غراميّات على شاطئ رملي

img_1865

في بداية العشرينات من عمري عندما انهيت السنة الدراسية في كلية الهندسة بعد اجراء امتحانات في غاية الصعوبة، كنت في أشد الحاجة للراحة والاستجمام. لذا قصدت الشاطئ الرملي الذي لم يكن يبعد كثيراً عن منزلي، بعد ان ارتديت لباس سباحة ازرق اللون ولبست فوقه سروالاً كاكيّاً قصيراً بينما غطّى القسم الأعلى من جسمي قميص قطنيٌّ ابيض له أزرار امامية تسمح لي بالإفراج عن الصدر بالقدر الذي يحتاجه تبعاً للحرارة الجوية. وهذا دون ان ننسى قبعة القش والمنشفة.

اما قصّتي مع البحر فبدأت مُذ فتحت عينيَّ على الحياة. كان منزلنا العائلي يعتلي هضبةً تبدو وكأنها وجدت لتراقبه. ففي كل يومٍ سماؤه زرقاء وصافية وأفقُه مرئيٌّ وواضح بينما موج البحر مائل الى الهدوء، كان قلبي ينعم بعشق الحياة وآمالي تكبر بخيرٍ آتٍ. ونشوتي للحياة كانت تعظم أيضاً حين كانت الشمس تتوارى وراء الأفق وتأخذ وقتها قبل ان تبلل نفسها وكأنها برتقالة في الامد خائفة من ان ترش كل ما كان حولها لدى ارتطامها بسفح المياه. اما في نهار جوَّه مكفهر فكان موج البحر الهائج يرتطم على الصخور ليزيد من رهبة المشهد كما نجد في الدور الذي تلعبه الموسيقى في فيلم سينمائي مرعب. اما خلال الليل فحدث ولا حرج اذ كان صوت الامواج رفيق وسادتي فتنصت أذناي الى ما لم أكن لأراه. ترعرعت على ان أحبّ البحر وأخشاه في آن معاً وحلمي ان تمكنني الأيام من ان اعود للعيش على مقربة منه.

وصلت الى الشاطئ وهو عبارة عن شبه خليج طوله حوالي الثلاثة كيلومترات وشطّه كله من رمال ناعمة فاتحة اللون يكاد من يمشي عليها يخال نفسه وكأنه يخطو في حلمه. وخوفاً من ان تحرق الرمال الساخنة اكفّ قدميّ، كنت أرتدي شبشباً بلاستيكياً كنّا نسميه “ابو إصبع”.

وما ان وصلت الى وسط الشاطئ واذ بي أصادف رتلاً من الاصحاب كانوا قد نصبوا خيمة مستطيلة مفتوحة الجوانب وذلك للوقاية من أشعة الشمس التي كانت تسطع في ذاك اليوم من أواخر شهر حزيران. دعوني للجلوس معهم فقبلت. خلعت قميصي وسروالي ووقفت أتأمل الرواد الذين كان الشاطئ يغصّ بهم…

في تلك الأيام التي سبقت الخلويات، حتى الهواتف السلكية القديمة لم تكن قد توافرت بعد في معظم البلدات. إنما اجهزة الرصد والترقب كانت موجودة على كل الشرفات والنوافذ لتنقل الأخبار بسرعة قد تضاهي ما نجده في اجهزة اليوم. فكلما زرت صديقاً ما في احدى القرى، كان الخبر يصل الى اهلي مع السؤال: بنت مَن كان يقصد؟ لذا كان عليّ توخي الحذر في تنقلاتي وكنت أظن نفسي اكثر حظاً ممن سبقني لان ذاك الجيل كان شبانه وشاباته يتخاطبون “بالعصفوري” لكي لا يفهم احد غريب ما يقصدونه. وكان ذلك بإدخال حرف الزين في وسط الكلمات.

وما أنا في تأملي الى ان دخلت الخيمة فتاة في غاية الجمال كنت قد قابلتها سابقاً. كانت ترتدي مايوهاً اسود من قطعتين يعطي جمال جسدها رونقاً خاصاً. بادرتني السلام وجلست بقربي على الرمال. كان شعرها الاسود القاتم يغطي قليلاً من كتفيها وله تموجات طبيعية تعطي الإنطباع بأنه تم تصفيفه. اما عيناها العسليتان اللتان تغرقان وسط بياض ناصع تحدّه رموش علوية وسفلية سوداء ويكللهما حاجبان طبيعيان فكانتا تشعّان دفئاً جذاباً لا يوصف. اما الشفتان فكأن الخالق قد ابدع برسمهما دون ان ينسى ان يعطيهما لوناً يُرى ولم يكن بمقدور صانعي المساحيق تقليده!

