قصّة علاقتي بأحلام في بغداد

img_1887

وصلت مساء الخامس من كانون الثاني سنة ١٩٧٧ الى بغداد على متن احدى طائرات طيران الشرق الأوسط. اضطررنا للبقاء داخل الطائرة اكثر من ساعة حتى صعد على متنها احد أفراد المخابرات للتأكد من هويّة كلٍّ من المسافرين. كان ضخم الجثة تُغطّي رأسه قبعة سوداء من الفرو مستطيلة كراكولية الشكل من النوع الذي يُرتدى من الخلف الى الامام. اما معطفه القاتم اللون فكان من الجوخ الكثيف وكان يلفُّ شالاً بيجياً حول عنقه يكاد يخفي قبّة قميصه البيضاء وربطة عنقه. اما وجهه المكفهر فكانت معالمه لا تُخطئ في الدلالة على اصوله العراقية وبالأخص بعينيه الكبيرتين وشاربيه الكثيفين اللذين يأخذان شكل فرشاة.

وبرفقة شرطي متأهبٍ الى جانبه أخذ رجل المخابرات يتفرّس بكل جواز سفر ثم يحدِّق بعيونٍ ثاقبة لثوانٍ تكاد لا تنتهي في وجه حامله. ما ان أتى دوري حتى شعرت بنوعٍ من الامتعاض وبدأ جبيني يفرز عرقاً. أعاد لي جوازي ثم انتقل الى من تبقى من الركاب لإكمال جولته. بعد ذلك أفرج عن المسافرين فاتجه كلٌّ لأخذ حقيبته وتكملة مشواره.

في سيارة الأجرة التي كانت تقلُّني الى المنزل الذي كان بمثابة محطة لموظفي الشركة التي كنت اعمل لديها، بدأت أسترجع بذهني توصيتين اثنتين خصّني بهما احد رؤسائي: “لا تتكلّم بالسياسة وتجنب أية علاقة مع الفتيات العراقيات”.

مكثت عدة ايّام في بغداد حيث كنت انام ليلاً في المنزل الذي كان يقع في منطقة مسماة “عَرَصات هندية” بينما كنت امضي نهاري في العمل في مكتب الشركة الذي كان يقع في شارع الجمهورية. وكان مشروع بناء مصنع إطارات الديوانية الذي أوفدت للعمل فيه يتواجد على نحو ٢٠٠ كلم جنوب بغداد. اما عقد تنفيذه فكان بتعاونٍ مشترك بين شركة كتّانة اللبنانية وشركة “ديكورهوف اند ڤيدمان” الألمانية. اما عن بغداد فقد فوجئت خلال مكوثي فيها بحدائقها الجميلة ومنازلها المكسيّة بالطوب الأحمر الغامق والمبنية بتنسيق جيّد على شوارع أُحسن تفريعها. اما مطاعمها فكانت على درجة لا بأس بها خصوصاً اذا ما قورنت بباقي العواصم العربية.

وصلت الى مركز عملي في الديوانية وكان المشروع يبعد نحواً من ١٠ كلم عن المنزل الذي كنت أقطنه مع اثنين من موظفي الشركة التي كانت تحرص على إسكان كل فريق مع أهله. وكان المنزل يحوي ثلاث غرف نوم وصالوناً كبيراً وغرفة طعام ومطبخاً وحمامين وباحة خارجية محاطة بسورٍ عالٍ من ناحية الطريق تعلوه نباتات متسلّقة خضارها غامق وأزهارها حمراء. اما المدخل الخارجي للباحة فكان حديدياً دُهنَ بأسود تقلّش مع الزمن.

ما ان كنت في مسائي الثاني في المنزل حتى رنّ التلفون الوحيد الموجود في الرواق فهممت لأخذ المخابرة اذ كان كلٌّ من صاحبيّ بعيدين عن الهاتف. ما ان أجبت “آلو” حتى بادرني صوت ناعم “من أنتَ؟”. أجبت ” أنا بشير” فقالت “بشير من؟” فأجبت: ” أنا مهندس جديد وقد وصلت منذ يومين. مع من أتكلم؟”. قالت “أنا أحلام” فأجبت ” تشرفنا. بماذا يمكنني ان أساعدكِ؟”. قالت “أين آسيا؟” قلت “آسيا من؟” سألت ” أنت لبناني ولا تعرف آسيا؟” قلت “بلغت هذا العمر ولم اعرف أحداً يحمل هذا الإسم!” عندئذٍ قالت: “لا أستطيع العيش بدون آسيا ولا طعم للحياة بدونه! سأقتل نفسي، سأنتحر! ستقرأ الخبر في صحف نهار غد! انت آخر من أتكلم معه!” صعقت بالخبر واخذت احاول دون جدوى إقناعها بالعدول عمّا هي عازمة عليه الآ أني لم أفلح! بعد زهاء الساعة من الكلام أقفلت السماعة ولم تعطني اي انطباع بأنها ستحجم عن قتل نفسها!

