القامة اللبنانيّة والقامة الأنجليزيّة

hommes au complet

ذكّرني صديقي عبدو في بيروت والذي ما زالت تربطني به صداقة قديمة تعود الى عقود خلت، بقصّة كنت قد رويتها له في بداية تعارفنا لمّا كنّا ما زلنا نعمل في مدينة الرياض.

لكل شعبٍ ميّزات خاصة به فيما يتعلّق بشكله ومعالم وجهه وشعر رأسه ولون بشرته وطول قامته وغيرها من المواصفات وذلك يعود بمعظمه الى عرقِهِ والسلالة التي تحدَّر منها والتغزية التي توفّرت له خلال سنيّ نشأته. ويبدو ان الكثير قد تغيّر خلال النصف الأخير من القرن الماضي أِذ ان بعض الشعوب زاد معدّل طول قامَتِها بنحوٍ من بضع سنتيمترات وحتى أن منها من كسب زيادة بلغت شبراً أِضافيّاً. ويعود الفضل بمعظمه لتوفر العناية الصحيّة والتغذية السليمة على مدار فصول السنة في العصر الحديث!

عند اكتمال نموّي كنت أتميّز عن أقاربي وأترابي في الدراسة بطول قامتي. في المنطقة التي نشأت فيها كان من زادني طولاً نادر الوجود وكان مظهر جسمه غير مستحب لعدم تناسبه مع قامة الفتيات! كنت فخوراً بقوامي وكنت أخطو بزُها عندما أمشي. أما في الكنيسة في قرية جدرا فكانت النساء يجلسن في مؤخرة القاعة بينما كان الرجال يجلسوم في المقدّمة. وكان رأسي يبدو واضحاً مميزاً فوق مستوى باقي الرؤوس! وكانت النساء إن لاحظن أحد الأطفال ينمو أكثر من غيره يقلن: “ما شاء الله، سيُصبِح بطول بشير!”

كنتُ قد قاربت الثامنة عشرة من عمري عندما اشتريت كنزة صوف جاهزة بلونِ رمليٍ قاتم. وكانت تتميّز بجدلة عمودية على الصدر من ناحية وأخرى من فتحة الرقبة المستديرة.

كانت ابنتا عمّي حليم، “نوال” و”فتنة” قد اشتريتا ماكينة “تريكو” حديثة لحياكة الكنزات. وكانتا قد تعلّمتا تشغيلها عندما كانتا تساعدان والدهما في مشغل “التريكو” الذي كان قد أنشأه في منزل العائلة وكان قد أسماه “تريكو قزيTrico Azzi ” وذلك قبل أكثر من عقد من الزمن!

أخذت الكنزة وقصدتهما وقلت أَنِّي أريد أن أحيك كنزة مثلها أِنما بلون آخر. قالتا أن الكنزة تأخذ من ١٤الى ١٦ شلّة صوف عادة، أما بالنسبة لطول قامتي فعليّ بالأِتيان ب١٨ شلّة.

قصدت سوق المعرض في بيروت وتبضّعت بالعدد المطلوب من ماركة “بان جوان” وكانت من أفضل أنواع الصوف واخترت لوناً أزرق سماوي. وبعد أيام من أِيصالي الكمّيّة المطلوبة لهما، أرسلتا بطلب أربع شلّات أِضافية. وبعد يومين من تسليمي العدد الأِضافي ، قامتا بطلب شلّتين أِضافيّتين…

بعد أيام طلبتا مني الحضور لأن الكنزة قد اكتمل تصنيعها. وما ان وصلتُ حتى طلبتا مني تجريبها. وكانت المفاجأة: كان طول الكنزة يسدل الى ركبتيَّ! لقد كان انطباعهما عن طول قامتي أكثر بكثير من الواقع! وبعد “كرّ” خيوطها قامتا بأِعادة الحياكة لتصبح على المقاس المناسب!

