في وداع ابن عمّي هاني…

في وداع ابن عمّي هاني…

في خضمّ الرياح التي تعصفُ في بلادنا الأم وصلني خبر رحيلكَ، يا ابن عمّي هاني! كنتَ أوّل تربٍ رافقني مذ فتحتُ عينيّ على هذه الدنيا الفانية والتي عايشنا فيها الأمرّين خلال سنيّ عمرنا!

عادت بي الذكريات إلى أيامٍ مضت وكأنّي أحضر فلماً وثائقياً عن سنيّ حياتنا! كنّا طفلين ننظر الى الدنيا بشغف، وكأننا سنمتلكها، إلّا أنّ الواقع كان عكس ما تمنّينا!

أذكرُ الشقّة التي كنتم تسكنونها في منطقة راس النبع في بيروت كما أذكر تفاصيل كل غرفة من الغرف!

منذ ثلاثة أسابيع وردتني رسالة من صديق قديم، اسمه حسن خليل، كان يدرس معنا في الليسّيه الفرنسي، وقد سألني عنك! أخبرته أن صحّتك ليست على ما يرام، إلّا أنّي لم أتخيّل ان ساعة الوداع قد حان أوانها!

هل تذكر الثلاثة أسابيع التي أمضيناها في التدريب العسكري في بيت الدين؟ كانت أوّل مرّة نبتعد فيها عن شاطئنا! كانت المسافة التي تفصلنا عن منزلينا، في الرميلة ووادي الزينة، لا تزيد عن عشرين كيلومتراً ! كان الهواء أقل رطوبة عمّا تعوّدنا عليه!

أذكر أن الرقيب، في ليلة ما، لم يجدك في الخيمة عندما أجرى دورته الليلية! لذا حكم بأن يحلط شعرك المجعّد كقصاص لك! وكان ذلك قبل يومين من انتهاء التدريب!

صباح الرحيل لم ننتظر الباصات للعودة! حمل كلّ منا حقيبته ومشينا في الوادي حتى وصلنا إلى طريق دير القمر! استقللنا إحدى سيّارات الأجرة الذاهبة باتجاه الدامور! إلّا أننا ما ان وصلنا إلى “ملقى النهرين” ، الذي كان على مقربة من بلدة الدامور، حتى اشتممنا رائحة رطوبة البحر، فانهمرت دموعنا وأخذنا نبكي ولم نتمكن من تمالك أحاسيسنا!

أحببنا منطقتنا وبلادنا حبّاً لا يوصف! كم من الليالي أمضناها سوياً على الأسطح خوفاً من أن يغدر بنا أحد!

حبّنا لمنطقتنا لم يكفِ للحفاظ عليها! كانت النتيجة أن شُرّد جميع السكّان ولم يبقَ منهم مُخبّر! هرب الجميع أكانوا أطفالاً أو شبّاناً أو كهولاً أم شيوخاً! ولم يعد منهم أحد ما لم يكن ضمن صندوق خشبيّ ليوارى الثرى في مقبرة العائلة!

استودعك الله يا ابن عمّي!

بالنيابة عن زوجتي ميشا وابنتي دانه وعائلتها وبالأصالة عن نفسي، أتقدم بالعزاء النابع من القلب من زوجتك جاكلين ومن إبنيك رياض ورشاد وابنتك نايلا واختك دنيا وعائلاتهم وعائلات أخويك المتوفّين وليد ومكرم وأبناء وبنات أعمامك وعائلاتهم وكل الأقارب، وسيبقى ذكرك الطيّب في قلوب الجميع!

ابن عمك

بشير

مونتريال ١٥ تشرين الأول ٢٠٢٤

قياسي

أضف تعليق