كيف تجنبت زواجاً قسرياً في العراق؟

img_1899

كنت في نهاية الشهر الاول من عملي الجديد في مشروع إنشاء مصنع الإطارات في الديوانيّة، والتي كانت تقع على نحوٍ من مئتي كلم جنوب بغداد عندما حدثت تغييرات مفاجئة في مكتب الورشة. كان المكتب عبارة عن مبنى مؤقت مستطيل الشكل مبني من جدران رفعت من بلوكات إسمنتية فوق بلاطة خرسانية. كان للمبنى مدخل واحد يؤدّي الى رواق يتفرّع نحو اليمين ونحو اليسار. أما القسم الأيمن فكان في أقصاه يحوي من ناحية مكتب مدير عام المشروع ويقابله من الناحية الثانية مكتب مدير المشروع وكان كلاهما ألمانيين يحسنان التخاطب والمراسلة بالإنكليزية. الى جانب مكتب مدير المشروع كان يتواجد مكتب المهندس التقني للمشروع وكان هندي الأصل بينما كانت تجلس مقابله زوجته التي كانت تعمل برتبة سكرتيرة للمراسلات باللغة الإنكليزية. من الناحية الثانية كان مكتب مخططات المشروع وكنت أشارك رسّامين هندسيّين إشغاله. اما القسم الأيسر من المبنى فكان يحوي مكاتب المحاسبة ومكتب نقابة العمال ومكتب السكرتيرة للمراسلات العربية والتي كانت عراقية جميلة المظهر وتحمل اسم ياسمين.

اما المفاجأة فكانت فصل المهندس الهندي وزوجته وترحليلهما بيوم واحد وما زلت لا أعلم لغاية اليوم السبب الرئيسيّ لذلك. صدر أمر من المكتب الرئيسي في لندن بتسليمي مهامه إنما لم يكن بالسهل إيجاد بديل عن زوجته. فالعراقيون والعراقيات في ذلك الزمن كان إلمامهم ضعيفاً باللغة الأجنبية. أما إستحضار اجنبي أو أجنبية لملء الفراغ فكان من شبه المستحيلات نظراً للوقت الذي كانت تستغرقه إجراءات التأشيرات! حتى الطابعات الآلية الكهربائية كانت مرفوضة خوفاً من أن تستعمل لأغراض سياسية. أما كل من كان يُرخّص له بالعمل على تلك الآلات الغير كهربائية فكان يتوجب عليه إجراء أختبار يتم خلاله أخذ بصمات طباعته ليتم التعرف عليه في حال نشر اي نصٍّ يتعرّض للنظام الحاكم.

وإذ كان عقد بناء المشروع يتطلب المراسلة باللغة الإنكليزية، كنّا نرسل كلّ خطاباتنا بتلك اللغة موجّهة للمهندس المقيم الذي كان يمثّل الدولة وكان له هو الآخرمكتب في الورشة يبعد نحو مئة مترٍ عن مكتبنا. وإذ كان النظام إشتراكياً بامتياز كان علينا تحرير طلبات الإستيراد مسبقاً وأخذ موافقة المهندس المقيم لتكملة المعاملات اللازمة وكان هذَا الأخير يجيبنا بالعربية وكنت أتولى مهمة الترجمة لمدرائي الألمان.

ذات يوم خميس بعد نحو شهرين من مهمتي الجديدة كنّا في صدد إنتظار ردٍ بالموافقة على طلب استيراد مواد للمشروع لإرساله مع مندوبنا الى بغداد. طلب مني مديري مراجعة المهندس المقيم لاستعجال الامر. لما قابلته اعلمني انه قد وقعه وما كان عليّ الاّ مراجعة السكرتيرات. كان لهنّ مدخل خاص من الخارج في طرف مبنى مكتبه.

كنت أرتدي قميصاً ابيض بأكمام قصيرة فوق سروالٍ كاكي قصير. قرعت الباب ودخلت لأفاجأ بوجود اربع سكرتيرات بدل الواحدة. كنّ يجلسن كل واحدة وراء مكتبها اثنتان في الصدر وواحدة من اليمين بينما الأخيرة من اليسار. ولم يكنَّ يرتدينَ العباءة السوداء اثناء عملهنَّ. كنَّ حسناوات الشكل والقوام ولم يكن بمقدوري ان أتفقد مظهر كل واحدة على حدة خوفاً من مغبّة تصرّف يتعدى الأصول!