في فترة العشرينات من عمري، كان خصري نحيلاً بينما كان منكباي عريضين وكان ذراعاي طويلين مع ساقين رفيعين وطويلين تذكّران بعصا لعبة “البليار”! كانت الفتيات في ذلك الزمن يفضّلن الشاب البدين، وذلك بعكس ما أصبحن عليه في يومنا هذا بعد ان اكتسبتُ بعض السمانة بفضل كرشٍ أضحى يزيّن وسطي!

كانت البدلات الجاهزة لا تتماشى مع جسمي. حاولت ان أَجِد لباساً الا ان المهمة كانت شبه مستحيلة. قمت بالتردد على عددٍ من أهم المحال للألبسة الرجالية ك”ألفا، وحلبليان و جوزيف عيد” أِنما دون جدوى. كانت الأكمام قصيرة بالنسبة لطول ذراعيّ وكان وسط الجاكيت يفضفض حول خصري. أما السروال فكان يعطي متّسعاً للكثير من اللحم الاضافي الذي لم أكن أملكه. لذا كان لا محالة من القيام بتعديلات متعددة على أية بدلة لدى شرائها كأِطالة الأكمام وتضييق الخصر وتغييرات كثيرة على البنطلون وكل ذلك كان يمسخ بالنهاية الشكل العام للّباس ويفقده رونقه!

حاولت ان أزيد من وزني بتناول دواء يعطي سمنة بعد أن قمتُ بالتزوّد به من الصيدليات. كان اسمه “سوبر ويت أون” وكان باهظ الثمن! كان عليّ ان أمضغ ١٢ حبة يومياً مع شرب ٤ أكواب من الحليب. وحيث ان معدتي كانت حساسة لدى استهلاك هكذا كميات من الحليب، وجدت بعد أسبوعين أن وزني قد خاس فتوقفت عن العلاج!

بعد بضع سنوات، أُرسلت بمهمة للعمل في لندن لمدة بضعة أشهر في مكتب الشركة التي كنت موظفاً لديها. كان موقع العمل في الوسط التجاري على ١١٧ بيكاديلّي بينما كنت أقطن منطقة “هامستيد” في شمال المدينة.

وبينما كنت أمشي خلال فرصة الغداء بحثاً عن فرع البنك الذي تتعامل معه الشركة وكان تحت اسم “ناشونال ريبابلك” على شارع “كورزن ستريت” الموازي لشارع “بيكاديلّي”وجدت متجراً للملبوسات الرجالية يحمل اسم “بيغ إند مايتي Big and Mighty “. قلتُ لنفسي: “ها هو! أخيراً وجدت المكان الذي أَلقى فيه حاجتي من الملبوسات!”

دخلت المتجر عبر الواجهة الزّجاجيّة. كان كثير العمق والملابس معلّقة بشكل منظم من ناحيتيّ الممرّ الرئيسي الموجود في وسط المحل وهوخالٍ من الزبائن الّا ان أحد الباعة، كان يقوم بتصفيف الملابس في منتصف المكان وهو يدير نصف ظهره نحو المدخل وكنت أرى شعره الأشقر وهو يرتدي بدلةً بنيّة.

أخذت أتفقّد بعض ما كان معروضاً وانتظرت منه أن يأتي لمساعدتي لا سيّما أني لم أكن أبعد عنه الاّ خطوات! وأِذ لم يأبه بوجودي أطلقت قحّةً متمنّياً أن ينتبه لي! ألا أن ذلك لم يُجدِ نفعاً وظلّ مواظباً على أِتمام ما كان يفعله!