بعد ان تحادثنا بعض الوقت شعرت بتبادل انجذاب فيما بيننا فكنت ارى كثافة في رطوبة بياض عينيها الذي بدأ يأخذ القليل من الإحمرار فقررنا التواري لبعض الوقت عن العيون المترقبة التي كانت ترصدنا.

وإذ كان الشاطئ يغصّ بالزوّار واذ كان يوجد قارب مطاطي مع الفريق الذي كنّا معه، قررنا الإبتعاد به الى عمق البحر. فسحبناه على الرمال حتى المياه ومن ثم فوق المياه حتى بلغنا عمقاً يوازي الركبة فقفزنا في داخله.

تمركزت ناحية المجاذيف بينما جلست هي من الناحية المقابلة. أخذتُ اجدّف بكل قواي لأبعد عن الشاطئ بينما كانت الامواج المتلاحقة تردّ القارب باتجاه اليابسة مرةً بينما تغيّر اتجاهه مرة اخرى. وكنت اذا اتجه نحو اليسار أجدّف بيساري لاردّه نحو اليمين ثم تأتي موجة جديدة فتلطم القارب عن اليسار فتحول الاتجاه نحو اليمين ثم أعيد الكرة من اليمين لأعيده نحو الإتجاه الصحيح الى ان تأتي موجة ثالثة فتحوَّل الإتجاه كلياً نحو اليسار.

بينما كنت أتخابط مع الأمواج سألت مرافقتي: “هل أنتِ خائفة؟” أجابتني:”كيف أخاف وأنا برفقة رجل؟” عندئذٍ شعرت وكأني تناولت جرعة من “السبانخ” التي كان يتناولها “بوباي” في حلقات الصور المتحركة فانتفخ صدري وأخذت اضرب بكل ما أوتيت من قوة تارة من اليمين وطوراً من اليسار آملاً بالوصول الى الأمان في أسرع وقت!

إلا ان الأمواج بقيت تتوالى الواحدة تلو الأخرى والزورق يتجه نحو اليمين لأعيده نحو اليسار والعكس بالعكس دون هوادة الى ان ألمّ برأسي دوار البحر وأخذ يزيد وأنا غير عابئ به الى ان انهرت كلياً على القارب وأسلمت جسدي كمن يسلم الروح!

فما كان من صديقتي إلا ان قامت بمهمة التجديف للعودة الى شط الأمان! ما ان وصلنا حتى قامت بمساعدتي على التمدد على الرمال علّ الدوار يفارق رأسي إلا انه لازمني أكثر من يومين…

لم ألقَ الفتاة بعد ذلك بعد ان احسست بأني فشلت في ابسط المهمات!

 

 

 

قياسي

7 آراء حول “غراميّات على شاطئ رملي

  1. Mireille كتب:

    انت لست فقط مهندس مدني تشيد البنايات بل ايضا مهندس كلمات جميلة تنظم بها نصوصا بديعة بكل دقة واحتراف وتعيدنا الى اجمل ايام امضيناها في عز لبنان.

    • الف شكر يا عزيزتي ميراي على هذا التعليق الجميل. اكتب عن ايّام مضت ولن تعود واطلب من الله ان تحظى الأجيال القادمة بسنين كالتي عشناها في صغرنا والتي توقف حسنها مع بداية سنوات الحرب الأهلية

  2. وصلني من الصديق العزيز سمير ابي صعب التعليق التالي

    يا لطيف شو هيدا يا بشير : كنت أرى كثافة في رطوبة بياض عينيها.
    هيدي نزار قبّاني ما قالها. أسلوب سلس وشيّق ووصف جميل.
    آمل أن أرى في المستقبل القريب كتاباً يجمع كل ما دوّنت حتّى الآن.
    براڤو بشير
    بكل محبّة وإعجاب
    سمير

  3. وصلني التعليق التالي من الدكتور إميل كيوان

    Cher Bachir
    tu as l’art de nous faire vivre de belles emotions avec une nostalgie douce et une description animee et tellement realiste
    Bravo
    Emilio

اترك تعليقًا على Mireille إلغاء الرد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s