عرّفت بنفسي وطلبت ما جئت من أجله لأفاجأ بأنهنّ ينظرن إليّ بعيونٍ تبرق ورموشٍ ترفرف وشفاهٍ تُغري اي امرئٍ بحركاتها. ظننت نفسي وكأني نجمٌ سينمائي حلّ عليهن فجأة ولا يصدقن أنهنّ وُجدنَ منه على هذا القرب! خجلت من نظراتهن مع ان هرمونات شبابي كانت في أوجها وأخذت انظر الأرض امامي خوفاً من ان تتشابك عيناي مع أعينهن! تسلّمت الموافقة الموقعة وعدت الى مكتبي.

وما مكثتُ الا دقائق واذ كنتُ أحدّق بالمكتب الفارغ في مواجهتي حتى رأيت احدى الفتيات الأربع تدخل الى غرفتي وقد غطّت العباءة السوداء جسمها ورأسها فيما عدا وجهها الذي كان بياضه يسطع وسط القماش القاتم. وقفت مرعوشاً وانا اتطلع الى تكاوين الوجه الذي لم تعبث به المساحيق والبشرة الناصعة التي لا يعكّر نعومتها الا آثار جرح قديم وصغير في أسفل خدها الأيسر… اما عيناها السوداوان فكانتا لا تخفيان انجذابها وكأنها وقعت في الغرام من أول نظرة!

قلت لها انه ليس بإمكاني استقبالها في مكتبي لأننا من جهة في ورشة بناء ومن ناحية اخرى لانها تعمل بمنصب أمينة أسرار المهندس المقيم. فيما كنت أكلمها كانت هي تنظر الي بعينين دبلانتين مسحورتين وكأنها لا تسمع ما اتفوه به فيما كانت ابتسامة صغيرة تزيّن شفتيها. وكنت اسمع خلال ذاك الوقت أحاديث رجال في الخارج الى ان ناداها مسؤول نقابة العمال فخرجت ولم تعد.

بعد حوالي نصف ساعة دخلت الى مكتبي ياسمين السكرتيرة وقالت: “ماذا فعلت بالبنات؟ لقد “تخبّلن” مُذ رأينك.” وعلمت منها ان التي زارتني اسمها “رحاب” بينما جاءت اثنتان أخريان، كلّ على حدة، وسألتاها عني.

بعد يومين أرسلت لي رحاب قالب كاتوه صنعته بنفسها إنما يبدو انها لم تنجح في طهيه لان قلبه كان لا يزال عجيناً. وبعد أسبوع أودع لي مرسل ظرف رسالة من النوع الذي كان يرسل جواً لأن محيطه كان مخططاً بأقلام عريضة زرقاء وحمراء مائلة. قبل ان أرى ما في داخله لاحظت ان طرفه ممزوق وقد أعيد إغلاقه بواسطة دبّوس إبرة. سحبت الدبوس وأخرجت الورقة الموجودة في الداخل لأجد رسالة خطّتها رحاب بيدها وبدأتها بالبسملة ثم كتبت: “حبيبي بشير. منذ ان وقعت عيناي عليك لم أعد أستطيع النوم. لا يمكنني تصور العيش من دونك ولو ليوم واحد…” لم أكمل القراءة ثم أخفيت الرسالة وتجاهلت انها وصلتني.