قلت له: “هاي” بصوت معتدل. وكأنه لم يسمعني! صرخت “هاي” بصوتٍ عالٍ وأِذ به يلتفت نحوي أخيراً. كنت أرى بشرته البيضاء وعينيه الزرقاوين! سألته: “أبأِمكانك مساعدتي؟” أجاب بتهذيب: “ماذا تريد؟” أجبته أني أريد شراء بدلة. سألني: “لمن؟ “أجبته متعجّباً: “لنفسي.” عندئذٍ هزّ رأسه بالنفي وقال لي: “لا توجد عندنا ملابس لك!” كيف يقول ذلك وأنا لم أَجِد في بيروت مطلبي وها أنا في محلات “بيغ اند مايتي” لا أَجِد ما يناسبني أيضاً؟

لمّا رأى التباسي وتعجّبي اقترب مني وكان يحمل بيده “مازورة” للقياس ثم وضع رأسها على كتفي واسدل طولها الى ما بعد أصابع يدي وقال لي:” أصغر بدلة لدينا تصل الى هنا.” وكان ذلك يزيد عن مقاسي بنحو شبرٍ أِضافي!

سألته :”أين أَجِد هدوماً تناسب مقاس جسمي؟” قال لي: أنت جسمك عادي وتجد ملابس على مقاسك في أية محال مخصصة للهدوم الرجالية. ودلّني على محلات “موس براذيرس” في منطقة “كوفين جاردن” حيث أيقنت فيما بعد أن جسمي “عادي” بامتياز وبالأخص بالنسبة للشعب الأنجليزي!

 

قياسي

تتمّة تقييم المرء حسب السيّارة التي يقودها

IMG_2731

تعود بي الذاكرة الى صيف سنة ٢٠٠٨ حيث عدت لزيارة لبنان برفقة زوجتي بعد غياب دام قرابة الربع قرن. بالحقيقة كنت قد قمت بزيارة قصيرة بمفردي سنة ٢٠٠٤ ولم يتسنَّ لي خلالها سياقة سيارة وسأعود لملابسات ومفاجآت تلك الرحلة في مقال لاحق!

بالرغم من تحذير الكثيرين من معارفي من خطورة القيادة في لبنان قرّرت ان أستأجر سيارة لطوال فترة أِقامتي والتي كانت تقارب الأربعة أسابيع. كان عليّ التنقّل كثيراً بين عدة مناطق لزيارة أهلي وأقاربي وأقارب زوجتي من ناحية وللقيام بزيارات رسميّة لمراجع عليا كوني كنت رئيساً لغرفة التجارة والصناعة اللبنانية الكندية وذلك من أجل مشروع كنت أعدُّ له تحت اسم “نافذة على لبنان” وذلك بتنظيم معرضٍ للمنتجات اللبنانية في مونتريال!

خرجت وزوجتي من الباب الزجاجي الواقع بعد الجمارك في مطار بيروت. كنت أسبقها بخطوات وكلّ منّا يجرّ عربة حديديّة خاصّة بالحقائب. ما ان خرجت عبر البوابة الزجاجية حتى فوجئت بجدار طويل من الناس ينتظرون ذويهم خلف حاجز حديدي. وكانت زوجتي قد حجزت بالهاتف على سيارة مع آنسة اسمها “إليان”وكان علينا تسلّمها من السائق الذي أحضرها الى المطار. وأِذ كنت أستعرض الأناس المنتظرين وهم يحملون أسماء مكتوبة على لوحات كرتونيّة بيضاء وجدت أحدهم يرتدي قميصاً أبيض من نصف كم ويحمل لوحة مكتوب عليها اسم زوجتي “ميشلين القزّي”. توجّهت نحوه مبتسماً وما ان اقتربت منه حتى أشرت له بأِصبعي نحو صدري. نظر أِليّ بتعجّب وقد عقد حاجبيه ثمّ سألني: هل انت اسمك “ميشلين”؟ أجبته مازحاً “نعم! ألا يبدو عليّ كذلك؟”

أوصلنا مندوب شركة الأيجار الى فندق “بورت أِيميليو” في منطقة الكسليك في مدينة جونية الساحلية. بعد أِنهاء التسجيل صعدنا مع حقائبنا الى الغرفة وكانت في الطابق السابع. فوجئت بأنها كانت بمثابة شُقّة من حيث وسعها وكانت تطلّ من الغرب على البحر من شباك غرفة النوم الفسيحة كما من باب واجهة الصالون الزجاجيّة والذي يؤدّي الى الشرفة بينما تطل عبر شباك السفرة الشرقي على منظر الجبل!

