قصص هدوم نسائيّة

IMG_2694

لما كنت صغيراً
لم أكن بعد قد وصلت الى الخامسة من عمري عندما اصطحبتني والدتي للتسوّق في أسواق اللعازارية القريبة من مسكننا. في تلك الحقبة من الزمن كان والدي قد أوفدته وزارة الماليّة للتخصّص في باريس بالأمور الضريبيّة.

ما ان قطعنا شارع الامير أمين حتى أصبحنا على الرصيف العريض لمبنى اللعازارية المغطّى بالطوابق العليا اذ كانت واجهة المحلات على تراجع من العواميد المربعة الشكل والصفراء اللون والتى كانت تحمل المبنى من ناحية الطريق.

دخلت مع والدتي الى احد محلات “النوفوتيه” حيث أخذت تتفقّد ما كان معروضاً من ألبسة نسائيّة. كان صاحب المحل في العقد الرابع من العمر، معتدل القامة، بشرته مائلة الى البياض الممزوج ببعض الاحمرار على خدّيه، له عينان عسليّتان كبيرتان وشعره مائل للشقار مع بعض التجاعيد التى كانت تظهر من خلال تسريحه له نحو الوراء!

سألته والدتي عمّا كان قد ورده حديثاً من موديلات. كان يقف وراء منضدة يكاد رأسي يصل الى حافتها لصغر سِنّي! نظر اليها ثم سحب من على رفٍ وراءه قطعة سوداء ناعمة الملمس وفلشها أمامها. قال لها: هذه القطعة وصلتنا لتوّه من أوروبا وهي عبارة عن بنطلون نسائي وهذه آخر موضة وقد لاقت استحساناً ورواجاً كبيرين في بلاد الغرب! سألته والدتي: “بنطلون للنساء؟ أأنت متأكّد؟” ولم تكن النساء حينذاك يرتدين بنطلونات بعد !

وضعت والدتي يدها على كتفي وتطلّعت نحوي وسألتني بصوتٍ ناعم: “ما رأيك يا بشير ان اشتريت لنفسي بنطلوناً؟” وبسرعة البرق لبطّت رجلي في الارض وصرختُ بانفعال شديد قائلاً:”سأُنتّفهُ وأقطّعه أِرباً!” عندئذٍ توجّهت بنظري نحو البائع فوجدته قد انفرجت أساريره واغرورقت عيناه ثم تقدّم نحوي وقرفص ليكون على مستواي وضمّني الى صدره وأخذ يرتّب على كتفيّ بكلتيّ يديه ويتمتم كلمات فرح! من البديهي انه كان ضد فكرة ارتداء البنطلونات لدى النساء وان كانت من مبيعاته! ولشدة إعجابه بموقفي قام باهدائي قميصاً لا أنسى لونه ونقشة المربعات المرسومة عليه ثم البسني أياه للتأكد من انه على مقاسي وأسرّ في جيبه ليرة لفّها بشكلٍ دائري!

محلات جننجي
كانت محلات “جننجي” في بيروت في محلّة “باب ادريس” من أهم الأماكن المعروفة والمقصودة في منطقة الشرق الأوسط للتبضّع بمنتجات الفرو الثمينة. وكانت صداقة قديمة تربط والدي مع تلك العائلة المؤلفة من ثلاثة اخوان لم يتزوّج أي منهم! لدى ولادتي قاموا بأِهدائي حراماً من الفرو الثمين لم ألتحف به يوماً! المؤسف انه في بداية الحرب الأهلية في لبنان قضى الثلاثة نحبهم في قتال نتج عن سوء تفاهم حيث ظنّ الإخوة ان المسلحين الذين يجوبون شارعهم إنما هم سَرَقة بينما تخيّل للمسلّحين ان من يقاومهم هم من القوات المناوئة لهم! وما ان دخلوا المبنى حتى فوجئوا بالمستودعات المبرّدة التي كانت تحوي القطع التي أراد أهلها حفظها من العثّ خلال الأيام الحارة فنهبوا كل الموجودات!