بعد المخابرة التي خضّت مشاعري سألت رفيقيّ عن آسيا. أجابا انه كان مسؤولاً عن الكانتين التي كانت تقوم بإطعام مجمل عمال وموظفي الشركة وكان عددهم بالمئات وانه قرر الرحيل فجأة ولن يعود! وانه كان على علاقة حميمة مع احلام!

بعد يومين تلقيت مخابرة ثانية من أحلام. في البدء كنت سعيداً من انها لم تقترف ما لا تحمد عقباه الا انها ثابرت بترديد ما تنوي فعله وأنها لا تستطيع العيش بدون آسيا! ظللت أحاول ثني عزيمتها قائلاً انه لا يوجد رجل في هذا العالم يستحق ان تموت فتاة من أجله اذا فارقها… إلا أني كنت وكأني أتكلم مع جدار!

توالت المكالمات وهي تزيد من تهديدها بإنهاء حياتها الى ان قلت لها أني سأسافر في نهاية الأسبوع الى بغداد. واذ كنت شبه واثق بأني سأتمكن من إقناعها عندما القاها وجهاً لوجه بان تُحجب عمّا عزمت عليه كنت في نفس الوقت مرتعباً من ان أخفق في مهمتي وسألوم نفسي أذا هي أقدمت على الإنتحار.

كانت السيارة التي وضعت تحت تصرفي من نوع ڤولكس ڤاكن “الخنفساء” بيضاء اللون برازيلية الصنع. ومع انها لم تكن قد تجاوزت سنة من الخدمة الا ان قلة اهتمام التقنيين الألمان الذين كانوا يعملون في كراج الشركة كانت السبب الرئيسي لبعض الأعطال الميكانيكية التي كانت تحصل من وقت لآخر.

واذ كان نهار الجمعة يمثل نهار العطلة الأسبوعية استقللت السيارة نهار الخميس باتجاه بغداد وذلك بعد انتهاء اعمال النهار. واذ كنّا في فصل الشتاء والشمس تغيب باكراً، وسأضطرّ لقيادة السيارة في الظلام وإذ كانت الڤولس ڤاكن مجهزة ببطارية 6 فولت فلا أستطيع القيادة بسرعة تزيد عن ٦٠ كلم في الساعة لان سرعة السيارة كانت تتجاوز ما تنيره المصابيح الأمامية. لذا كانت تستغرق الرحلة اكثر من ثلاث ساعات! اما الطريق فكانت مستقيمة لدرجة آنه بمجرد رؤية ضوء سيارة آتية من الجهة المقابلة كنت انتظر نحواً من عشر دقائق قبل التقائها.

ما ان وصلت الى بغداد حتى اتصلت بأحلام لملاقاتي للعشاء في احد المطاعم. حضرت وكان برفقتها ابن شقيقها الذي لم يكن قد وصل الى الثامنة عشرة من العمر. قدّرت مجيئه خصوصاً لأني كنت في صدد مساعدة الفتاة.

اما هي فكانت شقراء، طويلة القامة، جسمها متوازن المقاسات تمشي وهي واثقة من أنوثتها، بيضاء البشرة ولها وجه فيه ما يكفي من الجمال ويزيد من إشراقه لون عينيها العسليتين. وكانت متمدنة في ملبسها من حذاء الكعب العالي الى التنورة الكحلية التي لا تخفي ركبتيها الى القميص الحريري الملّون برسوم أزهار والذي كانت ازراره امامية تخفي جسمها فيما عدا ما تحت رقبتها الممدودة حيث كانت تلبس أيقونة معلقة بسلسلة ذهبية.

جلست بجانبي بينما جلس ابن أخيها في المقابل. ما ان وضعنا طلبية الأكل حتى بدأت تروي لي قصة آلامها. كانت عيناها تغرورقان بالدمع طوال الحديث فاحتسينا الشورباء وهي تردد ما كانت تقوله لي في المخابرات الهاتفية بينما كنت أحاول بشكل متجدد إقناعها بان الأمور ستتحسن وان الحياة أمامها ولا داعٍ لذرف الدموع على من لا يستحقها.