خرجت الى الشرفة لأسرّح نظري برؤية بحرٍ افتقدت منظره منذ عقود وكانت الشمس قد بدأت تحمرّ خجلاً بانتظار غوصها في الأفق ففرحت بمشهدٍ ألفته عيناي في صغري وحُرمتُ منه طوال غربتي! وما ان التفتُّ نحو الشاطئ القريب وبالأخص باتجاه نادي ال”آ تي سي إل” حتى فوجئت بأرضٍ واسعة تعكّر جمالها نتوءات ترابية متفرّقة مخلوطة ببعض البقايا الخرسانية وهي تدل على ان سائقي كميونات قاموا بتفريغ حمولات شاحناتهم بشكل مبعثر! دخلت من الشرفة وتوجهت نحو الشباك الشرقي وفتحت الستارة ونظرت نحو الجبل لأتفقّد منظر أحراج الصنوبر ففوجئت بمنظر المباني الخرسانيّة وقد طغت على الطبيعيّة وخطفت منها خضار الحياة!

أما السيارة التي استأجرتها فكانت من نوع “تيدا، نيسان” لونها رمادي ومن موديل السنة السابقة. رغم صغر حجمها الاّ انها وفت بالواجب. وقد قمت بزيارات متعددة وفق برنامجي أذكر منها رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ووزراء كل من الاقتصاد والسياحة والزراعة كما غرف التجارة والصناعة! وكنت بعد ظهر كل يوم أقوم بزيارة والديّ في مدينة عجلتون! ولدى عودتي مساءً الى الفندق كنت أُعرّج برفقة زوجتي من امام مطعمٍ فخم المظهر ذي واجهة رخاميّة جميلة مرصّعة بأِنارة مميّزة. كانت السيارات الكثيرة الفخامة مصطفّة أمامه وكان مجموعة من الشبّان الأنيقي الشكل والمظهر يرتدون سراويل وقمصان سوداء يعتنون بأِيقاف السيارات. قرّرت وزوجتي أن نقصد ذاك المكان في احدى الليالي لتناول العشاء.

ذات مساء عدنا باكراً الى الفندق. سألتُ زوجتي:” ما رأيكِ في ان نحتسي العشاء في ذاك المطعم؟” أجابت بالموافقة وسألتني:”أنأخذ السيارة؟” أجبتها ان لا داعي لذلك لأن المسافة قريبة!

خرجنا من باب الفندق وبعد أن تجاوزنا مساحة المرآب قطعنا الطريق الذي يمرّ امام الفندق وصعدنا طلعةً حادة تؤدّي الى جوار المكان المقصود. ما ان وصلنا حتى وجدنا المطعم على يميننا وكان ممرّ مشاة يفصل بينه وبين السيّارت الفخمة الموقوفة أمامه وكانت من انواع مختلفة “كبورش” و”لمبورجيني” و”مازيراتي” و”رانج روفر” وغيرها! قطعنا الممر ثمّ انحرفنا نحو المدخل. بان لنا اسم المطعم: “السنيور”. كان مليئاً بالزبائن. وما ان سأَلَنا مستخدمُ المطعم عما أِذا كنا نريد الجلوس في الداخل أم في الخارج أجبنا أننا نفضّل الباحة الخارجية. أشار لنا بالجلوس على الطاولة الوحيدة التي كانت خالية من الزبائن. كانت بلاستيكية بيضاء كما الكرسيّين اللذين جلسنا عليهما. ثمّ بادرنا بالسؤال:”أي نفَسْ تريدان؟”. سألت نفسي:”أي نفسْ؟ ماذا يقصد؟” ثم نظرت حولي وكان جميع الزبائن يدخنون الأراجيل والتي كانت مختلفة الشكل واللون وكان الكثير منها من التي كان رأسها أستعيض عنه بليمونة اوبطيخة مفرغة! فهمت ان المكان مخصَّص “لشرّيبة” الأرجيلة! أجبته أننا لا ندخن وأننا جئنا لتناول طعام العشاء فقط وكان وهج جمر الأراجيل المجاورة يطال قسماً من جسم كلٍّ منا! من لائحة الطعام المغلّفة ببلاستيك شفّاف والتي كانت بعض جمرات قد أكلت من رونقها أخترنا صحن شيش طاووق مع حُمُّص وفتّوش. ما ان حضر الأكل حتى تناولناه ثمّ طلبتُ الحساب وقمت بتسديد المبلغ.