في عطلة نهاية الأسبوع واذ كنت اشتف القهوة مع رفيقي برفقة زوجة أحدهما في المنزل التابع للمجمع السكني الذي كانت الشركة تستأجره وإذ بالباب يُطرق. فتح احدهما الباب لنفاجأ بأن رحاب جاءت لزيارتي. دخلت الصالون وجلست وهي تبتسم. عندئذٍ انسحب الرفاق وخرجوا وكأنهم أرادوا إخلاء الساحة لي رغم إصراري على بقائهم. ارتبكت وأخذت أفتح ستائر واجهات المنزل الزجاجية ليرى من يراقب ان لا شيء مريب يحدث داخل المنزل. قلت لها أني مضطر لمغادرة المنزل ولا يمكنني إصعادها معي في السيارة. وعند استغرابها أعلمتها انه لا يجوز ان تقوم أية علاقة بين اي موظف من شركتنا مع أية فتاة تعمل لدى المهندس المقيم خوفاً من ان تتسرب الأسرار من فريق لآخر.

بعد أيام دخلت ياسمين الى مكتبي لتخبرني ان الإشاعات قد ملأت الأجواء عن علاقتي برحاب. قلت لها انه لا توجد أية علاقة ، أجابت كيف تقول هذا وهي قد أخبرت صديقاتها أنها سافرت معك الى كربلاء حيت مكثتما سوياً ثلاثة أيام وسافرت معك أيضاً الى بغداد حيث امضيتما يومين. أجبتها ان الخبرعارٍ من الصحة!

وكانت المفاجاة عندما قالت لي: “عندنا في العراق، إذا حصلت أية علاقة حميمة بين فتاة وشاب، فما على الفتاة إلا أن تختار اي رجل يعجبها وتعلن انه هو المسؤول. فإما ان يتزوجها وتنتهي المشكلة او تقوم عائلتها بقتله. فانتبه عَلى نفسك! الا تعرف قصة أحمد الذي يعمل مراقباً والذي اجبر على الزواج؟ “. عندئذٍ بدأت أتخيل نفسي في مطار بيروت وانا انزل سلم الطائرة وعلى يميني رحاب وهي ترتدي زيها المعروف!

صُعقت للخبر ودخلت مكتب المدير العام لأقص عليه الواقعة، وكان يدعى “سرج مِلر”. لم يكن بالسهل إفهام ألماني ما يمكن أن يحدث من علاقة بين شاب وفتاة في بلاد الشرق. بعد ذلك رافقني لمكتب المهندس المقيم لأنه كان لا يوجد مجال لإضاعة الوقت.

ما ان فتحنا الموضوع حتى رأيناه يضحك تارة ويقهقه طوراً ثم يعود ليبتسم اذ كان خبر علاقتي برحاب حديث الساعة وكان على كل شفة ولسان. لم يصدق نفيي للإشاعات وكان مقتنعاً أني رافقتها الى كربلاء وبغداد. وأعلمني أيضاً انه كان قد قرأ محتوى الرسالة التي كانت رحاب قد أرسلتها لي. وأخبرني انه كان يرسل أناساً لتتبعي حيث اذهب، الا أني كنت أفلت في كل مرة من ملاحقتهم (كنت اسلك طرقات فرعية لتجنب زحمة السير). بعد أخذ ورد طلب من الفتاة ان تحضر الى مكتبه. فلما حضرت أمامه سألتها: هل صعدتِ معي في السيارة؟ هل لمست بشرتك في اي مرة؟ هل وعدتك بشيء؟ هل…؟ هل…؟ وكانت الإجابة بالنفي.

عدت الى مكتبي مقتنعاً ان الموضوع قد طوي الى الأبد. بعد أسبوعين علمت ان الفتاة تم تسريحها من العمل. أسفت للخبر لأني لم أكن اريد ان أسبّب لها اي سوء.

بعد نحوٍ من شهر دخلت ياسمين الى مكتبي مجدداً لتخبرني أن ثمة إشاعات قد انتشرت بأن أهل رحاب يريدون قتلي لأني تسببت بإساءة سمعتها. وطلبت مني ان أكون حذراً في تنقلاتي.

بعد ذلك لم أعد أخرج الا للضرورة وبرفقة صحاب لي وداومت على ذلك حتى انتهاء مهمتي بعد شهرين من ذلك.

بعد تلك اللحظات التي عشتها في مكتب السكرتيرات لم أحظَ بفرصة ثانية تجعلني اشعر فيها بالتقدير الذي يحظى به النجوم!

