ميكانيكي غير شكل ٢

IMG_3516.PNG

فيما كنت اتنقّل بواسطة السيّارة التي قمت باستئجارها بانتظار الإنتهاء من إصلاح سيّارة “الڤولاريه” ، أخذت أفكّر جدّياً باقتناء سيارة إضافية وذلك نظراً لموقع المنزل الجديد الذي يتطلّب مرونة اكبر فيما يتعلّق بالتحوّج للبيت وإيصال ابنتي من والى المدرسة! وإذ لم يكن بمقدوري دفع كامل المبلغ نقداً كان لا بد من التفكير بالإستئجار الطويل الأمد والذي كان حديث الإنتشار في ذلك الوقت (lease)

في تلك الأثناء أبرمتُ عقداً لصالح الشركة التي كنت أعمل لديها وذلك للقيام بترميم الدور السفلي (القبو) لمنزل يقع في مدينة “ديلسون” الواقعة على الضفّة الجنوبية لجزيرة مونتريال. ما ان عرف صاحب المنزل بما حصل لي حتى عرض عليّ خدماته إذ كان يعمل في قسم المبيعات لدى شركة سيّارات “جي إم” تحت اسم “ديجاردان” وهي نفس العائلة التي يحمل اسمها صاحب المنزل. إلا ان مشابهة الإسم لم تكن إلا من باب الصدفة.

فيما أخذت أفكّر جدياً في الموضوع قرّرت ان أبدأ بالسؤال! اتصلت بصديقي الجديد وقصدت صالة العرض التي تقع في “جزيرة الراهبات”. بعد ان استقبلني في مكتبه وسألني عن المبلغ الذي كنت انوي إنفاقه شهرياً على ايجار السيّارة عرض عليّ سيارة “جراند إم” سوداء اللّون، رمادية الفرش، موديل السنة، جذّابة المنظر وبالأخص لشكل مقدّمتها والتي تبرز في وسطها شبكتا التهوئة بشكلهما المميّز وإشارة “بونتياك” في العارضة الحديدية التي تفصل بينهما. بعد ذلك فهمت ان المتبضّع لا يشتري السيّارة التي يريدها بل ينتقيها على القدر الذي يريد إنفاقه شهرياً.

اعتمدت على شراء السيّارة واستلمتها بعد ايام معدودة بعد نصف ساعة من الشرح عن ميزاتها وطريقة استعمالها. سألت البائع حول إلزاميّة تغيير الزيت لدى الوكالة فأجابني بأنه بإمكاني إجراء الصيانة في أي مكان إنما ينبغي ان أحتفظ بإثبات على ذلك من أجل المحافظة على الضمانة التي تعطيني إياها الشركة والتي كانت تمتد لمدة ثلاث سنوات او ستين الف كيلومتراً (أيّهما يأتي قبل غيره).

أما عمليّة تغيير الزيت فكانت تستدعي أخذ موعد مسبق وإضاعة ما يزيد على ثلاث ساعات من الوقت بين الْمُدَّة التي تستغرقها الطريق ذهاباً واياباً وانتظار السيّارة لدى الوكيل حتى الإنتهاء منها! وبينما كنت اشرح لصديقي نبيل والذي كان زميلاً لي لدى إحدى الشركات في منطقة “إن دي جي” ، طرح عليّ فكرة تغيير الزيت لدى الميكانيكي ريمون والذي كان يشغل الكاراج الموجود تحت مكتبنا. قلت له هذه فكرة عظيمة إذ يمكنني إيداع السيّارة وانتظارها في المكتب بينما أقوم بإداء عملي! وما زاد بقناعتي ان ريمون تربطه صلة القربى مع أحد الزملاء الذين يعملون معنا.

عندما حان موعد تغيير الزيت حضرت بسيارتي الى الكاراج وأودعتها بنفسي لدى ريمون الذي أعطاني ثقة كبيرة بطلاقة حديثه، فصعدت الى مكتبي وأنا في غاية الإنشراح لأني لن أضيع أياً من وقتي في الإنتظار!

ما ان أمضيت زهاء نصف ساعة في المكتب حتى تلقيت اتصالاً هاتفياً من ريمون. قال لي: “بشير، انزل فوراً الى هنا!”

نزلت مذعوراً وانا لا أعرف ما ينتظرني فالسيارة جديدة وما زالت تحت ضمانة الشركة المصنّعة ولم ألاحظ أيّ شائبٍ في سيرها. ما ان واجهته حتى بادرني: “بشير! كيف تقود السيّارة بهكذا وضع؟” ثمّ أراني إحدى “البوجيّات” وكان بعض السّواد يُغطّي قطبَي اشتعالها. قلت له ان السيّارة تسير على افضل ما يرام ولا افهم سبب قلقه! قال: “أبداً! يجب ان أغيّر لك “البوجيّات” والّا السيّارة “ستقطعك” وانت في الطريق! سأضع لك “بوجيّات” ماركة “شامبيون” وهي افضل نوع موجود، وافضل من “بوجيات” الشركة!”

رضخت للأمر بعد ان افهمني ان ضمانة الشركة المصنّعة لا تشمل هكذا أمور. المهم أَنِّي بصقتُ على مبلغ محترم بالإضافة لكلفة غيار الزيت وريمون يشرح لي ان أدّاء المحرّك سيتضاعف بعد تلك العملية!

استلمت السيّارة وانا كلّي قناعة من أَنِّي صرفت مبلغاً على عملٍ لم تكن السيّارة بحاجة اليه الّا اني خشيت ان تخزلني السيّارة في إحدي الليالي الباردة!

أما الغريب فأني لاحظت تقطعاً ملحوظاً في المحرك وانا في طريق عودتي الى المنزل! ظننت في البدء ان السبب قد يعود الى وسخة عابرة في البنزين فحاولت ان أزيد من السرعة علّ “الكربوراتور” ينظف، إِلَّا ان التقطع في سير المحرك زاد بدل ان يضعف!

في اليوم التالي عدت أدراجي الى كاراج ريمون وأعلمته بما يحدث مذ قام بتغيير “البوجيّات”. تعجّب من الأمر وطلب مني ابقاء السيّارة ساعتين لديه ليعدّل المسافة بين قطبي الإشتعال لكل “بوجي”! بعد الإنتهاء قال لي ان محرّك السيّارة “سيسير مثل النحلة”!

الّا ان الوضع بقي على حاله وعدت اليه مرةً أخرى! عندئذٍ سألني: “ما هو نوع البنزين الذي تستعمله؟” أجبته: “عادي، كما في توصيات الشركة!” عندئذٍ بحلق في عينيّ وقال لي: “روح حط سوبر (ممتاز) وانا المسؤول!”

وهكذا أخذت أزوّد السيّارة بالبنزين “سوبر” طوال السنوات التي بقيت معي فيها مما كلّفني ما يوازي ١٥٪‏ إضافي على مصروف المحروقات، إِلَّا أَنِّي لم أعد مطلقاً الى كاراج ريمون!

قياسي

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s