ما أن مشينا بعض خطوات في ممر المدخل حتى اعترضني أحد مستخدمي الموقف وسألني: ” ما هي سيارتك يا أستاذ؟” وأِذ كنت قد أبقيت سيارتي مركونة في موقف الفندق، أجبته أنه لا توجد معي سيارة. مال رأسه نحو اليمين ورمقني بنظرة عطف وابتسم ابتسامة صفراويّة وقال:” أِيه! أنشالله بيصير عندك سيارة!”

علّمتني الأيام أن شعوبنا قد تُقيِّم الانسان أحياناً بغير الملبس والسيارة. في بداية سنة ١٩٧٨ كنت قد قمت بزيارة ماساشوستس في الولايات المتحدة الامريكية وذلك لزيارة أقاربي. في تلك الأيام كان من المتعارف عليه ان يتحلى المسافر بأفضل ملابسه لدى ركوب الطائرة! إلا اني قررت ان البس ثياباً عاديّة لدى عودتي خصوصاً بعد ان تبضّعت من أمريكا سراويل “جينز” وقمصاناً قطنية بمربعات ملوّنة تشبه تلك التي كان يرتديها رعاة البقر! ما ان وصلت الى مطار بيروت بعد سفرة طويلة مرهِقة لم يكن يبدو علي اي مظهرٍ لائق! خرجت وانا أجرّ حقيبتيّ وأصررت ان لا أسمح لأحد الحمالة من ان يحمل اياً من أمتعتي!

ولما خرجت من باب المطار أوقفت أحدى سيارات الأجرة. الاّ ان السائق ضرب لي التحيّة وبادرني :”أهلاً أستاذ! تفضّل أستاذ!” وانا أنظر الى شكلي وأتساءل:”من أين رأى الأستذة؟” أصرَّ على أن يُحمِّل بنفسه الحقائب في الصندوق وصعد وراء المقود ونظر أليّ وقال:” شوف يا أستاذ! نحنا بنعرف الزبون من شنطه!” (وفطنتُ أني كنت أجرّ حقيبتين من ماركة “سمسونايت”)

قياسي

تقييم المرء حسب السيّارة التي يقودها

IMG_2723

كنت حديث العهد في مدينة مونتريال عندما دعاني مع عائلتي أحد الأصدقاء الى حفلِ مشاوٍ أقامه حول مسبح منزله فى أِحدى الأحياء الراقية من المدينة. كانت الطريق المؤدية الى المنزل تزينها أشجار كبيرة مصطفّة على طرفي الشارع وكانت تخفي بأغصانها بعضاً من معالم المساكن الفخمة التي كانت تتراءى لنا عبر زجاج السيارة!