ما ان حضر الطبق الرئيسي وكان “ستيك” مع البطاطا والخضار المسلوقة حتى بدأت تنفرج أساريرها وبدأت ملامح الاسى تختفي من وجهها. وما هي الا دقائق حتى رأيتها تقتطع بشوكتها وسكينها قطعة صغيرة من اللحم في صحنها وترفعها بالشوكة نحوي وهي تحرك رموش عينيها وكأنها تطلب مني ان افتح فمي. تلقمت القطعة وأخذت امضغها على مهل وانا أسائل نفسي: هل من واجبي ان أبادلها بالمثل؟ ألا يقتصر هكذا تصرف على العشاق؟ أم ان للعراقيين عادات لا توجد عند سواهم!

لم أعد الى بغداد الا بعد ثلاثة أسابيع. لم تنقطع الإتصالات الهاتفية وكنت اواسيها في كل مرة على ما فقدت. ما ان التقينا على الغذاء في احد المطاعم حتى بادرتني بقبلة على خدي. كانت ابتسامة عريضة تزيّن وجهها. بعد ان تناولنا الطعام صعدت الى جانبي في السيارة وطلبت مني ايصالها الى منزل اختها وأخذت تدلّني على الطريق. وما ان وصلنا الى منطقة الكرادة حتى تطلعت نحوي بعينين متدبّلتين وبادرتني بصوت كله نعومة قائلةً:” لقد تكلّمت مع والدي فيما يتعلّق بعلاقتي معك”. واذ كانت قد أعلمتني ان والدها ضابط كبير في الجيش فقد سكّت ركبتاي وبدأ جسمي يفرز عرقاً.

وما أنا أفكر فيما قالته لي واسأل نفسي هل أنا في حلم أم في واقع حتى دخلنا في دوّار كبير لم أرَ مثيلاً له من قبل. كان يتّسع لخمس او ست سيارات دفعة واحدة. أبطأت سيارة امامي ففرملت. الا ان محرك سيارتي انطفأ. حاولت إشعاله مجدداً دون جدوى. فكان علي ادفع السيارة من الوراء لإعادة تشغيل المحرك. سألتها “هل تحسنين القيادة؟” أجابت “نعم”. نزلت من ناحيتها ودارت من امام السيارة لتجلس مكاني. وضعت الڤيتاس على السرعة الثانية ثم شرحت لها انه يجب عليها ان تبقي الضغط برجلها اليسارعلى دعسة الدبرياج حتى اصرخ لها فترفع رجلها فإذا دار المحرك تعود لدعس دعسة الدبرياج حتى ادخل السيارة واضع الڤيتاس على المحايد واستلم المقود. واذ كانت تجهل القيادة، حاولت دفع السيارة خمس او ست مرات الا ان المحرك كان ينطفئ مجدداً.

لم يتوقف احد لمساعدتنا. كان لا بد ان تدفع هي السيارة بينما اجلس أنا وراء المقود. نزلت احلام من السيارة وكانت ترتدي فستاناً لونه أحمر ساطع يصل الى ما فوق الركبة، ضيق على الخصر بينما يتسع في أسفله بشكل جرس. ما ان انحنت لتدفع السيارة حتى ارتفع أسفل الثوب من الوراء وظهر للقادمين من ورائنا ساقان جميلتان ببياض أخّاذ. خلال ثوانٍ دوّى صرير إطارات السيارات التي توقفت وعلا صوت الزمامير. بعد لحظات وصلت الشرطة واقتادتني مع الفتاة الى المخفر.

كان يغيظ أفراد الشرطة ان يكون اجنبي يصطحب فتاة عراقية. شرحت لهم أني كنت بصدد ايصالها الى منزلها ليس الا. افرجوا عن أحلام التي رجعت الى بيتها في سيارة أجرة بينما أطالوا التحقيق معي ثم افرجوا عني بدون السيارة التي اضطررت للمجيء بعد يومين مع أوراق إثباتية إضافية لاستعادتها.

بعد تلك الحادثة تحاشيت التواصل مع احلام ولا ادري ما حصل لها.

 

قياسي

رأي واحد حول “قصّة علاقتي بأحلام في بغداد

  1. وصلني التعليق التالي

    عزيزي بشير
    عندي لك سؤال: لولا هذه الحادتة هل كنت ستكمل علاقتك بها لتصبح صهر العراق الشّقيق؟
    قصّة جميلة وشيّقة كالمعتاد ونحن بإنتظار المزيد.
    إلى الّلقاء
    سمير أبو صعب

اترك تعليقًا على bachir2014 إلغاء الرد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s