قياسي

قصّة علاقتي بأحلام في بغداد

img_1887

وصلت مساء الخامس من كانون الثاني سنة ١٩٧٧ الى بغداد على متن احدى طائرات طيران الشرق الأوسط. اضطررنا للبقاء داخل الطائرة اكثر من ساعة حتى صعد على متنها احد أفراد المخابرات للتأكد من هويّة كلٍّ من المسافرين. كان ضخم الجثة تُغطّي رأسه قبعة سوداء من الفرو مستطيلة كراكولية الشكل من النوع الذي يُرتدى من الخلف الى الامام. اما معطفه القاتم اللون فكان من الجوخ الكثيف وكان يلفُّ شالاً بيجياً حول عنقه يكاد يخفي قبّة قميصه البيضاء وربطة عنقه. اما وجهه المكفهر فكانت معالمه لا تُخطئ في الدلالة على اصوله العراقية وبالأخص بعينيه الكبيرتين وشاربيه الكثيفين اللذين يأخذان شكل فرشاة.

وبرفقة شرطي متأهبٍ الى جانبه أخذ رجل المخابرات يتفرّس بكل جواز سفر ثم يحدِّق بعيونٍ ثاقبة لثوانٍ تكاد لا تنتهي في وجه حامله. ما ان أتى دوري حتى شعرت بنوعٍ من الامتعاض وبدأ جبيني يفرز عرقاً. أعاد لي جوازي ثم انتقل الى من تبقى من الركاب لإكمال جولته. بعد ذلك أفرج عن المسافرين فاتجه كلٌّ لأخذ حقيبته وتكملة مشواره.

في سيارة الأجرة التي كانت تقلُّني الى المنزل الذي كان بمثابة محطة لموظفي الشركة التي كنت اعمل لديها، بدأت أسترجع بذهني توصيتين اثنتين خصّني بهما احد رؤسائي: “لا تتكلّم بالسياسة وتجنب أية علاقة مع الفتيات العراقيات”.

مكثت عدة ايّام في بغداد حيث كنت انام ليلاً في المنزل الذي كان يقع في منطقة مسماة “عَرَصات هندية” بينما كنت امضي نهاري في العمل في مكتب الشركة الذي كان يقع في شارع الجمهورية. وكان مشروع بناء مصنع إطارات الديوانية الذي أوفدت للعمل فيه يتواجد على نحو ٢٠٠ كلم جنوب بغداد. اما عقد تنفيذه فكان بتعاونٍ مشترك بين شركة كتّانة اللبنانية وشركة “ديكورهوف اند ڤيدمان” الألمانية. اما عن بغداد فقد فوجئت خلال مكوثي فيها بحدائقها الجميلة ومنازلها المكسيّة بالطوب الأحمر الغامق والمبنية بتنسيق جيّد على شوارع أُحسن تفريعها. اما مطاعمها فكانت على درجة لا بأس بها خصوصاً اذا ما قورنت بباقي العواصم العربية.

وصلت الى مركز عملي في الديوانية وكان المشروع يبعد نحواً من ١٠ كلم عن المنزل الذي كنت أقطنه مع اثنين من موظفي الشركة التي كانت تحرص على إسكان كل فريق مع أهله. وكان المنزل يحوي ثلاث غرف نوم وصالوناً كبيراً وغرفة طعام ومطبخاً وحمامين وباحة خارجية محاطة بسورٍ عالٍ من ناحية الطريق تعلوه نباتات متسلّقة خضارها غامق وأزهارها حمراء. اما المدخل الخارجي للباحة فكان حديدياً دُهنَ بأسود تقلّش مع الزمن.