كنت أقود “بلايموث” أمريكيّة كانت ما تزال تحمل لوحة ولاية “فلوريدا” حيث قمت بالاستحصال عليها من نحو سنة خلت. وأِن لم تكن جديدة الاّ انها كانت مريحة وتفي الحاجة. كان لونها أزرقَ معدنيّاً فاتحاً الاّ انه بهت مع الزمن تحت وطأة الشمس! أما فرشُ مقاعدها فكان أزرقَ يتماشى مع الطلاء الخارجي وكان كلٌّ من المقعدين الأمامي والخلفي يتّسع لثلاثة ركاب!

ما ان وصلنا الى جوار المنزل المقصود حتى تراءى لنا وجود العديد من السيارات الفخمة المصطفّة أِمّا بجانب الأرصفة أو على الدرب النصف دائري الذي كان يشكّل جزءاً من الحديقة الأمامية وسط الأزهار المزروعة بعناية وتنسيق حسب أنواعها وألوانها.

بعد إيقاف السيارة على مسافة من البيت دخلنا الحديقة من باب السور الخشبي الموجود على يسار المبنى. كانت باحتها وسيعة إذا ما قارنّاها بحدائق المنازل المجاورة وكانت منصّة مستطيلة ومبلّطة ومسقوفة بسقف خشبي جميل من الناحية اليسرى تواجه المسبح الذي كان موجوداً من الناحية اليمنى. قام صاحب البيت وزوجته باستقبالنا وتعريفنا على المدعوّين والذين كانوا يجلسون موزعين بشكل مجموعات صغيرة وكان عددهم يزيد على الثلاثين شخصاً. كان الكثير من الموجودين قد أثروا في بلاد الشرق الأوسط وقد انتقوا مونتريال في آخر المطاف كمدينة للتمركز والعيش فيها.

جلست على كرسي بلاستيكي بجانب أحد المعازيم. كان يرتدي قبّعة من القشّ إيطالية الشكل ويضع نظارات شمسيّة على عينيه وهو ممتلئ البنية، يلبس قميصاً مبرقعاً من لون نيليّ ذَا أكمام قصيرة وقد ترك الأزرار العليا مفتوحة لتظهر شعر صدره والسلسة الذهبية التي يعلّقها في رقبته. وبابتسامة لطيفة كان يحرك يده اليمنى كلّما تكلّم بينما يده اليسرى مرفوعة بعض الشيء وهي تحمل ساعة الرولكس الذهبيّة على المعصم وسيجاراً كوبياً بين الأصابع. بادرني بسؤالٍ عن تاريخ وصولي الى المدينة ومن أين أتيت! بعد أِجابتي استطرد سائلاً:”ما هو نوع السيارة التي تقودها؟”

فوجئت بسؤاله! لِمَ يسأل عن نوع السيارة؟ شعرت ببعضٍ من الأِحباط! أهكذا يُقيَّم الانسان، من موديل سيّارته؟

عادت بي الذكريات الى ماضٍ خلا. وبالتحديد الى سنة ١٩٧٣ حيث كنت فيها قد انتخبت رئيساً لرابطة طلاّب الكلية العليا للهندسة في بيروت والتي كانت قسماً من الجامعة اليسوعيّة.

جرت العادة أن يُنظٌم الطلاّب سنوياً حفلاً راقصاً في أحد الفنادق الفخمة من العاصمة بيروت. وإذ كنّا نريد ان ننظم سهرة لم يسبق لها مثيل، قرّرت مع مجلس الطلاب أِقامتها في كازينو لبنان والذي كان قبلة الأماكن الفخمة في الشرق الأوسط. لدى زيارة الموقع قمنا بتفحّص صالة السفراء وهي اكبر صالة للحفلات لدى الكازينو. كان سقفها المرتفع ومقاساتها والديكورات الخشبيّة والالوان تعطيها رونقاً خاصاً. بعد التفاوض مع الأِدارة ودراسة التفاصيل وقّعت عقداً باستئجار الصالة لأِجراء الحفلة بتاريخ العاشر من آذار (مارس) من تلك السنة.

