزينة التي تقع على طريق صيدا القديمة.

مساء الأحد الذي كان يسبق بأسبوع موعد الزفاف، دعوت ميشا الى العشاء في مطعم “وأي نات” في مدينة برمّانا المتنيّة. كانت قد صففت شعرها لدى مصفف شعرٍ نسائي، ما لم يكن متوفّراً في الرياض كما ارتدت فستاناً بيجيّاً قصير الأكمام  وله فتحة من الخلف تقفلها أزرار كبيرة وقد كان بين ما تسوقته في باريس. وكانت قد وضعت حول عينيها كحلة سوداء وألّقت شفتيها بحمرة مميّزة زادت من جمالها.

وصلنا إلى المطعم في حدود الساعة الثامنة والنصف مساءً. نزلنا على الدرج المبنيّ من الحجر حتى وصلنا إلى باحة المطعم. كان المطعم مبنيّا من عقدين حجريّين يجتمعان في الوسط غارقٍين تحت الأرض وكان أحد الأركان يستعمل كباحة للرقص تحتلّ إحدى زواياه غرفة زجاجيّة يجلس فيها “الدي جي” للتحكّم بالموسيقى وانتقاء الأغاني. أمّا باقي الأركان فكانت للطاولات الخشبيّة والمقاعد المغطّاة بطراريح صوفيّة ملوّنة.

وإذ لم نجد أحداً من الزبائن قد وصل بعد، سألنا المسؤول عن السبب، فأجاب أنهم يبدأون بالوصول بعد ساعة من ذاك الوقت. طلبنا ان نحجز طاولتنا إذ لم يكن متوفّراً في ذاك الزمن الحجز بواسطة الهاتف ولم يكن قد وصل بعد الهاتف الخليوي.

كلّما اشرنا إلى طاولة من الأماميّات كان المسؤول يجيبنا أنها محجوزة! بالأخير اضطررنا إلى الموافقة على حجز طاولة في الأماكن الخلفية للمطعم! وإذ كان المكان لم يعج بعد بالزبائن قلنا له اننا سنعود بعد زهاء ساعة من الزمن!

خرجنا إلى الشارع الرئيسي حيث تنزّهنا على الجانب الغربي من الطريق وكانت المطاعم تعجّ بالزبائن الذين يتألّقون بالملابس الزاهية التي يرتدونها! دخلنا أحد المقاهي وطلبنا مقبلات بانتظار ان يحين وقت عودتنا إلى المطعم.

وصلنا إلى “الواي نات” في حدود الساعة العاشرة مساءً. كان المكان لا يزال خالياً من أيٍّ منّ الزبائن وكان “الدي جي” مسترسلاً بالحركات مع الأغاني التي يختارها وقد وضع السماعات الكبيرة فوق أذنيه! سألنا المسؤول عن سبب تخلّف الزبائن عن الحضور فأجاب مؤكداً أنهم سيصلون بعد حين!

قمنا بالتمركز على الطاولة التي أرادوها لنا. حضر النادل الموكلُ بالقيام بخدمتنا. كان يرتدي سترة رسمية نبيذية اللون فوق قميص أبيض وعقدة حريريّة سوداء على شكل فراشة. أودع بين يديّ لائحة بالمشروبات التي يعرضها المطعم. بدأت بالتمعن بالقراءة واخترت نوعاً من أفضل ما يبدو على تلك اللائحة، وذلك بالأخصّ لأن ذاك العشاء كان الأول الذي أدعو فيه ميشا إليه في لبنان! غاب النادل بضع دقائق ثمّ عاد ليعلمنا أن ذاك الصنف لم يكن متوفّراً ذاك المساء! أعاد لي اللائحة وطلب مني اختيار نوع آخر. أخترتُ ما تلا ذاك النوع فتوجّه نحو المطبخ ليعود ويخبرني أن ذاك النوع قد نفذ. أمّا النوع الثالث فلم يكن متوفّراً أيضاً. توجّهت نحوه بامتعاض وقلت له: “لماذا تُخيّرني بما ليس لديك، أعطني ما هو متوفر ذاك المساء!”

أحضر زجاجة مما أوجده وفتح الفلّينة بتقنيّة عالية وسكب لي مقداراً قليلا لتذوّقها. وافقت على المشروب فقام بملء كأس ميشا ثمّ أكمل سكب كأسي.

وبينما كنت اشتفُّ الكأس بجانب ميشا كانت نقطة ماء تتساقط بين الحين والآخر من السقف الحجري وتقع على رقبتي داخل قبّة قميصي. كنت مستاءً من ذاك المقعد ولم يكن بإمكاني ان أغيّره لأن باقي الأماكن محجوزة (حسب زعمهم).

أحضر لي لائحة الطعام فبعد ان استشرت ميشا طلبت صحن “شاتوبريان” المُعد لشخصين! صعقتُ مجدّداً  عندما عاد بعد دقائق ليعلمنا ان تلك الوجبة لم تكن متوفرة ذاك المساء. طلبت منه ان يعلمني بما كان متوفراً وهكذا كان!

بعد ان تناولنا الوجبة الرئيسية طلبت من ميشا ان ترافقني برقصة إلا انها لم ترغب كوننا كنا الوحيدين الموجودين في ذاك المطعم برفقة “الدي جي!”

ما ان أحضر النادل صحنَي الكيك المتوفرين لدى المطعم كانت ميشا قد غفت على كتفي. قمتُ بدفع الحساب ثمّ أيقظتها من سباتها وعدنا أدراجنا إلى منزلها، ولم نعد مرة ثانية إلى ذاك المكان!

أمّا فيما حصل بعد ذلك فبانتظار الجزء السابع من الذكريات …

قياسي

أضف تعليق