ما ان كنت في مسائي الثاني في المنزل حتى رنّ التلفون الوحيد الموجود في الرواق فهممت لأخذ المخابرة اذ كان كلٌّ من صاحبيّ بعيدين عن الهاتف. ما ان أجبت “آلو” حتى بادرني صوت ناعم “من أنتَ؟”. أجبت ” أنا بشير” فقالت “بشير من؟” فأجبت: ” أنا مهندس جديد وقد وصلت منذ يومين. مع من أتكلم؟”. قالت “أنا أحلام” فأجبت ” تشرفنا. بماذا يمكنني ان أساعدكِ؟”. قالت “أين آسيا؟” قلت “آسيا من؟” سألت ” أنت لبناني ولا تعرف آسيا؟” قلت “بلغت هذا العمر ولم اعرف أحداً يحمل هذا الإسم!” عندئذٍ قالت: “لا أستطيع العيش بدون آسيا ولا طعم للحياة بدونه! سأقتل نفسي، سأنتحر! ستقرأ الخبر في صحف نهار غد! انت آخر من أتكلم معه!” صعقت بالخبر واخذت احاول دون جدوى إقناعها بالعدول عمّا هي عازمة عليه الآ أني لم أفلح! بعد زهاء الساعة من الكلام أقفلت السماعة ولم تعطني اي انطباع بأنها ستحجم عن قتل نفسها!

بعد المخابرة التي خضّت مشاعري سألت رفيقيّ عن آسيا. أجابا انه كان مسؤولاً عن الكانتين التي كانت تقوم بإطعام مجمل عمال وموظفي الشركة وكان عددهم بالمئات وانه قرر الرحيل فجأة ولن يعود! وانه كان على علاقة حميمة مع احلام!

بعد يومين تلقيت مخابرة ثانية من أحلام. في البدء كنت سعيداً من انها لم تقترف ما لا تحمد عقباه الا انها ثابرت بترديد ما تنوي فعله وأنها لا تستطيع العيش بدون آسيا! ظللت أحاول ثني عزيمتها قائلاً انه لا يوجد رجل في هذا العالم يستحق ان تموت فتاة من أجله اذا فارقها… إلا أني كنت وكأني أتكلم مع جدار!

توالت المكالمات وهي تزيد من تهديدها بإنهاء حياتها الى ان قلت لها أني سأسافر في نهاية الأسبوع الى بغداد. واذ كنت شبه واثق بأني سأتمكن من إقناعها عندما القاها وجهاً لوجه بان تُحجب عمّا عزمت عليه كنت في نفس الوقت مرتعباً من ان أخفق في مهمتي وسألوم نفسي أذا هي أقدمت على الإنتحار.

كانت السيارة التي وضعت تحت تصرفي من نوع ڤولكس ڤاكن “الخنفساء” بيضاء اللون برازيلية الصنع. ومع انها لم تكن قد تجاوزت سنة من الخدمة الا ان قلة اهتمام التقنيين الألمان الذين كانوا يعملون في كراج الشركة كانت السبب الرئيسي لبعض الأعطال الميكانيكية التي كانت تحصل من وقت لآخر.

واذ كان نهار الجمعة يمثل نهار العطلة الأسبوعية استقللت السيارة نهار الخميس باتجاه بغداد وذلك بعد انتهاء اعمال النهار. واذ كنّا في فصل الشتاء والشمس تغيب باكراً، وسأضطرّ لقيادة السيارة في الظلام وإذ كانت الڤولس ڤاكن مجهزة ببطارية 6 فولت فلا أستطيع القيادة بسرعة تزيد عن ٦٠ كلم في الساعة لان سرعة السيارة كانت تتجاوز ما تنيره المصابيح الأمامية. لذا كانت تستغرق الرحلة اكثر من ثلاث ساعات! اما الطريق فكانت مستقيمة لدرجة آنه بمجرد رؤية ضوء سيارة آتية من الجهة المقابلة كنت انتظر نحواً من عشر دقائق قبل التقائها.

ما ان وصلت الى بغداد حتى اتصلت بأحلام لملاقاتي للعشاء في احد المطاعم. حضرت وكان برفقتها ابن شقيقها الذي لم يكن قد وصل الى الثامنة عشرة من العمر. قدّرت مجيئه خصوصاً لأني كنت في صدد مساعدة الفتاة.