دعوت الوزير الأسبق الراحل بيار حلو ليكون راعياً للحفلة. كان لا بد من تذليل بعض العقبات الصغيرة أهمها بروتوكول طاولة الشرف التي تضمّ الوزير الأسبق الراحل جوزيف نجّار والذي كان أستاذاً في الكليّة، وعميد الكليّة الأب”جرفانيون” الفرنسي والذي قد أطلق عليه الطلاب لقب”١٠:١٠ ” للطريقة التي كان يحرّك فيها رجليه عندما يمشي ، الى نقيب المهندسين حينذاك ريمون روفايل والى من أكّد حضوره من زوجاتهم!

نهار الحفل قصدت ان أكون في الكازينو بنحو ساعتين قبل الموعد لأتأكّد من أن كل شيء سيتم على أكمل وجه. كنت قد كلّفت فتاتين من تلميذات الجامعة بتوزيع وردة على كل سيدة تدخل القاعة.

كنت أرتدي بدلةً من الجوخ الناعم الرمادي المقلّم بأزياح ناعمة من لون غامق وقد قمت بتفصيلها لدى خياطٍ ماهر في بناية الستاركو في بيروت. لمّا كنت ألبس ذاك الطقم بالأِضافة الى القميص الناصع البياض والذي قمت بخياطته لدى محلاّت”بلاّن” وعقدة العنق المصنوعة من الحرير الملوّن والحذاء الجلدي الاسود، كنت أخال من ينظر أِليّ أنّه يحسبني أحد المشاهير!

كنت أقود سيارة فولكس ڤاكن شكلها يسمّى بالخنفساء. كان لها من الخدمة نحو من ست سنوات. كان لونها أزرق سماوي. لم تكن مجهّزة بجهاز راديو وكنت أغني طوال الطريق لأسلّي نفسي ولم يكن ينزعج أحد من صوتي لأني كنت لوحدي في معظم الأوقات! أما أِذا صدف وجود أحدهم برفقتي فكان صوت المحرّك يطغي على رداءة صوتي!

لما وصلت الى الكازينو كان الموقف خالياً من السيارات. لم أرد أن أوقف سيارتي أمام المدخل بل بعدْتُ نحواً من خمسين متراً مبتعداً عن المدخل. نزلت من السيارة، أقفلت الباب وتوجهت نحو المدخل وأنا مزهوٌ بنفسي. ما أن اقتربت بضع خطوات الى ان أقترب مني احد مستخدمي الموقف وكان يرتدي كرفاقِهِ سترة رمادية مع قبّة من الساتان اللميع وذلك فوق سروال اسود وقبعة صغيرة. قال لي بتهذيب وهو يشير بيده اليمنى باتجاه زاوية الموقف:”لو سمحت! لبعيد!”

عدت الى السيارة وفتحت الباب وادرت المحرك وأبعدت سيارتي مسافة لا بأس فيها. نزلت وأقفلت الباب وما ان بدأت بالمشي باتجاه المدخل حتى سمعت صفيراً من ناحية المدخل! كان الموظّف عينه! أنزل يده عن شفتيه وصرخ لي من بعيد وهو يومئ بكلتي ذراعيه وكأنه يشير الى طائرة تسير على المدرج: “على الآخر! على الآخر!…”

عدت الى السيارة وقدتها الى الطرف الأبعد من الموقف الكبير ثم عدت مشياً لأقطع المسافة التي طالت كثيراً نحو المدخل الرئيسي وكان كتفاي قد هبطا نحو الأسفل وقوقعت استقامة ظهري…

لما خرجت بعد الأِحتفال كان مستخدمو الموقف بانتظاري وقد عرفوا أني كنت من نظّم الأِحتفال فضربوا لي التحية وأسرع أحدهم نحوي وأخذ مني المفاتيح وأصرّ على أن يُحضر السيارة بنفسه!

وللقصّة تتمّة…

قياسي