اما ما حدث أمامي فكان قبل تلك الأحداث المشؤومة. طلبت مني والدتي ان أقصد محلات “جننجي” لاستحضار معطفها “الفيزون” والذي كانت تحفظه لديهم في خلال الأيام الحارة من كل موسم وذاك مذ أهداها إياه والدي في اول سنة لزواجهما. ما ان دخلت الباب الزجاجي الذي كان يتوسّط واجهة فيها بعض معروضات الفرو حتى توجهت نحو احد الموظفين. طلب مني التريث بضع دقائق ريثما يحضرون مطلبي من الداخل!

بينما كنت انتظر استرعى انتباهي وجود رجل وامرأة يقفان جنباً الى جنب ويتحدثان مع أحد الباعة. كان كونتوار عرض زجاجي يفصل بينهم. كانت السيدة ترغب بشراء معطف من فرو “الفيزون”. في تلك الأيام لم تكن قد هبّت بعد هستيريا المدافعة عن ارواح الحيوانات وكان الدفاع يقتصر على الدفاع عن الانسان!

بينما ذهب البائع لإحضار الموديلات المختلفة أخذت انظر بتمعّنٍ الى الزوجين الواقفين أمامي. كان الرجل في العقد الثامن من العمر، طويل القامة، منحني الظهر قليلاً، له كرش وجاهة، ابيض البشرة، شيبته تدل على عمره، جبينه عريض ويرتفع من اليمين ومن اليسار، أنفه بارز ويحتضن بجدارة نظارات دائرية العدسات ضمن إطار بنّي. كان يلبس طقماً مكوّناً من ثلاث قطع لونه بني فاتح وفيه بعض التقليمات وكانت سلسلة ذهبية تتدلّى من جيبة سترته. أما زوجته فلم تكن تصغره بكثير. كانت قصيرة القامة، نحيلة الجسم معكوفة البنية، وقد شدّت شعرها لتعقده بشكل كعكة مستديرة في مؤخّرة رأسها. وكانت ترتدي معطفاً من الجوخ الخشن والمونّس الألوان !

عاد البائع حاملاً ثلاثة قطع قاتمة اللون وفلشها على الطاولة ثم بدأ يشرح: هذا المعطف فروته ناعمة وقليلة اللمعان. اما الثاني فوبرته أخشن ولمعانه أكثر، بينما الأخير فوبره منتصب وكثير اللمعان. هنا سألت زوجها قائلة: ما رأيك يا “طوبي”. أجابها : “متل ما بدّك حبيبتي!”

عندئذٍ أمسكت بالاول وقالت:”ألا ترى يا “طوبي” ان هذا المعطف أقل شياكةً من الآخرين؟ الا ترى ان هذا الذي في الوسط بلماعة فروته اكثر شياكة؟” ثم تحولت نحو الثالث وقالت: “الا ترى ان هذا الذي يلمع كثيراً هو أشيكهم وأجملهم؟” وكان “طوبي” يجيب بإيماءاة من راْسه حتى لا يردد “متل ما بدّك حبيبتي”!

عندئذٍ تطلٌعت نحو البائع وقالت: “هذا هو الذي أعجبني! ما هي الأسعار؟”. أجابها ان الذي أعجبها سعره ٦٠٠٠ بينما الذي كان في الوسط ٧٠٠٠ اما الذي لم يحظَ بإعجابها فكان سعره ٨٠٠٠

بعد تلك المفاجأة سألت “طوبي” عن رأيه فأجاب متمتماً بإيماءة الاستسلام عينها! ثم قالت سائلةً: “صحيح يا “طوبي” أعجبني هذا المعطف، إنما انظر، الا ترى ان هذا الذي في الوسط أجمل بالنسبة لعمري؟” ثم قالت: “تعرف يا “طوبي”، هذا الأخير لم انتبه له كثيراً من قبل ، ضع يدك عليه ، المسه، الا ترى انه بالفعل أشيك الثلاثة؟”

بالنهاية قررت السيدة ان تشتري الاغلى ثمناً!

قياسي

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s