اما هي فكانت شقراء، طويلة القامة، جسمها متوازن المقاسات تمشي وهي واثقة من أنوثتها، بيضاء البشرة ولها وجه فيه ما يكفي من الجمال ويزيد من إشراقه لون عينيها العسليتين. وكانت متمدنة في ملبسها من حذاء الكعب العالي الى التنورة الكحلية التي لا تخفي ركبتيها الى القميص الحريري الملّون برسوم أزهار والذي كانت ازراره امامية تخفي جسمها فيما عدا ما تحت رقبتها الممدودة حيث كانت تلبس أيقونة معلقة بسلسلة ذهبية.

جلست بجانبي بينما جلس ابن أخيها في المقابل. ما ان وضعنا طلبية الأكل حتى بدأت تروي لي قصة آلامها. كانت عيناها تغرورقان بالدمع طوال الحديث فاحتسينا الشورباء وهي تردد ما كانت تقوله لي في المخابرات الهاتفية بينما كنت أحاول بشكل متجدد إقناعها بان الأمور ستتحسن وان الحياة أمامها ولا داعٍ لذرف الدموع على من لا يستحقها.

ما ان حضر الطبق الرئيسي وكان “ستيك” مع البطاطا والخضار المسلوقة حتى بدأت تنفرج أساريرها وبدأت ملامح الاسى تختفي من وجهها. وما هي الا دقائق حتى رأيتها تقتطع بشوكتها وسكينها قطعة صغيرة من اللحم في صحنها وترفعها بالشوكة نحوي وهي تحرك رموش عينيها وكأنها تطلب مني ان افتح فمي. تلقمت القطعة وأخذت امضغها على مهل وانا أسائل نفسي: هل من واجبي ان أبادلها بالمثل؟ ألا يقتصر هكذا تصرف على العشاق؟ أم ان للعراقيين عادات لا توجد عند سواهم!

لم أعد الى بغداد الا بعد ثلاثة أسابيع. لم تنقطع الإتصالات الهاتفية وكنت اواسيها في كل مرة على ما فقدت. ما ان التقينا على الغذاء في احد المطاعم حتى بادرتني بقبلة على خدي. كانت ابتسامة عريضة تزيّن وجهها. بعد ان تناولنا الطعام صعدت الى جانبي في السيارة وطلبت مني ايصالها الى منزل اختها وأخذت تدلّني على الطريق. وما ان وصلنا الى منطقة الكرادة حتى تطلعت نحوي بعينين متدبّلتين وبادرتني بصوت كله نعومة قائلةً:” لقد تكلّمت مع والدي فيما يتعلّق بعلاقتي معك”. واذ كانت قد أعلمتني ان والدها ضابط كبير في الجيش فقد سكّت ركبتاي وبدأ جسمي يفرز عرقاً.

وما أنا أفكر فيما قالته لي واسأل نفسي هل أنا في حلم أم في واقع حتى دخلنا في دوّار كبير لم أرَ مثيلاً له من قبل. كان يتّسع لخمس او ست سيارات دفعة واحدة. أبطأت سيارة امامي ففرملت. الا ان محرك سيارتي انطفأ. حاولت إشعاله مجدداً دون جدوى. فكان علي ادفع السيارة من الوراء لإعادة تشغيل المحرك. سألتها “هل تحسنين القيادة؟” أجابت “نعم”. نزلت من ناحيتها ودارت من امام السيارة لتجلس مكاني. وضعت الڤيتاس على السرعة الثانية ثم شرحت لها انه يجب عليها ان تبقي الضغط برجلها اليسارعلى دعسة الدبرياج حتى اصرخ لها فترفع رجلها فإذا دار المحرك تعود لدعس دعسة الدبرياج حتى ادخل السيارة واضع الڤيتاس على المحايد واستلم المقود. واذ كانت تجهل القيادة، حاولت دفع السيارة خمس او ست مرات الا ان المحرك كان ينطفئ مجدداً.

لم يتوقف احد لمساعدتنا. كان لا بد ان تدفع هي السيارة بينما اجلس أنا وراء المقود. نزلت احلام من السيارة وكانت ترتدي فستاناً لونه أحمر ساطع يصل الى ما فوق الركبة، ضيق على الخصر بينما يتسع في أسفله بشكل جرس. ما ان انحنت لتدفع السيارة حتى ارتفع أسفل الثوب من الوراء وظهر للقادمين من ورائنا ساقان جميلتان ببياض أخّاذ. خلال ثوانٍ دوّى صرير إطارات السيارات التي توقفت وعلا صوت الزمامير. بعد لحظات وصلت الشرطة واقتادتني مع الفتاة الى المخفر.

