هل الطب مهنة أم رسالة؟

هل الطب مهنة أم رسالة؟

كنت أقف إلى جانب صديقي جان خوري في موازاة  الخط الفاصل بين الممرّ الرئيسي “للمول” الواقع في “سان برونو” والواجهة المفتوحة لصالة العرض الخاصة بالمطابخ والحمامات والتي كنت قد أنشأتها قبل عقد ونصف من الزمن. كان جان طويل القامة، ابيض السحنة، أصلع الرأس، يرتدي نظارات مستديرة في إطار معدني رفيع، ذا بدانة مفرطة لا تعيق سرعة حركته وخفّة ظلّه وصهصهته خلال حديثه!

ألقى نظرة نحو “كاونتر” الاستقبال وكان يجلس أمامه رجل وسيدة تقابلهما مصمّمة المطابخ “ناتاليا” وهي تعرض عليهما ما ارتأته من تصاميم، ثم التفت نحوي سائلًا: “هل تعرف من يكون ذاك الرجل؟” وبعد ان نفيت ذلك بإيماءة من رأسي استطرد قائلًا: “هذا هو الدكتور “جوتيه” من أشهر الأخصائيين بأمور الجراحة وقد أجرى منذ مدّة عمليّة جراحيّة لربط المعدة لأختي الصغرى “مايا” وذلك من أجل معالجة البدانة في جسمها!”

مرّت بضعة أشهر مذ ذاك اليوم، كان خلالها الدكتور “جوتيه” قد وقّع على عقد المطبخ، ومن ثمّ تمّ تصنيعه وتركيبه، والى ما هنالك من أمور مختلفة تتعلّق بالأعمال. وإذ كان المسؤول لديّ لمتابعة التنفيذ قد انتقل للعمل في منصب حكومي، وردني اتصال من الدكتور “جوتيه” يزعم أنه غير راضٍ عن العمل. قرّرت الذهاب بنفسي لمتابعة الموضوع وتفحّص أمور التنفيذ. 

وإذ قصدتُ منزله برفقة إحدى المسؤولات عن قسم المطابخ، استقبلنا الدكتور برفقة زوجته. كان طويل القامة، رياضيّ البنية، يرتدي قميصاً أزهر اللون قصير الأكمام فوق سروال من نوع الجينز. كان مُكفهرّ الوجه، عصبيّ المزاج لا يترك لنفسه أيّ مجال للتفاوض. أخذ يُوبّخني وكأني طفلٌ صغير في حضرته. قرّرت استقصاء ما يشكو منه، إلّا أنه كان مصرًا على تكملة صب غضبه عليّ. قلتُ له أننا في صدد مشروعِ بناء وقد تحصل بعض الأخطاء، إلّا أننا لا نسمح بتركها دون معالجة. أشرتُ له ان الأخطاء قد تحدث حتى في المستشفيات. قال: “أبداً! أنا طبيب جراح في مستشفى ولا أترك مجالاً لأي خطأ!” أخبرته أني قبل سنة، ولدى خضوعي لفحص مجرى المرارة، أصاب الدكتور الفاحص البنكرياس بواسطة المنظار ممّا أدى إلى إصابتي “بالبنكرياتيت” وقد وُضعت بعدها لفترة تزيد عن العشرة أيام في قسم معالجة الأشخاص الميؤوس منهم! أصرّ على موقفه مدّعياً أن في عهدته، لم يحصل ولن يحصل أي خطأ!

وبعد تفحّصي للمطبخ وجدتُ سبب امتعاضه وطلبت القطع اللازمة لإجراء التعديلات المطلوبة، وتم الإصلاح وقد حاز ذلك على رضاه!

بعد قرابة السنتين، علمت أن “مايا”، الأخت الصغرى “لجان”، دخلت المستشفى مجدداً، وقام الدكتور “جوتيه” باستئصال الحلقة لأنها لم تكن تناسبها. بعد العملية بحوالي يومين، زادت آلام الفتاة وارتفعت حرارتها. يبدو ان التهاباً ما قد أصابها. كان ذلك نهار جمعة. تمّ الاتصال بالطبيب. كان يمارس لعبة الغولف. أوصى بإعطائها مضادات حيوية ومسكنات، وبقي يمارس هوايته مدّعياً أنه سيراها نهار الاثنين المقبل. إلّا أنها لم تقوَ على الانتظار وفارقت الحياة عن عمر ٢٩ سنة!

بعد ذلك، قام “جان” بملاحقة الطبيب أمام المحاكم، مع أنه من الصعب الحصول على ملاحقة محقّة أمام القضاء الكندي، نظرا لأن نقابة الأطباء تحمي أعضاءها! إلّا ان “جان” تابع الملاحقة القانونية حتى النهاية! تصوّروا ان الدكتور الملاحق ادعى أمام القاضي أن مرضاه يعتبرونه بمثابة “إله”! خسر “جوتيه” الدعوى أمام الملاحقة مما اضطره الى اعتزال المهنة!

تلك الحادثة الأليمة أعادت إلى ذاكرتي ما كنت أسمعه في صغري عن الدكتور عزيز عون، من الدامور في ساحل الشوف اللبناني . كانوا يُسمُونه الدكتور “عجيز”. وُلد في العقد الأخير من القرن التاسع عشر وواظب على معالجة المرضى طوال حياته. في البداية، كان الطبيب الأوحد في المنطقة وكان المرضى يقصدونه من الأرجاء القريبة كافة! كانت عيادته في شارع أشبه بالزاروب نظراً لضيقه وعلى مرمى حجر من منزل جدّتي! كان لا يتوانى عن الذهاب الى القرى لمعالجة المرضى، ونظراً لعدم تواجد طرقات معبّدة في ذاك الوقت، كان يضطر الى امتطاء دابة في الكثير من الأحيان للوصول الى مرضاه، ولم يكن يتقاضى أجراً من الفقراء منهم!

مذ بزوغ النهار كان المرضى يتوافدون على عيادته! منهم من يدخل عليه وهو يتناول فطوره! من القصص الطريفة ان امرأة من بلدة برجا قصدته وهي تشكو له مرض طفلها. قالت له: “يا حَكَيْم، يا حَكَيْم! هالصبي حِكْمُه هْرار، ولون خْروجه، أجلّك يا حَكَيْم، مثل هالبيضات اللي عم تاكلن!” هنا علقت اللقمة في حلق الدكتور، فما كان منه إلّا أن رمى بمحتوى صحنه على الأرض!

وأما عن الممرّضات، فأجد الفارق نفسه وقد لمست ذلك لدى مروري بمراحل صعبة أمضيتها في المستشفيات. من الممرضات من يعملنَ بقدر الراتب الذي يتقاضينه، ومنهنّ من لا يوجد راتب يوازي العناية الفائقة والاهتمام اللذين تقدمانهما للمرضى!

ومن هنا أعيد التساؤل: هل الطبابة هي مهنة أم رسالة ؟

قياسي

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s