كان يغيظ أفراد الشرطة ان يكون اجنبي يصطحب فتاة عراقية. شرحت لهم أني كنت بصدد ايصالها الى منزلها ليس الا. افرجوا عن أحلام التي رجعت الى بيتها في سيارة أجرة بينما أطالوا التحقيق معي ثم افرجوا عني بدون السيارة التي اضطررت للمجيء بعد يومين مع أوراق إثباتية إضافية لاستعادتها.

بعد تلك الحادثة تحاشيت التواصل مع احلام ولا ادري ما حصل لها.

 

قياسي

غراميّات على شاطئ رملي

img_1865

في بداية العشرينات من عمري عندما انهيت السنة الدراسية في كلية الهندسة بعد اجراء امتحانات في غاية الصعوبة، كنت في أشد الحاجة للراحة والاستجمام. لذا قصدت الشاطئ الرملي الذي لم يكن يبعد كثيراً عن منزلي، بعد ان ارتديت لباس سباحة ازرق اللون ولبست فوقه سروالاً كاكيّاً قصيراً بينما غطّى القسم الأعلى من جسمي قميص قطنيٌّ ابيض له أزرار امامية تسمح لي بالإفراج عن الصدر بالقدر الذي يحتاجه تبعاً للحرارة الجوية. وهذا دون ان ننسى قبعة القش والمنشفة.

اما قصّتي مع البحر فبدأت مُذ فتحت عينيَّ على الحياة. كان منزلنا العائلي يعتلي هضبةً تبدو وكأنها وجدت لتراقبه. ففي كل يومٍ سماؤه زرقاء وصافية وأفقُه مرئيٌّ وواضح بينما موج البحر مائل الى الهدوء، كان قلبي ينعم بعشق الحياة وآمالي تكبر بخيرٍ آتٍ. ونشوتي للحياة كانت تعظم أيضاً حين كانت الشمس تتوارى وراء الأفق وتأخذ وقتها قبل ان تبلل نفسها وكأنها برتقالة في الامد خائفة من ان ترش كل ما كان حولها لدى ارتطامها بسفح المياه. اما في نهار جوَّه مكفهر فكان موج البحر الهائج يرتطم على الصخور ليزيد من رهبة المشهد كما نجد في الدور الذي تلعبه الموسيقى في فيلم سينمائي مرعب. اما خلال الليل فحدث ولا حرج اذ كان صوت الامواج رفيق وسادتي فتنصت أذناي الى ما لم أكن لأراه. ترعرعت على ان أحبّ البحر وأخشاه في آن معاً وحلمي ان تمكنني الأيام من ان اعود للعيش على مقربة منه.

وصلت الى الشاطئ وهو عبارة عن شبه خليج طوله حوالي الثلاثة كيلومترات وشطّه كله من رمال ناعمة فاتحة اللون يكاد من يمشي عليها يخال نفسه وكأنه يخطو في حلمه. وخوفاً من ان تحرق الرمال الساخنة اكفّ قدميّ، كنت أرتدي شبشباً بلاستيكياً كنّا نسميه “ابو إصبع”.

وما ان وصلت الى وسط الشاطئ واذ بي أصادف رتلاً من الاصحاب كانوا قد نصبوا خيمة مستطيلة مفتوحة الجوانب وذلك للوقاية من أشعة الشمس التي كانت تسطع في ذاك اليوم من أواخر شهر حزيران. دعوني للجلوس معهم فقبلت. خلعت قميصي وسروالي ووقفت أتأمل الرواد الذين كان الشاطئ يغصّ بهم…

في تلك الأيام التي سبقت الخلويات، حتى الهواتف السلكية القديمة لم تكن قد توافرت بعد في معظم البلدات. إنما اجهزة الرصد والترقب كانت موجودة على كل الشرفات والنوافذ لتنقل الأخبار بسرعة قد تضاهي ما نجده في اجهزة اليوم. فكلما زرت صديقاً ما في احدى القرى، كان الخبر يصل الى اهلي مع السؤال: بنت مَن كان يقصد؟ لذا كان عليّ توخي الحذر في تنقلاتي وكنت أظن نفسي اكثر حظاً ممن سبقني لان ذاك الجيل كان شبانه وشاباته يتخاطبون “بالعصفوري” لكي لا يفهم احد غريب ما يقصدونه. وكان ذلك بإدخال حرف الزين في وسط الكلمات.

وما أنا في تأملي الى ان دخلت الخيمة فتاة في غاية الجمال كنت قد قابلتها سابقاً. كانت ترتدي مايوهاً اسود من قطعتين يعطي جمال جسدها رونقاً خاصاً. بادرتني السلام وجلست بقربي على الرمال. كان شعرها الاسود القاتم يغطي قليلاً من كتفيها وله تموجات طبيعية تعطي الإنطباع بأنه تم تصفيفه. اما عيناها العسليتان اللتان تغرقان وسط بياض ناصع تحدّه رموش علوية وسفلية سوداء ويكللهما حاجبان طبيعيان فكانتا تشعّان دفئاً جذاباً لا يوصف. اما الشفتان فكأن الخالق قد ابدع برسمهما دون ان ينسى ان يعطيهما لوناً يُرى ولم يكن بمقدور صانعي المساحيق تقليده!

بعد ان تحادثنا بعض الوقت شعرت بتبادل انجذاب فيما بيننا فكنت ارى كثافة في رطوبة بياض عينيها الذي بدأ يأخذ القليل من الإحمرار فقررنا التواري لبعض الوقت عن العيون المترقبة التي كانت ترصدنا.

وإذ كان الشاطئ يغصّ بالزوّار واذ كان يوجد قارب مطاطي مع الفريق الذي كنّا معه، قررنا الإبتعاد به الى عمق البحر. فسحبناه على الرمال حتى المياه ومن ثم فوق المياه حتى بلغنا عمقاً يوازي الركبة فقفزنا في داخله.

تمركزت ناحية المجاذيف بينما جلست هي من الناحية المقابلة. أخذتُ اجدّف بكل قواي لأبعد عن الشاطئ بينما كانت الامواج المتلاحقة تردّ القارب باتجاه اليابسة مرةً بينما تغيّر اتجاهه مرة اخرى. وكنت اذا اتجه نحو اليسار أجدّف بيساري لاردّه نحو اليمين ثم تأتي موجة جديدة فتلطم القارب عن اليسار فتحول الاتجاه نحو اليمين ثم أعيد الكرة من اليمين لأعيده نحو الإتجاه الصحيح الى ان تأتي موجة ثالثة فتحوَّل الإتجاه كلياً نحو اليسار.

بينما كنت أتخابط مع الأمواج سألت مرافقتي: “هل أنتِ خائفة؟” أجابتني:”كيف أخاف وأنا برفقة رجل؟” عندئذٍ شعرت وكأني تناولت جرعة من “السبانخ” التي كان يتناولها “بوباي” في حلقات الصور المتحركة فانتفخ صدري وأخذت اضرب بكل ما أوتيت من قوة تارة من اليمين وطوراً من اليسار آملاً بالوصول الى الأمان في أسرع وقت!

إلا ان الأمواج بقيت تتوالى الواحدة تلو الأخرى والزورق يتجه نحو اليمين لأعيده نحو اليسار والعكس بالعكس دون هوادة الى ان ألمّ برأسي دوار البحر وأخذ يزيد وأنا غير عابئ به الى ان انهرت كلياً على القارب وأسلمت جسدي كمن يسلم الروح!

فما كان من صديقتي إلا ان قامت بمهمة التجديف للعودة الى شط الأمان! ما ان وصلنا حتى قامت بمساعدتي على التمدد على الرمال علّ الدوار يفارق رأسي إلا انه لازمني أكثر من يومين…

لم ألقَ الفتاة بعد ذلك بعد ان احسست بأني فشلت في ابسط المهمات!

 

 

 

قياسي